آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 6:09 م

الجماهير العاشورائية ودورها في تطوير المنبر الحسيني

الشيخ حسين المصطفى

المنبر رؤية تاريخية:

المنبر هو ما يرتقى لأجل الوعظ والخطابة، وهو مشتق من نبرت الشيء أي رفعته، وسمي المنبر لارتفاعه. فهو الموضع الذي يرتقيه الخطيب وإمام الجماعة لإيراد الخطب والكلمات من فوقه. وكان موجوداً منذ صدر الإسلام.

وكان منبر الرسول excaim منارة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأصبح جزءاً لا يتجزأ من إحياء الفكر الديني، والذي أشار إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ..

ومن الشواهد على ذلك ما يرويه الإمام الصادق :

«إِنَّ ثَلاثَ نِسْوَةٍ أَتَيْنَ رَسُولَ الله excaim فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: إِنَّ زَوْجِي لا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّ زَوْجِي لا يَشَمُّ الطِّيبَ، وَقَالَتِ الأُخْرَى إِنَّ زَوْجِي لا يَقْرَبُ النِّسَاءَ. فَخَرَجَ رَسُولُ الله excaim يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ المِنْبَرَ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ مِنْ أَصْحَابِي لا يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ وَلا يَشَمُّونَ الطِّيبَ وَلا يَأْتُونَ النِّسَاءَ أَمَا إِنِّي آكُلُ اللَّحْمَ وَأَشَمُّ الطِّيبَ وَآتِي النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [الكافي: ج 5 ص 496].

وكان المسلمون ينظرون إلى منبر الرسول excaim بقدسية بالغة؛ لما للمنبر من ذاكرة في تاريخ الدعوة إلى الله سبحانه، ولأنه حمل رسول الله excaim في خطبه طيلة دعوته في مسجده الشريف.

وكان آخر خطبة خطبها رسول الله excaim على هذا المنبر ما جاء في صحيحة حنان بن سَدِير الصيْرَفي قال: سمعت أبا عبد اللهِ يقول:

«نُعِيَتْ إِلَى النَّبِيِّ excaim نَفْسُهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَيْسَ بِهِ وَجَعٌ، قَالَ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ قَالَ؛ فَنَادَى excaim: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، وَأَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ بِالسِّلَاحِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ excaimالْمِنْبَرَ فَنَعَى إِلَيْهِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ قَالَ: أُذَكِّرُ اللهَ الْوَالِيَ مِنْ بَعْدِي عَلَى أُمَّتِي أَلَّا يَرْحَمَ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَجَلَّ كَبِيرَهُمْ، وَرَحِمَ ضَعِيفَهُمْ، وَوَقَّرَ عَالِمَهُمْ، وَلَمْ يُضِرَّ بِهِمْ فَيُذِلَّهُمْ، وَلَمْ يُفْقِرْهُمْ فَيُكْفِرَهُمْ، وَلَمْ يُغْلِقْ بَابَهُ دُونَهُمْ فَيَأْكُلَ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهِمْ، وَلَمْ يَخْبِزْهُمْ فِي بُعُوثِهِمْ فَيَقْطَعَ نَسْلَ أُمَّتِي. ثُمَّ قَالَ: قَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ فَاشْهَدُوا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ : هَذَا آخِرُ كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ excaim عَلَى مِنْبَرِهِ» [الكافي: ج 1 ص 406].

ولم يصل إلينا منبر حمل من الفكر الوضاء المتلاحق كمنبر علي بن أبي طالب ، ونظرة منا إلى نهج البلاغة في مجمل خطبه وكلماته، وما انبثق عن فكره الخلَّاق كان نتاج منبره، بل هو صاحب الكلمة المنبرية المشهورة: «سَلُونِي قبْلَ أنْ تفْقِدُونِي» [المستدرك على الصحيحين: ج 2 ص 383 حديث 3342؛ كنز العمال: ج 13 ص 72 حديث 36502؛ جامع الأحاديث: ج 12 ص 102 حديث 214].

