آخر تحديث: 2 / 6 / 2020م - 11:39 ص  بتوقيت مكة المكرمة

النسبة «1.618» وسر الإبداع

شاكر أحمد تريك

أعلن معرض الشارقة الدولي للكتاب، عَنْ اختيار الكاتب والروائي العالمي ”داون براون“، أشهر مؤلف لقصص الخيال والإثارة، ضيفًا للشرف في الدورة الثالثة والثلاثين للمعرض، المزمع إقامته خلال الفترة مِنْ 5 حتَّى 15 نوفمبر المُقبل. فَمَنْ هو ”داون براون“؟ بالطبع لَنْ نخوض في سيرته الذاتية ولكن يكفينا أَنْ نَعْرِفْ أَنَّه مؤلف الرواية الأكثر إثارة للجدل مِنْ بين الروايات العالمية والتَّي سجلت عددًا هائلًا مِنَ القراء في العالم ألا وهي ”شفرة دافنتشي“ - «The Da Vinci Cod» والتَّي صدرت مطلع عام 2004 وتم تحويلها مِنْ قبل شركة ”سوني“ الشهيرة إلى فيلم سينمائي ناجح، أثار حفيظة الكنيسة الكاثوليكية في كل أنحاء العالم.

فهل فكَّر أحدنا يومًا في فك ”شفرة دافينتشي“؟ أو راودته رغبة في سبر أغوار عالم الرموز والألغاز خصوصًا التَّي تتعلق بالجانب الكوني أو الديني مثل ما قام ”داون براون“؟

الرقم «1.618»، النسبة الإلهية، أو النسبة الذهبية، أو الرقم الروحي، أو مفتاح سر الكون، هو كل هذه المسميات، وهو أيضًا «فاي»، ولقد منحه العالم الفلكي الشهير ”كبلر“ لقب ”الكنز العظيم“! وذلك الرقم أو النسبة هو أحد الأسس التي بنى عليها ”داون براون“ روايته ذائعة الصيت.

نسبة ”ليناردو فيبرونتشي“ هذه النسبة الإلهية «1.618» هي الصياغة الرياضية التي تظهر في كل التراكيب المزدوجة. فقد اكتشف العبقري الإيطالي ”ليناردو فيبرونتشي“ معادلات رياضية لها علاقة بالطبيعة بدأها بجمع الأعداد:

1 + 1 = 2، 1+ 2 = 3، 2 + 3 = 5، 3 + 5 = 8، 5 + 8 = 13، …

لتنتج ”متوالية فيبرونتشي“:

1، 1، 2، 3، 5، 8، 13، 21، 34، 55، 89، …

ففكرة المتتالية شديدة البساطة، وهي أَنَّ كل رقم يساوي مجموع الرقمين السابقين، لكن المذهل في هذه المتتالية هو أَنَّه عند قسمة أيِّ رقمين متعاقبين فَإِنَّ ناتج القسمة لا بد أَنْ يقترب دائمًا مِنَ النسبة «1.618»!

الطريف في أمر تلك المتتالية أَنَّ ”فيبرونتشي“ قد اكتشفها تحت ضغط حاجة ”إيطاليا“ في ذلك الوقت لدراسة تكاثر الأرانب، حيث لاحظ بعدها أَنَّ هذه السلسلة الأنيقة مِنَ الأرقام تصف أشياء كثيرة في الطبيعة، مثل وريقات زهرة عبَّاد الشمس الذي اكتشف بِأَنَّ عددها مساوٍ لأحد أرقام هذه المتتالية، كذلك عدد عُقَد لحاء ثمرة الأناناس، ومخروط الصنوبر، ونقوش نجم البحر، وحلزون المجرات. كل ذلك بالطبع لم يأتِ صدفة بل إِنَّه إشارة إلى خالق واحد صَمَّمَ كل هذه المخلوقات بِنَسَقٍ واحد تدل عليه. فلا يمكن لكون بهذا الكمال أَنْ يكون وُلِدَ صدفة، فالصدفة لا تخلق الإبداع والكمال، كما أَنَّها لا يُمكن انْ تُراعي النسب الجمالية للمخلوقات، إِنَّما ولا بد أَنْ يكون وراء ذلك الإبداع خالق حكيم، تام الكمال والقدرة. ولا أجمل مِنْ قول العالم غاليلو في ذلك الإبداع: ”الرياضيات هي اللغة التَّي كتب بها الله تصميم الكون“

