آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 11:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

إعجاز علمي أم وهمي؟

شاكر أحمد تريك

من أهم ميزات لغتنا العربية التي نفخر بها أَنَّها لغة واسعة، لغة مقدسة فهي لغة القرآن الكريم، وتحمل مِنَ الكلمات ما نستطيع به مقارعة غالبية لغات العالم. لذلك نستطيع تدارك تخلفنا بتركيب جمل تقلب الحقائق وتصور القبح جمالًا والكذب حقيقة وصدقًا، فمثلًا اختلاف موقع الدال فقط بين كلمتي «جدل، ودجل» يعطي معنيين مختلفين وبعيدين بعد السماء عَنِ الأرض، مِنْ حيث مساحة الإختلاف في المعنى، على رغم التقارب الواضح بينهما في الكتابة والتقابل في التعبير عَنْ حالة التناقض في نوع المعرفة.

بعد المقدمة أعلاه هل لنا أَنْ نطرح الأسئلة التالية: ما حقيقة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟ هل هو «دجل» مِنَ الإعجازيين لا فائدة منه أم حقيقة لا «جدل» فيها؟ وهل إنكار ذلك الإعجاز يعتبر كفرًا يخرجك مِنَ الإسلام؟ وهل هو إنكار لما هو معلوم مِنَ الدين بالضرورة؟ وهل ما يقوم به المفسرون والإعجازيون مِنْ تطويع بعض كلمات القرآن ولي عنق بعض الآيات وتأويلها مستغلين سعة اللغة العربية في ذلك المجال لتتناسب مَعَ بعض الحقائق العلمية يُثْبِتْ ذلك الإعجاز أم لا؟

القرآن الكريم كتاب مقدس ورسالة سماوية أنزلها الله على رسوله محمد ﷺ وهو كتاب هداية روحانية للتعبد والصلاة والإطمئنان، فالقرآن مُنْزَّل لهداية البشر فهو كتاب دين يضع ضوابط وخطوطًا عامة للأخلاقيات والسلوك والمعاملات ويتعامل مع المطلق والعموميات، ومِنْ أولى شروط ذلك الكتاب أو الرسالة أَنْ تكون واضحة وبلغة محددة، والإعجاز فيه هو إعجاز الأفكار العظيمة التَّى تحدَّث عنها، والقَيِم الجليلة التَّى بشَّر بها، إعجازه في احترام العقل وتبجيله، فإشارته تعالى إلى بعض مظاهر الكون وبعض القضايا العامة هي دلالة على عظمته تعالى. كما وأَنَّ نفي الإعجاز العلمي عنه لا ينتقص مِنْ عظمته ككتاب مقدس.

القرآن الكريم ليس مرجعًا علميًا أو موسوعة تشتمل على كل العلوم وإلا توجَّب على الجامعات في البلاد الإسلامية بالذات أَنْ تُلغي مِنْ على رفوف مكتباتها كتب الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والهندسة، ولا أعتقد بوجود عاقل يُقر بصواب هذا العمل. ومِنَ المعلوم بِأَنَّ أدق اللغات فى العالم هى لغة العلم التَّى تتحول أحيانًا مِنْ فرط دقتها وتجريدها إلى رموز ومعادلات رياضية، وعلى هذا الأساس لا ينفع معها ما يمكن أن يقوله مفسري القرآن أو الإعجازيون مِنْ أنهم يستخدمون التأويل أو المجاز في إثبات الإعجاز العلمي، لأَنَّ في ذلك مجانبة للصواب وخطأ كبير يفتح أبواب البلبلة. لأَنَّنَا حينها مِنَ الممكن أَنْ نقوم بتأويل أبياتٍ شعرية مثلًا على أَنَّها إعجاز علمي نتيجة تلك المغالطة والخلط بين وظيفة اللغة في الأدب والمسموح فيها بالمجاز والتأويل وبينها في العلم وهو المُحَدَد الواضح الذى لا يحتمل إستعارة أو كناية أو تأويلًا.

