آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

الحسين سيبقى رمزا ملهما

علي عيسى الوباري *

أي أمة تحتاج إلى الرموز التي تستلهم منها البطولات والانجازات وتبقى عناصر محفزة لاستمرار حياتها وترسيخ ثقافتها وحضارتها. الرمز والمجتمع عملية تفاعلية فكلما كان الرمز متميزا ومؤثرا ويحمل قيم سامية تساعد في استمرار نهوض تلك الأمة لاسيما إذا كان رمزا خالدا مثل اصحاب الرسائل السماوية والدينية التي تستمد تعاليمها واهدافها من الخالق سبحانه وتعالى لأنها تبقى راسخة في نفوس محبيها.

قد تكون الرموز على شكل شعائر دينية تقوي الجوانب الروحية والمادية وتعزز الشخصيه بواسطة الممارسات الدينية، وقد تكون طقوس تقليدية وعرفية متوارثة يجد المجتمع ذاته في ممارستها يفرغ طاقته فيها لكن هذا النوع من الطقوس لا تلبث ان تتلاشى مع الزمن بفعل الوعي الديني والثقافي أو عدم ملائمتها للعصر، مع هذا ليس بالضرورة كل الطقوس التراثية والمرتبطة بالتقاليد سلبية لأن بعضها مولود من الرحم والاصل الشعبي فهي راسخة في ثقافة الناس.

توجد رموزا انسانية من غير الانبياء والأولياء صنعوا تاريخا علميا واجتماعيا وثقافيا وعسكريا فألهموا شعوبهم بحجم عطائهم الدنيوي فأوجبت على مجتمعاتهم احترامهم وتقديرهم بقدر ما قدموا من انجازات وو هي حالات طبيعية لكل من ضحى بوقته وفكره وحياته من أجل الآخرين يجب له الثناء والشكر، كل الأمم الحية تفتخر برموزها التاريخية رغم انها شخصيات تفوقت في جوانب معينة ومحدودة وحققت انجازات تتكرر في كل زمان ومكان.

في التاريخ صنعت رموزا وهمية بتاريخ مزور لذا تجد صعوبة في معرفة الرموز الحقيقية خصوصا في عصرنا الحالي عصر الثورة المعلوماتية والفضائيات التي تصنع رموزا مزيفة لأهداف معينة. ايضا هناك من يصنع له مجدا كذبا من خلال ما يمتلكه من مال وثروة يوظف فيها وسائل الإعلام لأهدافه الشخصية لكن لا تبقى هذه الشخصيات اكثر من سنيين عمرها.

الرمز الذي يتغلب على الزمن ويكون نبراسا للمكان والتاريخ، هذه الرمزية التاريخية تكرر ذكراها وخصائصها وسجاياها الفارضة وجودها من أجل العبرة والالهام.

التكرار المقاوم لتقدم الزمن الذي لا يقف، عادة يتكرر ذكرى الشخصية الرمز لمقاومة التاريخ المزيف واعادة زرع المبادئ الصحيحة والقيم المستقيمة في نفوس الأجيال، ما أكثر الأحداث والوقائع والشخصيات المزيفة التي يراد منها مسخ رموز حقيقية صنعت التاريخ وما زلت تؤثر في صناعة الاحداث وبذكراها يتعزز الأمل ويتجدد العهد بمعانيها السامية، الشخصية الرمز تقاوم الزمن بزخرفه وتقدمه نحو الامام وما يحمل من مظاهر براقة تستهدف طمس المبادئ والقيم المستقيمة والحية التي تنهض بالشعوب.

الرمز الديني والانساني يبقى بريقه مقاوما لكل المتغيرات والمظاهر المزيفة التي تحاول تزوير التاريخ، من الشخصيات التي بقيت وستبقى رمزيتها صامدة في وجه الزمان ومترسخة بالمكان رمزية شخصية الامام الحسين الذي صنع تاريخا دينيا وانسانيا، ما زالت ذكراه تلهم كل من يطالب بالحق ويسعى من اجل العدالة والإباء والكرامة، الإمام الحسين الذي فرض على الزمن حالة التكرار وثبت مقامه في مسيرة الحياة، فبقي قبره وجهة الكثير من بقاع العالم ينشدون معانيه العالية وما حمله من مبادئ وقيم في حركته الاصلاحية واصبح ملهما للمظلومين والمستضعفين.

تكرار ذكرى الحسين صمود امام تقدم التاريخ وسباقه للأمام المحمل بالأحداث المتراكمة التي تعمل على إزالة بقايا الماضي قسريا، هذه سنة الحياة التي تدفن السابق في مقابر السنيين لا يبقى منها إلا الآثار التي يحافظ عليها تابعيها بالذكر واعادة قراءتها بما يتلاءم مع العصر.

من فوائد التكرار كلما اعدت القراءة اكتشفت شيئا مختلفا عن الماضي خصوصا في الحوادث التاريخية الفريدة التي تنمو قيمها بفعل المحرك العاطفي والعقلي لهذه الوقائع

واقعة الطف هي الوحيدة في التاريخ التي تتمدد فكريا وعاطفيا من خلال تكرارها وتنمو في فكر الموالين، رغم أن الثورة المعلوماتية في تطور مستمر والاحداث المختلفة في توالد مما تهدد ذكرى اي حادثة تاريخية لا تحمل في طياتها معاني انسانية و

رمزية، لكن واقعة كربلاء وشخصية بطل ملحمة الطف ما زالت تترسخ في نفوس الحاضنين لها، الدموع تطفئ لهيب عطشهم لهذا الرمز العظيم ويتغذون على فكرها المتجدد من خلال إحياء عاشوراء المتغلغلة جذورها الرسالي في القلوب.

قد تحيي كثير من الشعوب ذكرى ابطالها الذين ترى فيهم البطولة وصناعة التاريخ بما حققوا من انتصارات مادية لكن انتصار المبادئ الدينية والقيم الانسانية التي لا يحدها بعد زمني ولا يطوقها حيز مكاني تبقى ممتدة في روح الزمن المستمر بل تكون هي الدافع الاساس في حركة التاريخ بكسر الرتابة التي يعيشها الانسان في ظل الماديات.

ذكرى استشهاد سبط الرسول امتداد لأمل قادم يمتد مع درب الزمن المكمل بخروج الامام الحجة عجل الله فرجه وسهل مخرجه.

‏مدرب بالكلية التقنية بالأحساء،
رئيس جمعية المنصورة للخدمات الاجتماعية والتنموية سابقا.