آخر تحديث: 2 / 6 / 2020م - 10:36 ص  بتوقيت مكة المكرمة

إقصاء المرأة في مجتمعاتنا

شاكر أحمد تريك

ما زالت المرأة تناضل مِنْ أجل تحقيق المساواة مَعَ الرَّجل، ليس في مجتمعنا السعودي فقط ولَكِنْ في أغلب المجتمعات الأخرى وبالذات الإسلامية مِنْهَا. ومَعَ هذا فالمرأة السعودية هي أكثر مَنْ عانى ويعاني ويكابد مِنْ سياسة التهميش والإقصاء نتيجة تفسير البعض للشريعة الإسلامية فيما يختص بشؤونها. فحتَّى يومنا هذا يأتي مَنْ يعامل المرأة على أَنَّها ناقصةُ عقلٍ ودين حسب التفسير الحرفي لتلك الجملة، ولَكِنْ فقط في نجاحاتها بينما تصبح بكامل أهليتها ودينها في حالة الخطأ ويُطَبَّق عليها أقصى عقوبة دون النظر لذلك النقص.

فهل هذا التهميش والتعامل الإقصائي مَعَ المرأة هو نتيجة عاداتنا وتقاليدنا؟ أم بسبب هبوب الموجة الدينية وزيادة قبضة المتشددين على المجتمع؟ أم بسبب عدم ثقتنا وجهلنا كمجتمع ذكوري في التعامل معها؟

لقد تَمَّ إسباغ القُدْسِيَّة على بعض التقاليد التَّي ترسَّخت عبر إرثٍ تاريخي طويل استند إلى فهمٍ خاطىء للدِّين والشريعة الإسلامية هدفه إقصاء المرأة عَنْ حقوقها لتبقى في المرتبة الدنيا مِنَ الرَّجل. كذلك مِنْ خلال مزج تلك التقاليد بالتفسير والتأويل الديني لبعض النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة مِمَّا ساهم في حَط وانتقاص قدر المرأة في مجتماتنا الإسلامية بشكلٍ عام ومجتمعنا السعودي بشكلٍ خاص. فأهواء بعض البشر في تفسير الدين سبب حالة مِنَ العَنَت لدى الناس، وأخرجهم عَنْ مقتضيات الحياة الراقية في تعاملهم مع المرأة حتى رَسَخَتْ قناعة في النفوس أَنَّ ذلك التَنَطُّع التَّي اختلقته تلك العقول المهووسة بفكرة أَنَّ المرأة مخلوق للإغواء والإغراء هو الدِّين الذي أمر الله به. فالدِّين كان دائمًا لعبة بيد ”الروزوخونات“ يُصَاغ حسب فهمهم وأهوائهم، لذلك نتج في هذه المسألة دين ذو نظرة ذكورية بحتة لكل أنثى.

لقد نَسِيَ أولئك كيف كان دور المرأة وما له مِنْ بصماتٍ في تطوير العلوم والثقافة والحضارة الإسلامية في عصور الإسلام الأولى. وكيف كان مِنَ النساء المسلمات المُحَدِّثَات، والفقيهات، والأديبات، مِمَنْ كانت لَهُنَّ بصماتٍ واضحة في أزمانهن. ومِنْ أولئك النساء اللواتي يُشَار إليهن على سبيل المثال لا الحصر: السيدة فاطمة بنت الحسين بن علي والتَّي كانت مِنْ أنبغ نساء عصرها وأكثرهن علمًا وورعًا، وقد اعتمد على روايتها كل مِنْ ابن إسحاق، وابن هشام في تدوين السيرة النبوية. والسيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن علي بن الحسين وهي مِمَنْ اشتهرت بعلمها وصلاحها.

لا زال هناك البعض مِمِنْ يعانون مِنْ عقدة مرضية اسمها ”الأنثى“ ومِنْ ضعفٍ مريع أمام شهواتهم وأمراضهم الجنسية، وأَنَّ الشَّبَق والتهور هو الذي يقودهم في التعامل مع الأنثى، وأَنَّهم أمام مشهدِ الأنثى تنهار كل قِيَّمِهِم وتختفي كل الشعارات التَّي يتاجرون بها في حلقاتهم وأحاديثهم التَرَفِيَّة حول الدفاع عَنِ الحُرمات. كل ذلك أنتج نظرةً دونية للمرأة مِنْ قِبَلِ مجتمعنا وأَنَّها فقط وعاءٌ لتفريغ الشهوة مما جعلهم يقصونها لتكون بعيدًا عَنْ الرَّجل في كل أمرٍ ومكان، غير آبهين بِأَنَّهم بذلك يتصرفون ضد الطبيعة البشرية وأَنَّ ذلك له عواقب وخيمة. فجميع مجتمعات العالم حتَّى المجتمعات الإسلامية الأخرى، نرى فيها المرأة تعمل جنبًا إلى جنبٍ مَعَ الرَّجل لبناء أوطانهم، فيما عدا مجتمعنا السعودي الذي ينظر إلى المرأة التَّي تحتك بالمجتمع الذكوري بِأَنَّها امرأةٌ مُنْحَلَّةِ الأخلاق! مما خلق أجواء مِنَ القسوة والجفاف في أوساط العمل وفي المرافق العامة، وحتَّى في وسط الأسرة ذاتها.

قانون الوصاية والذي أعطى للرَّجل سلطات مطلقة ليدير حياة المرأة ويتحكم في حياتها حتَّى لو كان ذلك الرَّجل أقل مِنْهَا شأنًا وعلمًا وسنًا، جعل البعض يستغل تلك الوصاية في غير موضعها، فخرجوا فيه عن مقاصد الشريعة وأطلقوا العنان لرغباتهم وشهواتهم التَّي جعلت المرأة سلعة يتمتعون بها ويضيفونها إلى ممتلكاتهم ومقتنياتهم. ‏ متناسين بِأَنَّهَا جزء فاعل ومكون أساسي في المجتمع البشري. فهي الزوجة والأم والأخت للرَّجل، وهي جزءٌ مِنْ كيانه الإجتماعي والنفسي.

لا أحد يُنْكِر أَنَّ المرأة السعودية وبلا شك قد حققت أمور كثيرة ومهمة لها، إلا أَنَّهَا ما زالت بحاجةٍ إلى بعض القضايا للوصول للقمة المنشودة والمتمثلة بتحقيق المساواة والعدالة الإجتماعية الكاملة لها داخل المجتمع. ‏وهنا يأتي الدور الأكبر المناط بالمرأة السعودية المُتَعَلِّمَة خاصة، بِأَنْ تَعَيَّ مسؤوليتها وتقوم بدورها مِنْ أجل تغيير تلك الصُّوَر النمطية المترسخة في أذهان البعض عَنْ المرأة، لتنهض بدورها في تنمية وتطوير الثقافة والحضارة والعلوم. ولتقوم بحراكٍ فَعَّال في إطار المجتمع المدني مدافعة عَنْ حقوقها لتثبت قدرتها على ممارسة هذه الحقوق ولتتصدى لذلك التهميش فتخرج مِنَ الوضع والموقع الذي أُريدَ لها أَنْ تبقى فيه خانعة مستكينة ومستسلمة لواقع مظلم، فاضحة بذلك مبدأ التستر وراء الدِّين لإضفاء المشروعية على دونية النساء.