آخر تحديث: 29 / 5 / 2020م - 3:35 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تخدير العقل والسيطرة عليه..!

شاكر أحمد تريك

إِنَّ التحكم والسيطرةُ على منهلِ المعلومات هو السمةُ البارزةُ في مجتمعاتنا، للوصول بالتالي لمسألة الحدِ مِنْ مستوى التفكير وتقليص الأمور التي يجب التفكير فيها والتقيدُ بعددٍ محدود مِنَ الخيارات، وبذلك يمكن إشغال الجموع بقضايا ثانوية تَصنَع واقع مُزَوَّر يترسخ في الوعي المجتمعي لِيُتَهمَ مَنْ يَخرُج عن ذلك الواقع بعدم العقلانية ويكون منبوذًا في وسطه الاجتماعي.

مَنْ يسعى لتلك السيطرة يَعرِف تمامًا بِأَنَّ العقل هو أكثر عنفًا مِنْ أيّ قوةٍ أخرى فهو سلاحٌ فتَّاك يمكن أَنْ يصنع حُريةَ الإنسان أو أَنْ يُسهمَ في عبوديته.. لذلك فإن أعظم أشكال السيطرة أَنْ يقع هذا العقل تحت وطأة وهيمنة أناسٍ تستطيع التلاعب به وتملي عليه أوامرها دون أن يستشعرها.

مِنْ أجلِ ذلك كله قام أولئك الساعون لفرض سيطرتهم وهيمنتهم على العقل باستغلال الدين باعتباره أهمُ وسيلةٍ يستطيعون بواسطتها برمجة وتسيير العقل الجمعي للمجتمعات، معتبرين أَنَّ ما يطرحوه مِنْ آراء مسلماتٍ لا تقبل الفِصال ولا النقاش حيثُ أنهم الفئة المُختارة من الله - حسب ادعائهم - داعين الناس للمسايرة والخنوع غارسين الكثير من المشاعر السلبية كالخوف والذنب في النفوس مُتهمِين الخارج عن شرائعهم الوضعية بالفساد والفسق والفجور في الوقت الذي يمكن أن تجدهم متنكرين لتلك الشرائع إذا ما تطلب منهم الأمر توجيهًا مغايرًا للجموع يتماشى مع تغيير أهدافهم.

طرقٌ كثيرةٌ يقوم بممارستها أولئك دون أَنْ نشعر، لِتَمُرَّر في عقولنا فتفتح باب الطاعة والامتثال دون تفكير، فالتحكم فيما نقرأ ونسمع ونرى. طريقة شائعة في كل الطوائف الدينية الهدفُ منها عزل أي فكرةٍ أو رأي معارضٍ ومنها يستطيعون توجيهنا حسب السير والخط المرسوم لنا مِنْ قِبَلِهِم فتختفي الوسطية بذلك العزل الفكري فكل شخصٍ إما عدو أو صديق، كما أَنَّ طريقهم هو طريق الصواب والطريق الآخر هو الأكثر تخلفًا على الإطلاق.

إِنَّ ما تهدف له تلك العملية هو صنع قطيع مِنَ البشر أبعد ما يكون عن قدراتهم الفكرية الحقيقية، فهم أوقفوا كل ما يَمُد الفكر ويغذيه فلا تحليل ولا نقد ولا ابتكار، لِيَتِم حِصار ذلك العقل والفكر في منطقةٍ ضيقةٍ فيظن أنها الكون، فيُنفِّذ ما يُراد منه تنفيذُه عاملًا كوقودٍ يؤدي وظيفةَ الاحتراق لتسيير البواخرَ دون أن يعلم حتى وجهتها.

يتبادر للذهن بعض الأسئلة هنا! ما الذي يجعل الناس يسيرون وراء تلك العملية ويُخَفِّضون مستوى الفهم لكل الأمور، وتصبح المفاهيم والمقولات الأكثر سهولةً وسطحيةً هي التي تظفر بنصيب الأسد من الانتشار والتداول؟ وما الذي يجعل تلك الأفكار تلج لأي فكرٍ عميق لدى الأفراد؟ هل هو تعزيز شعور التضامن والظهور بمظهر الوحدة المجتمعية وثقافة التلاحم؟

لقد أدرك الساعون وراء الهيمنة على العقول بأَنَّ القرار المنطقي لا يصدر إلا مِنْ عقلٍ فردي بعكس القرار الصادر عن منجرفٍ وراء عقلٍ جمعي ناتج عن تهييجٍ للجماهير يتميز بممانعته للتغيير ورفض كل جديد فهو عدوٌ للتقدم والحضارة والتعدد الإنساني حتى لو كان يمثل الفضيلة على الأرض، بعكس العقل الفردي الذي يميل لحساب العواقب وقادرٌ على تحليل الأمور وتأمُلِ الأبعاد. وهذا ما دعا له الدين الإسلامي دعوة صريحة لمن يريد الوصول للحقيقة بأَنْ ينعزل بوعيهِ عن الوسط الذي يعيش فيه وعن الأفكار والمفاهيم والرواسب التي يحملها ذلك الوسط، ليقوم بالتأمل ويرى الأشياء بعيدًا عن سلطة الجماهير بالعقل الجمعي حيث تجلى ذلك كله في قوله تعالى «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شديدٍ». سورة سبأ - آية 46. عكس دعوة من ذكرناهم حيث ما فتئ بعضُهم باستغلال أي تجمعٍ لنشر آرائهم المتطرفة والدعوة لنبذ التغيير الذي هو سنة الكون، داعين الناس لعدم إعمال عقولهم، ساعين وراء مصالحهم وترسيخ أنهم الأقدر بالتفكير بدلًا منا، داعين لتسقيط كل معارضٍ لهم ولآرائهم، مستغلين فكرة العقل الجمعي في توجيه الجماهير.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 6 / 9 / 2014م - 10:23 ص
العقل الجمعي القطيفي ..!!
هههه .. أين هذا من حفلات الزواج ومهرجانات التفحيط ..!!
2
زهراء احمد
23 / 9 / 2014م - 10:26 م
لدينا بعض اعلام الدين عاجزين عن الفكر وبعيدين كل البعد عن مظاهر الحضارة واسلوب الاستفزاز يجعلهم متهجمين
وقد يستغل البعض مجهودات الاخرين وينسبونها لانفسهم كالبحوث الخاصه بتلامذة العلم وهذا يجعل طالب العلم في حالة نفور دائم من رجال العلم فليس خطأ أن يكن طالب العلم أعلم منك ياصاحب العمامه ..