ولذا يعرض الأديب اللبناني جورج جرداق فصلاً ممتعاً - من خماسيته في علي - عن أسلوب وعبقرية الإمام علي الخطابية، فهو يذهب إلى أنّ أسلوب علي تتوفر فيه صراحة المعنى وبلاغة الأداء وسلامة الذوق،... ويبلغ أسلوب علي قمة الجمال في المواقف الخطابية، أي في المواقف التي تثور بها عاطفته الجياشة، ويتقد خياله فتعتلج فيه صور حارة من أحداث الحياة التي تمرس بها.

ومن شواهد صراحته ما جاء في الرواية المعتبرة عن علي بن رِئاب، عن أبي عبد اللهِ جعفر الصادق : «أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا بُويِعَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَخَطَبَ بِخُطْبَةٍ ذَكَرَهَا يَقُولُ فِيهَا: أَلَا إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ excaim، وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ، وَأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَلَيَسْبِقَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا، وَاللهِ مَا كَتَمْتُ وَسْمَةً، وَلَا كَذَبْتُ كَذِبَةً، وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ وَهَذَا الْيَوْمِ» [الكافي: ج 1 ص 370].

وفي زمن معاوية بن أبي سفيان أمر بنزع منبر الرسول excaim من مكانه وأتى به إلى الشام.. ففي معتبرة معاوية بن وهْب قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «لَمَّا كَانَ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، أَرَادَ مُعَاوِيَةُ الْحَجَّ فَأَرْسَلَ نَجَّاراً، وَأَرْسَلَ بِالْآلَةِ، وَكَتَبَ إِلَى صَاحِبِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَقْلَعَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللهِ excaim، وَيَجْعَلُوهُ عَلَى قَدْرِ مِنْبَرِهِ بِالشَّامِ، فَلَمَّا نَهَضُوا لِيَقْلَعُوهُ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ فَكَفُّوا، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَكَتَبَ عَلَيْهِمْ يَعْزِمُ عَلَيْهِمْ لَمَّا فَعَلُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمِنْبَرُ رَسُولِ اللهِ 2الْمَدْخَلُ الَّذِي رَأَيْتَ» [الكافي: ج 4 ص 554].

وأكدَّ المؤرخ السمهودي هذه الحادثة فقال: «فلمّا قدم معاوية عام حجّ حرَّك المنبر، وأراد أن يُخرجه إلى الشام، فكُسفت الشمس يومئذ، حتى بدت النجوم…» [وفاء الوفاء: ج 2 ص 398].

وبقي المنبر، بعد ذلك، في أغلب الأوقات بيد الحكام والسلاطين والخلفاء. وكان يُعتبر كأداة لنشر الأفكار، فقد استخدم معاوية بن أبي سفيان المنبر لسبِّ الإمام علي بن أبي طالب ، وأصبح هذا السبُّ سنة خبيثة أجروها بنو أمية، من بعد معاوية، لمدة أكثر من أربعين عاماً.

فسفيان بن عوف الغامديّ: أمره معاوية أن يدخل العراق منحدراً مع نهر الفرات، وأوصاه أن يغير وينهب ويحرق ويقتل، ومكافأة لهُ على تلك الأعمال عيّنه معاوية والياً على البصرة عام «41 ه»، حيث صعد المنبر وافتتح كلامه بشتم علي . [الكامل في التاريخ: ج 3 ص 414].

وكثير ابن شهاب: كان والياً من قبل معاوية على الري، «وكان يُكثر سبَّ عليٍّ على منبر الرّي» [الكامل في التاريخ: ج 3 ص 278].

يقول عبد الملك العاصمي المكي: «جرى ذكر عمر بن عبد العزيز، وما تفرَّد به عن أهل بيته من الصلاح والعدل وجميل السيرة، وما كان منه من قطع سب علي على المنابر - رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه -؛ إذ عمر بن عبد العزيز توفي بعد تمام المائة الأولى بسنة والشريف الرضي توفي أواخر القرن الرابع أو أول الخامس، فلم يدرك وفاته، وإنما قال هذه القصيدة لما جرى ذكره بما ذكر فقال:

يَا بْنَ عَبْدِ العزيزِ لَوْ بَكتِ العَ يْنُ فَتًى مِنْ أُمَيَّةٍ لبَكَيْتُكْ

غَيْرَ أنِّي أَقُولُ إِنَّكَ قد طِبْتَ وَإِنْ لم يَطِبْ ولم يَزْكُ بَيْتُكْ

أَنْتَ نَزَّهْتَنَا عَنِ السَّبِّ والقَذْفِ فلو أَمْكَنَ الجَزَا لَجَزيْتُكْ

وَلَوَ انِّي رَأَيْتُ قَبْرَكَ لاسْتَحْيَ يْتُ مِنْ أن أُرَى وما حييتك

وَقَلِيلٌ أَنْ لو بَذَلْتُ دِمَاءَ البُدْنِ صِرْفًا على الثَّرَى وسَقَيْتُكْ

دَيْرُ سمعانَ لا أَغَبَّكَ غادٍ خَيْرُ ميتٍ من آل مرْوان ميْتُكْ

أَنْتَ بألذُّكْرِ بين عَيْنِي وقلبي إنْ تَدَانَيْتُ مِنْكَ يَوْمًا أَتَيْتُكْ

وإذَا حركَ الحشا خَاطِرٌ مِنْكَ تَوَهَّمْتُ أَنَّنِي قَدْ رَأَيْتُكْ

قَرُبَ العَدْلُ مِنْكَ لَمَّا نَأَي الجَوْرُ بِهِمْ فاجْتَوَيْتَهُمْ وَاجْتَبَيْتُكْ

[سمط النجوم العوالي: ج 3 ص 326 - 327؛ الكامل في التاريخ: ج 4 ص 314 - 315]

وفي سنة 60 هـ  أوفد الإمام الحسين قيس بن مسهّر الصّيداوي، فانطلق نحو الكوفة يحمل كتاب الحسين ، ووقع قيس أسيراً بيد قوّات الحصين المنتشرة في القادسية، فنُقِلَ إلى عبيد الله بن زياد، وطلب منه عبيد الله أن يصعد المنبر ويسب الحسين .

وفي الشام حين أخذ إليها أهل البيت excaim صعد خطيب من أتباع يزيد بن معاوية على المنبر وأخذ يثني على يزيد ويسبّ آل علي. وقد أطلق الإمام السجاد على هذا المنبر صفة «الأعواد» حين استأذن يريد ارتقائه وإلقاء خطبته التي فضح فيها يزيد وأتباعه وعرّف نفسه؛ إذ قال له: «إنّي أريد أن أصعد هذه الأعواد لأقول ما لله فيه رضا، ولهؤلاء الناس صلاح».

ولا زال المنبر حتى يومنا هذا أداة إعلامية فاعلة للوعظ والإرشاد والخطب الدينية سواء في أيام محرّم، أم رمضان، أم في غيرها من الأيام والمناسبات، وارتقاء المنبر من الأساليب العريقة في الإعلام الديني. ومن المعروف أن استخدام المنبر للوعظ والخطابة خاص بعلماء الدين، أما غيرهم من الناس فيستخدمون المنصّة والطاولة لا المنبر، ولا زالت حرمة المنبر مصونة باعتباره تذكاراً لرسول الله excaim.

المنبر الحسيني:

اقترن المنبر «المأتم» الحسيني تاريخياً بالمجزرة التي نفذت في حق الحسين وأهل بيته وأنصاره بكربلاء، وقد جاء في كتاب «تاريخ العراق في ظل العهد الأموي» للدكتور علي الخرطبولي: «أنّ بيعة أبي العباس السفاح بدأت في الكوفة وشاء لها القدر أن تتم لأبي العباس، كأول خليفة من خلفاء تلك الأسرة، في عيد الشيعة الأكبر وهو يوم عاشوارء العاشر من المحرم سنة 132 هـ ، وفي نفس الوقت الذي كان الشيعة يحتفلون فيه بذكرى الحسين بن علي».

ومعلوم أن كلمة «عيد الشيعة الأكبر» يوم العاشر من المحرم تشير إلى أنّ الشيعة كانوا معتادين من زمن بعيد على الاحتفال بذكرى الحسين في ذلك اليوم من كل عام، وأنه كان من أعظم المناسبات التي اعتادوا فيها أن يندبوا الحسين ويبكونه ويرددون مواقفه وتضحياته من أجل الحق والمبدأ والعدالة.

وكما اتخذ الشيعة وأهل البيت تلك الأيام أيام حزن وأسف وبكاء، على ما جرى للحسين وأسرته excaim من قتل وأسر وسبي، اتخذها غيرهم من الأعياد يتبادلون فيها التهاني والزيارات، ويتباهون بكل مظاهر الفرح والسرور في ملابسهم وندواتهم ومآكلهم وما إلى ذلك من مظاهر الفرح، تحدياً لشعور الشيعة واستخفافاً بأهل بيت نبيهم الذين فرض الله ولاءهم على كل من آمن بمحمد ورسالته.

وقد كان لأهل الشام ولأهل العراق في هذا المجال منهجان مختلفان؛ وصفهما السيّد الرضي في أحد أشعاره بالقول:

كانت مآتم بالعراق تعدُّها أموية بالشام من أعيادها

ووصف الإمام السجاد بعض المآسي التي مرت عليهم بعد يوم عاشوراء في أبيات من الشعر جاء فيها:

يفرح هذا الورى بعيدهم ونحن أعيادنا مآتمنا

إنّ هذا التأكيد من الأئمة excaim على زيارة الحسين ، والترغيب المغري بها في عدد من المواسم خلال كل عام لم يصدر منهم بالنسبة لزيارة غيره من الأئمة ولا لزيارة من هو أعظم منه، كجده المصطفى وأبيه المرتضى، في حين أنّ كل واحد منهم كان يجسد الإسلام بجميع فصوله وخطوطه في أقواله وأفعاله، وقد وهب حياته لله ولخير الناس أجمعين، وهانت عنده الدنيا بكل ما فيها من متع ونعيم ومغريات.

إنّ ذلك لم يكن إلا لأنَّ شهادة الحسين ، بما رافقها من الجرائم والفظائع، تثير الأحاسيس وتحرك الضمائر الهامدة، وتحث على مقارعة الظلم، والصبر في الشدائد والأهوال في سبيل المبدأ والعقيدة، ولأجل ما رافقها من تلك الأحداث القاسية، التي لم يسجل التاريخ لها نظيراً، فقد اتخذها الأئمة excaim وسيلة لإثارة العواطف وإلهاب المشاعر وبعث الروح النضالية في نفوس الجماهير المسلمة لتكون مهيّأة للثورة على الظلمة والجبابرة في كل أرض وزمان وفي الوقت ذاته فإنّ تلك المآتم والذكريات تكشف عن طبيعة القوى التي تناهض أهل البيت، وتناصبهم العداء ومدى بعدها عن الإسلام، وتبين في الوقت ذاته أن جوهر الصراع بينهم وبين الحاكمين ليس ذاتياً ولا مصلحياً، كما جرت العادة عليه في الصراعات بين الناس بل هو من أجل الإسلام وتعاليم الإسلام والجور الذي أصاب الناس.