هل قمت يومًا بتجربة قياس المسافة مِنْ قمة رأسك إلى الأرض، والمسافة مِنْ سرتك إلى الأرض وقمت بقسمة العددين؟ الناتج بالطبع سيكون «1.618»، ولو أعدت الكَرَّة وقمت بقياس المسافة بين كتفيك وأطراف أصابعك ثم قسمت الناتج على المسافة بين كوعك وأطراف أصابعك ستحصل على نفس النسبة المقدسة! أيضًا ستجد أَنَّ المسافة بين الخط الافقي لمركز العينين مقسومة على المسافة مِنْ مركز العينين إلى وسط الشفتين تساوي النسبة «1.618». فتلك النسبة تنطبق على أجزاء كثيرة في جسم الإنسان مما يجعل ذلك القياس يمثل قمة الجمال والتناسق في الطبيعة. فالنسبة الذهبية مضمونها جمالي ورياضي وهندسي.

فكرة النسبة الذهبية صارت تدوينة مهمة لكل الفنانين والمعماريين في التصوير والرسم والعمارة والديكور وحتَّى الموسيقى وكل ما له صلة بالفنون الجميلة وتذوق الأشياء وعدَّها وحسابها، فهي بذلك تجمع بين الرياضيات والفن والجمال. ومع أَنَّ للمتتالية نفسها جذور هندية، كان الهنود يظنون أَنَّها أرقام سحرية يمكن مِنْ خلالها التنبؤ بأحداث كونية تتعلق بالمستقبل، لكنها قبل ظهور ”فيبرونتشي“ لم تستطع أَنْ توقظ الدهشة ولا الغموض الذي يحيط بالنسبة المقدسة «1.618» والتَّي أيقظها اكتشافه في كل مكان، وهو في الحقيقة غموض يستحق الدهشة.

وهذه بعض الأمثلة القليلة من شلالات لا تنتهي مِنَ الأمثلة والإثباتات:

- اكتشف البيولوجيون حقيقة مؤكدة تتعلق بمجتمعات النَّحْل، وهي أَنَّ عدد الإناث في كلِّ خلية، وأيِّ خلية، حتمًا، أكبر مِنْ عدد الذكور بنسبة ثابتة، هي طبعًا، «1.618»!

- علماء النبات بدورهم، اكتشفوا أَنَّ بذور ”عبَّاد الشمس“ تنمو بشكل لولبي وبنفس هذه النسبة الذهبية!

- في قشرة الحلزون لو قسَّمنا طول محيط إحدى الدوائر على طول محيط الدائرة التالية الأصغر منها فسنحصل على النسبة ذاتها «1.618».

- في القرن العشرين، أصبحت هذه النسبة تستخدم بكثافة في تحليل الأسواق المالية وأسواق العملات والمعادن، بل هي مِنْ أهم الأدوات المستخدمة في التحليل الفني لتلك الأسواق، فعندما تتجه أسعار الأوراق المالية أو العملات أو المعادن لتصويب مسارها، بمعنى أَنْ تنخفض بعد اتجاه صاعد، أو ترتفع بعد هبوط حاد، يقوم المحللون لتلك الأسواق بحساب نسب ارتدادات الأسعار، وفق استراتيجيات مثل ارتداد ”فيبرونتشي“، وتلك النسب كلها مشتقة من النسبة المقدسة «فاي»!

- كما وُجِدَ أن للنسبة المقدسة نبض أكيد في تصميم وهندسة جامع ”القيروان“ الكبير، الذي أسَّسه ”عقبة بن نافع“ في ”تونس“، وقصر ”تاج محل“ في ”الهند“!

- والملاحظة الأهم لنا كمسلمين هي أَنَّ ”مكة“ تقع فى مركز مِنَ العالم يحقق هذا الرقم الذهبي، إذ أَنَّ العلاقة النسبية بين المسافة مِنْ مكة إلى القطب الشمالي ومكة إلى القطب الجنوبي هي بالضبط «1.618». وقد تم إنتاج فيلم وثائقي حول تلك النسبة وعلاقتها بمكة المكرمة:

الفيلم بالعربية:

الفيلم بالإنجليزية: