آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:40 ص

العنف والإفلاس الثقافي

رباب اسماعيل * صحيفة الشرق

في دراسة أجراها كلّ من «أنكيه هوفلر من جامعة أكسفورد وجيمس فيرون من جامعة ستانفورد» تُفيد بأنَّ العنف المنزلي الذي يوجه غالباً ضد النساء والأطفال، يقتل أكثر مما تقتل الحروب. هذا يعني أن القتلة الذين يعيشون في البيوت أكثر من أولئك الذين يعيشون في ساحات الحروب، وأنهم أقرباء وأحبة أكثر منهم أغراب وأعداء.

هذا يعني أن هؤلاء الأحبة العنيفين الذين يعيشون بيننا هم حسنو النيات على الأرجح، وأن هدفهم مصلحة عائلاتهم وتأديبهم وتقويمهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، لكن كل ذلك مع الأسف لم يمنع من أن يكون لهم ضحايا، بل تفوَّق عدد ضحاياهم على ضحايا الحروب.

يدعو الأمر للتأمل وكثير كثير من التفكير في هذا الكائن الذي يسكننا بكل عُقد تراكيبه وخفاياه وتفاعلاته.. هذا «الظلوم الجهول الذي اختار حمل الأمانة» «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا»

منذ هابيل وقابيل إلى الآن وشواهد ظُلم الإنسان قائمة في كل لحظة، وليس أعظمها هو القتل، «فالفتنة أشدُّ من القتل». مُشكلات الإنسان في تفاعلاته المختلفة حتى تلك التي تؤدي بهِ إلى القتل، هي ليست مُشكلات فسيولوجية حتى وإن بدت كذلك في بعض الأحيان، بل على العكس فهي غالباً ما تتكشف عن مُشكلات ثقافية بالدرجة الأولى، حيث فقدان لغة الحوار، وعدم الاعتراف بحق الاختلاف، وعدم تقبُّل الآخر، هذا الهَرم الذي تُسجن فيه إنسانية الإنسان في مُفرَدهِ وجَمعهِ، كَشخص أو كَشعب؛ هو ما يُحوّل حياة كثيرين إلى جحيم مُستَعِر، هذا الإفلاس الثقافي هو ما يخلق الطغاة في بيوتنا، وهو ما يجعل عدد قتلاهم يفوق قتلى الحروب.

مما لا شك فيه أن هناك علاقة طردية بين العنف والإفلاس الثقافي، خاصة في المجتمعات التي تدعي المثالية التي يُعاني فيها الإنسان مشكلاته الاجتماعية والنفسية والثقافية والاقتصادية أكثر مما سواها، حيث تُعالج فيها الأمور على طريقة الشعارات احذروا التدخين - وبذلك تُحقِن أفرادها بمُجمل الشعارات والمقولات بطريقة شمولية لا تُقدم آلية للتطبيق أو الحل، بل هي أبعد ما تكون عن التفكير، وفي هذهِ المجتمعات بالذات يظهر التناقض بصوره الجليّة حيث يبحث مُعظم أفراده عن الوجه الخفي للآخر.. ذلك المتواري خلف قناع العفة وأخواتها.. حتى إذا ما لم يجدوا ذلك القناع.. انصدموا وتمردوا ليذهبوا بعيداً في تطبيق واضح للفكر العُنفي الذي هو ذاته من يُنتج القاتل والخائن والمرتَشي بل وحتى المثقف المرتزق.. وللمثقف بالذات صنوف من الرزق!

شاعرة وكاتبة من العوامية