رسالة المنبر الحسيني:

1 - عندما ندقق النظر في الأسلوب الثقافي والفكري للمنبر الحسيني، نجد أنه منبر دعوة ومنبر توعية، ومنبر حركة، ومنبر ثورة، وهو منبر الإسلام كله؛ لأنّ الحسين كان إمام الإسلام وداعية للإسلام، ومشكلتنا أننا جمدنا الحسين في دمعة وجمدناه في مأساة وجمدناه حيث عزلناه عن الواقع، لأنّ الذين يقيمون المنبر الحسيني في الغالب يشترطون أن لا يقوم الخطيب بعملية تصحيح، فلا يتكلم بالسياسة، وأن لا يتجاوز المأساة، وأن لا يلامس القضايا الحية التي تثير حساسية المجتمع، وأن لا يناقش المفاهيم القلقة التي انطلق الناس فيها على أساس خاطئ، لأنّ الناس لا يرضون، وهكذا جمدت كربلاء وكفّت، إلا في المواضع الحيوية من حركيتها كما لاحظنا ذلك في انطلاقة الإمام الخميني «قده» عندما قال: «كل ما عندنا هو من عاشوراء».

وفي العراق قديماً كان الخطباء الذين يحركون قضايا كربلاء في خط الحرية وفي خط العدالة، يتهمهم الناس باليسارية أو الشيوعية وهم ليسوا كذلك، فكانوا ينقدون الحكم والحاكم وينقدون كل الواقع السيئ، فالظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية اجتمعت آنذاك على أساس أن تجمد قضية الحسين في حين أنّ القضية الحسينية تمثلها كلمة للإمام الصادق في حديثه مع الفضيل بن يسار حيث قال: «رحم الله من أحيا أمرنا» [تهذيب الأحكام: ج 10 ص 92].

وموقف الأئمة excaim واحد، كما جاء في الصحيح عن الباقر : «... ومَا مَعَنَا بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، ولَا عَلَى اللهِ لأَحَدٍ مِنْ حُجَّةٍ، مَنْ كَانَ للهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ، ومَنْ كَانَ لِله عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ، ومَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْعَمَلِ والْوَرَعِ» [الكافي: ج 2 ص 74؛ أمالي الصدوق: ص 725 حديث 991].

2 - إنَّ اجتماع الناس في عاشوراء يُلقي على صاحب المنبر مسؤولية كبيرة؛ إذ ليس كعاشوراء فرصة يستطيع من خلالها أن يعمِّق الوعي الإسلامي، وينقد الأوضاع اللاإسلامية، وينفتح على القضايا العامة، ويقارن بين المأساة التي كان قد عاشها أهل البيت excaim والمأساة التي تتحرك في الواقع الإسلامي.. عند ذلك يشعر الإنسان وهو يستمع إلى مأساة الحسين أنه لا يريد أن يتمثل المأساة في الماضي، لأنك عندما تربط بين مآسي الحاضر وبين مأساة الإمام الحسين في خط معين فإنك تستطيع أن تتمثل تلك المأساة في هذه المأساة.

3 - الأساليب يمكن أن تتطور، فالشعراء الماضون جاء شعرهم منسجماً مع ذهنيتهم في ذلك الزمن لأنهم عاشوا مفردات زمنهم في هذه القضايا، أما الآن فقد أصبح العالم يتمثل المأساة بأساليب جديدة، ولست أقول افصلوا مأساة الإمام الحسين عن العاطفة، إننا نعتبر العاطفة أساسية جداً، فقضية الحسين ليست ثورة فقط، إنها مأساة والمأساة هي التي حركت الثورة، والعاطفة في القضية الحسينية هي التي شاركت في امتداد القضية الحسينية، ولكن للعاطفة أساليبها، ونحن الآن لنا أساليب معينة، فهل نحن نمارس أساليب أجدادنا في الملبس والمأكل؟ أليس لدينا الآن أساليب في التحية غير تلك التي كانت متداولة؟!