إِنَّ الرد على مَنْ يدعي الإعجاز العلمي بسيط، والمنطق مفحم ولا يحتاج إلى جدل، فبالرغم مِنْ وجود القرآن بين أيدينا كل هذه السنين فما زلنا أكثر الشعوب فقرًا وتخلفًا ومرضًا، ومازلنا نستورد العلم والتكنولوجيا من الغرب. كل ذلك ليس لأَنَّنَا لم نقرأ ونفهم ونتدبر في الإعجاز العلمي للقرآن كما يدعي البعض بل لأَنَّنَا لم نتبع الخطوط العريضة والقِيَم التَّى وضعها ودعا لها القرآن مِنْ عدل وحرية وتفكر وتدبر فى الكون. فالقرآن شرح لنا طريق الهداية والخلاص ووضع لنا العلامات الإرشادية ولكنه لم يَسْعَ أبدًا إلى وضع نظريات الفلك والهندسة والرياضيات وعلم النبات والحشرات. وإذا كان ذلك فلماذا ننتظر النظريات العلمية ليكتشفها الغرب ثم نخرج لنقول كل ذلك موجود عندنا بين دفتي القرآن ونتهمهم بالغباء والمعاندة والتكبر، ولانسأل أنفسنا لماذا لم نكتشف هذه الحقائق العلمية قبل ان يكتشفها غيرنا.

العلم يقوم على الشَّك والتغير والتساؤل الدائم ولا يعرف إلا علامات الإستفهام سعيًا وراء الحقيقة، أما الدين فيقين ثابت وإيمان لا يتزعزع ولا يمنح إلا نقاط الإجابة، والعلم قَلَقٌ بينما الدين اطمئنان، وكل القضايا العلمية المعلقة لن تجد إجاباتها تحت عمامة الفقيه بل تحت ميكروسكوب العالم. فما كان نظرية علمية في زمن ما قد يصبح نكتة ساذجة في زمن آخر. فالعلم منهجه متغير وقابل للتصديق والتكذيب ويطوِّر مِنْ نفسه بمنطقه الداخلى، وربطه بالدين يجعله عرضة للتصديق والتكذيب هو الآخر، ويتحول إلى مجرد موضوع ومعادلة ورموز مِنَ السهل أَنْ تتغير وتتغير معه معتقدات المؤمنين ببساطة ويتملكهم الوسواس والشك، وكذلك فَإِنَّ إقحام النظريات العلمية ولصقها بالدين يجعل معيار نجاح النظرية هو مطابقتها للنص الدينى وليس مطابقتها للشواهد والتجارب العلمية والمعملية.

إذا ظلت ظاهرة الإعجاز العلمي للقرآن تتمدد على طول ساحة الثقافة الإسلامية وعرضها فَإِنَّها ولا شك ستساهم بفعالية في تخدير وانسداد العقل الإسلامي ووأده. فما يحصل اليوم مِنْ مزاعم الإعجاز العلمي يجعل كثيرًا مِنْ شبابنا لا يدري ما هو العلم وما هو الدين ولا يفرّق بين الحقيقة والإيمان ولا يعرف تغيّر معنى المصطلح عبر العصور ولا يدرك أَنَّ النظرية العلمية تَثْبُتْ وتقوى كلما ازدادت أدلتها وصدقت تنبؤاتها، وليس كلما اقتربت أو ابتعدت عن القرآن والسنة. فالفكرة أصبحت ظاهرة خطيرة وباتت تسيطر على كل ظواهر الثقافة عندنا، فهي مِنْ أهم الظواهر التَّي تُرهق العقل، يتداولها العامة والخاصة، الأميون والنخب، ليست لكونها صحيحة أو تمتلك الحجج والبراهين، بل بسبب الحالة التَّي تعيشها المجتمعات الإسلامية بما تتسم به من فقر مُدقع وهوان مرير سواء على مستوى الجهل الثقافي والمعرفي أو مستوى المعيشة والتنمية وأيضًا مستوى الحريات وحقوق الإنسان.

في النهاية.. يجب أَنْ يَعْيَ أصحاب الإعجاز العلمي في القرآن بِأَنَّ معطيات الدين هي معطيات سرمدية أبدية ثابتة صالحة لكل زمان ومكان، بينما معطيات العلم هي معطيات قد تتغيّر وتتطوّر مَعَ تغّير وتطوّر الإكتشافات العلمية القائمة على التجارب المعملية والميدانية المختلفة.