فإذا أردتم أن تخلّدوا قضية الحسين حتى تدخل الجامعة وتنطلق في المجالات التي يلتقي فيها المسلمون وغيرهم، علينا أن نطوِّرها، نطوِّر عرضها، ونعقُلن الكثير من الأشياء التي يتناولها المدَّاحون، حتى نستطيع أن نجعلها تمتد في الناس ويكون هذا المنبر هو منبر الإسلام، وينطلق الحسين فيه كإمام للإسلام في كل مجالاته.

4 - على الخطباء دراسة السيرة الحسينية في المصادر الموثوقة، ونحاول إثارة الدمعة من خلال الحقائق، ومن خلال التصوير الأدبي الفني الذي يترك أثره في نفوس المتلقّين، إذ يمكن أن تصوّر طبيعة الطف والمأساة بالأسلوب الأدبي والفني المناسب لترى تعاطف الناس مع ما تطرحه.

والخطيب أو الشاعر يجب أن تكون لديه ثقافة أدبية، بحيث يملك تصوير المأساة وتصوير الواقعة بأسلوب مؤثر، وأعتقد أننا لو ملكنا الأسلوب الأدبي الفني الرفيع الذي نستطيع من خلاله أن نصوّر الواقع الحسيني.

على أن لا تكون قضية الحسين مجرد دمعة، لأنها قضية رسالة «إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».

دور المخاطَب في الحفاظ على المنبر:

أولاً: من الضروري أن يعي المخاطب بأنّ القضية الحسينية قضية متحركة في تعبئة الجماهيري؛ لأنّها قضية إسلامية، لا بد أن يتزاوج فيها العقل والعاطفة.. كما أننا نحتاج إلى البراهين العلمية وإلى الجو العلمي من أجل تنمية الأفكار في عقولنا، نحتاج كذلك إلى الأساليب العاطفية من أجل تعميق العاطفة في إحساسنا ومشاعرنا.

ثانياً: من الضروري أن يعي المخاطَب أننا أمرنا بتذكر التأريخ لنعتبر به ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ [الحشر: 2]، وهناك فرق بين منبر يريد أن ينقل التاريخ ليثير الأحقاد من خلاله دون قضية، وبين أن ينقل التاريخ لتعتبر به ولتأخذ منه التجربة والفكرة ولتدخل في مقارنة بين حركته في تلك المرحلة وحركته في هذه المرحلة.

فدرس القرآن هو أن نعتبر بالتاريخ ونستذكر لنتعظ ونعرف كيف يمكن أن نحرك حاضرنا ومستقبلنا لنتفادى كلّ سلبية في ذلك التاريخ، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ.. وسيحاسبها الله على ما كسبت إن خيراً فخير وإن شراً فشر﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون [البقرة: 134]. وعلى هذا فإنّ علينا أن لا نستغرق في التاريخ لنتحدث عن كسبه، بل علينا أن ننفتح عليه لنأخذ منه القيم التي تمتد بامتداد الحياة.

فلا ينبغي أن نعتبر قضية الإمام الحسين مع جيش عبيد الله بن زياد، هي قضية سنّة وشيعة، فلا يجوز أن تطرح المسألة في هذا الإطار، بل هي كيف يحكم مثل «يزيد» المسلمين؟!، وهو ما عبّر عنه الإمام الحسين عندما أعطى من نفسه شخصية النموذج وأعطى يزيد شخصية النموذج، عندما قال «نحن أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة»، وعندما قال: «ويزيد رجل شارب الخمر قاتل النفس المحرّمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله»، النموذج الصالح هناك والنموذج الطالح هنا من أجل أن يقتدي الناس بأمثال الحسين في المستقبل وأن يتجنبوا أمثال يزيد من حكام الجور.

ثالثاً: التجديد هو سمة الحياة، والمنبر الحسيني لا ينفك عن هذه السمة، ما دام كل ذلك يدخل تحت العنوان الكبير «أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا» فالأئمة excaim لم يريدوا للمنبر أن يكون مجرد إثارة للعاطفة بل أرادوه ليرتفع بمستوى الناس، ويعطيهم العزة والحرية والكرامة والوعي. لذلك فلا بد أن يكون المنبر الحسيني واعياً، ولا بد أن يكون خطيب المنبر الحسيني مثقفاً يعرف الإسلام جيداً ويعرف السيرة الحسينية جيداً ويعرف الواقع الاجتماعي والسياسي من حوله جيداً حتى يعرف كيف يحوّل المنبر إلى إحياء أمرهم في خط الوعي لا إلى إماتة أمرهم في خط الجهل والتخلف.

رابعاً: يجب أن تكون آلية الخطاب لا تخلو من أمور:

الأول: أن نؤمن بحقيقة إنسانية ثقافية وهي أنه ليس هناك أحد يملك الحقيقة المطلقة، فكل واحد منا يملك الحقيقة من وجهة نظره، ولكل منا ثقافته، وخلفيته العلمية في المدرسة التي ينتمي إليها. فقد اعتبر الإسلام الخلاف الفكري وسيلة مناسبة للحوار ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125]. ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: 46]. فعلينا أن نتحاور فيما اختلفنا فيه، وأن يعتبر كل واحد منا أنه إذا كان من حقه أن يختلف مع الآخرين فلماذا لا يكون من حق الآخرين أن يختلفوا معه؟ إنك إذ تعتبر الآخر ضالاً حاول أن تحاوره لتخرجه من ضلاله، وإذ تعتبره مخطئاً ابحث عن طريقة مناسبة لمعالجة خطأه، وبدلاً من أن تسبّه وتشتمه وتكفّره، ناقشه في خطأه. إنها مسألة إنسانية ولكن المتخلفين هم الذين يفرضون أنفسهم على الآخرين من دون أن يجربوا إقناعهم، والقرآن الكريم أطلق الفكرة في ذلك ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 111].

الثاني: «الموضوعية» وهي أن تدرس القضية مع الآخرين من خلال عناصرها، فربما هناك فكرة لا توافق عليها أكثرية المجتمع، ولكن ليس معنى هذا أنّ الفكرة خطأ، وليس معناها أنّ هذا الرجل سيهدم المجتمع، فعندما جاء الأنبياء excaim كان النبي excaim يقف منفرداً وكانت الأمة كلها تقف ضده إلا ثلة قليلة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 187]. لأنّ هناك بعض الناس يوحون لك أنّ كل الناس ضد هذه الفكرة، في حين أنّ الأمر ليس كذلك، وإنما هم الذين ترتفع أصواتهم، أما الذين لا صوت لهم ولا أحد يعرف رأيهم أو الأكثرية الصامتة، فقد يكون لهم رأي آخر، فأن يكون الناس على فكرة فليس معناه أنّ هذه الفكرة هي الحق، لأنّ الأكثرية لا تمثل الحق، بل قد يكون الحق مع الأقلية، والتاريخ كما قلنا هو تاريخ المصلحين، وإذا كانت النظرة هي أن الحق مع الأكثرية، فإن أكثرية الناس كانت مع يزيد، والقلة في ظاهرها مع الحسين ، وقد ترجم هذا أحد من التقاهم الإمام الحسين عندما سأله عن أحوال الناس في الكوفة بقوله: «قلوبهم معك وسيوفهم عليك».

وأنا هنا أريدكم أن تفكّروا معي وليس فقط أن تقبلوا مني، ألا ترون أنّ البعض من الناس يحتج بالقول إنّ أكثر العلماء لا يقولون بذلك إذا سمع أو قرأ شيئاً لم يقله الآخرون؟ ولكن أليس من الممكن أن يكون العالم الذي قال بغير ما قالوا على حق ولو بنسبة 10 %، فلننصف هذه النسبة. ذلك أنّ الموضوعية لا تعني أننا عندما نناقش فكرة يجب أن نراعي كم هم الذين يتّبعونها؟ وكم هم الذين يرفضونها؟ بل ما هي العناصر الموجودة في داخل هذه الفكرة؟ وهل هي عناصر تؤيّد الفكرة أو تعارضها؟

الثالث: لا بد لنا أن نعرف أننا عندما نعرض الأفكار التي عندنا فإنها ليست جزءاً من تكويننا، فهذه الأفكار التي نحملها إما أن تكون أفكاراً ورثناها أو أفكاراً أنتجناها، فهي ليست جزءاً من ذاتنا، فإذا أراد شخص أن يقنعني أن فكري خطأ فربما يكون ما ورثته خطأ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: 23]. وإذا قال لي أخطأت، فلماذا أغضب؟ فالفكرة ليست جزءاً من ذاتي، فهناك فرق بين أن تكون متعصباً وبين أن تكون مفكّراً، فلا يمكن أن تكون مفكراً ومثقفاً وتكون متعصباً في نفس الوقت، لأن العصبية انغلاق، فيما الفكر انفتاح. ثم علينا أن نعرف أننا نريد الحقيقة والله تعالى أعطى للنبي excaim منهجاً يخاطب به الناس عندما كانوا يقولون عنه أنه مجنون ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى، انفصلوا عن الجو المحموم وكل واحد أو كل اثنين يفكرون بمعزل عن الجو﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ: 46]. فعندما نختلف فإنّ معنى هذا أننا نستطيع أن نتفاهم أكثر في القضايا التي نختلف فيها..

فعلى جمهورنا العاشورائي أن يكون جمهور الوعي الإسلامي الذي يشجع الخطباء الرساليين الذين يحرِّكون خطابهم في توعية الناس بالحق لا بالباطل، وبالوحدة لا بالتفرقة، وبالمحبة لا بالبغضاء، وبالفكر الأصيل لا بالفكر المتخلف.. لقد كان أهل البيت excaim قمة الوعي الحضاري، فلتكن المجالس الحسينية مجالس الحضارة الإسلامية الواعية، حتى نسمح لها بالامتداد في الأجيال المعاصرة والقادمة، ولا تسمحوا بكل مظاهر التخلف التي تؤدي إلى هتك المذهب مما توارثه الناس من عادات وتقاليد متخلفة.

علينا أن لا نقع فريسة لكلِّ كلمة تقال، حتى لا نسقط أمام الجهل والتخلّف والاستغلال.. وقد أراد لنا الإمام الحسين أن نكون على هذا المنهج حيث قال: «النَّاسُ عَبِيدُ الْمَالِ، وَالِدَيْنُ لَغْوٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يحوطُونَه مَا دَرَّتْ بِهِ مَعَايِشَهُمْ، فَإِذَا مُحّصوا بِالْبَلَاءِ قُلَّ الديَّانُون».

إنّه يصف إنسان ذلك العصر الذي لا يختلف عن إنسان هذا العصر، فيقول: «إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَتَنَكَّرَتْ، وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، وَخَسِيسُ عَيْشٍ كالمرعى الْوَبِيلِ. أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَإِلَى الْبَاطِلِ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ؟».. فليس من سبب أن نحجب عقولنا باسم الحسين، لأنَّ الحسين سيسألنا غداً عن كل هذه الدعاوى التي تخرج من أفواهنا وننسبها إليه..

إنّ المجالس الحسينية ليست مجرد مواقع لتحصيل الثواب، بل هي مواقع لتحصيل الثقافة الإسلامية والروحية الولائية الأصيلة. كونوا جمهور الحسين الذي هو جمهور الإسلام الأصيل، الذي يحمل رسالة الإسلام لتكون قاعدةً للفكر والعاطفة والحياة، ولذلك فإنّ عليكم اختيار الخطيب الرسالي الواعي الوحدويّ الذي تستمعون إليه، وقد جاء في الحديث المأثور: «مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَه، فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَدْ عَبَدَ اللهَ، وإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ».