آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 6:09 م

على طريق الإصلاح

الشيخ حبيب الخباز *

من الضروري ان نقف عند مفهومين ومصطلحين، ونحن نستقبل ونعيش مأساة عاشوراء، فعاشوراء مسيرة رسالية عبر التاريخ، ونهضة ثورية، ومبادئ اصلاحية في كل المجالات، فهي تستحق ان تكون شعلة تضئ الدروب لكل المجتمعات، والحسين ع قائد ورمز لكل الاحرار في العالم، ولذلك ليس من الصحيح ان نطفي على هذه الثورة

1 - صبغة الطائفية، او نختزل هذه الثورة والشخصية في بعد واحد، او جهة، فالحسين ع مشروع للانسانية وللمظلومين، وكذلك للحضارة. ولذلك مطلوب بل من الواجب استخدام واستغلال كل الوسائل العصرية والإعلامية للتعريف بهذه النهضة والقيادة الشرعية، وعبر الاعلام والقنوات ومختلف اللغات.

2 - كذلك ليس من الصحيح ان تتحول هذه المأساة الى مجرد عاطفة عابرة، او شعائر براقة خاوية من المضامين والرسائل، او ممارسات غير مناسبة، او اهتمامات هامشية، او سجالات جانبية، فالحسين ع ونهضته تمثل رؤية وموقف، وهداية، فكما هو «سفينة نجاة» فكذلك «مصباح هدى».

3 - ولذلك ينبغي ان تكون منابرنا وشعاراتنا ومواكبنا رسالة للعالم، وانقاذه من الضلالات والانحرافات، عبر الكلمة الطيبة، والدروس والعبر، والتأكيد على مظلومية اهل البيت ع، وحقهم ومنزلتهم وقرابتهم من الرسول ص، دون اللجوء الى الاساليب والعصبيات والردود السلبية، او التعرض الى الخطابات التي تثير الفتن والبلبلات، فثورة الحسين ع كلها ثورة أخلاقية، لا يمكن ان تنفصل عن اهدافها ورسالتها، وكذلك نهضة في حياة الامة،

وهذا ما يميزها عن غيرها. اما ماهما المفهومان المهمان للتعامل مع هذه المناسبة، وتحقيق الاستفادة، هما «التفاعل والفاعلية»، فاذا كانت نهضة ومأساة الحسين ع واهل بيته ع تفرض نفسها على العقول والنفوس الطيبة، والتي تتطلع الى الحياة الكريمة، فمن الطبيعي ان نجد ذلك التفاعل، من المراسيم والشعائر، والمنابر والخطابات، والتعبئة عند استقبال محرم، خصوصا عند اتباع مدرسة اهل البيت ، الذين عرفوا «بالشيعة والروافض»، ولابد من الاشارة ان هذا التفاعل ليس غريبا، فقد تمثل لذلك كل ائمة اهل البيت ، فهم من اسس هذه الطرق، وأكدوا على ذلك، بل يعتبرون ذلك من اهم المصاديق لإحياء امرهم، ولذلك من العجيب اتهام الشيعة في هذا الوقت والعصر بأنهم ابتكروا هذه الطرق والشعائر، او هي دخيلة عليهم. ونحن نقول متى وفي اي عصر انطمست واندثرت هذه الطقوس حتى في احلك الظروف والظغوط السياسية التي حاولت ذلك؟ بل هي مستمرة جيل عن جيل الى يوم القيامة، كما قال الشاعر: وفجائع الايام تبقى مدة.... وهي الى القيامة باقية "، لان الحسين ع سفينة نجاة ومصباح هدى، فكيف نتصور العالم بدون الحسين ع واهل بيته؟ اذا التفاعل مطلوب ليس فقط في محرم، وان التعبير عن هذا التفاعل قد يختلف من جيل الى جيل ومن عصر الى عصر، حسب طبيعة وايقاع الحياة والظروف، نعم من ابرز مظاهر هذا التفاعل امور اهمها التجمعات والحشود، قراءة المأساة، وكذلك البكاء والحزن، وكل ذلك نصت عليها الروايات، كما نستشف في ظلالها خصوصية لمأساة الحسن ع، على بقية المآسي الاخرى، ولذلك كانت له خصوصية وكرامة في التأثير، ففي الرواية «كلنا سفن النجاة، وسفينة الحسين اوسع واسرع *، ويقول اخوه الامام الحسن ع «لا يوم كيومك يا أبا عبد الله»، وعلى ذلك، ينبغي التصدي لمن يحاول طمس هذه الشعائر، او يحاول ان يشكك الناس فيها، تحت شعارات براقه، ومفاهيم مغلوطة، بان ذلك ينافي روح العصر والتقدم والتطور! فماعلاقة كل ذلك، وهل من يلتزم بذلك لا يستطيع ان يتقدم، وقد وجدنا الكثير ممن يتفاعلون مع هذه المصيبة بشتى الاساليب من هم الأكفى، من العلماء والاطباء والمهندسين، وهم يقطنون في تلك البلاد الغربية. «ومثال على ذلك، الشعب الياباني الذي يعيش ويتذكر ويحيى تلك المأساة جراء القنابل النووية التي سقطت على مدينتي هيروشيما ونازاكي، وراح ضحيتها الآلاف، وفي كل عام تنقل وسائل الاعلام هذه المناسبة، ومع ذلك لم يمنع ذلك من التقدم * نقلا عن الخطيب العلامة السيد منير الخباز، في عاشوراء هذا العام.

اما الاحاديث الكثيرة التي تحيط بهذه المأساة وضرورة احيائها والتفاعل معها لا حصر له. لكن المطلوب في ذلك ان يكون هذا التفاعل اكثر تنظيما، وتنسيقا وفاعلية، بما يتناسب مع العصر الحديث، ومن جميع النواحي، والتفكير دائما في التطوير. وتوسعة دائرة التأثير، في ظل وسائل الإعلام المتطورة. اما البعد الآخر هو «الفاعلية»، قد تجد الكثير من الناس يتفاعلون مع المأساة والمصيبة ويحرصون على الحضور في المجالس، ويتأثرون بما يسمعون، والبعض قد يشارك في الخدمات المقدمة للناس، والتعاطف معهم، ولكن يبقى هذا التفاعل عند الكثير محدودا، وموقتا، اي مرهونا بالأجواء العاشورية، وليس له تأثير في مسيرة الحياة، ولذلك يبقى هذا السؤال الذي يتكرر دائما في ايطار المناسبة لماذا هذه العلاقة السطحية، ولماذا لا نستفيد من هذا الشحن الفكري والتعبئة الروحية؟ وبمعنى آخر، لماذا لا يقترن التفاعل مع الفاعلية؟ فهل المطلوب فقط التفاعل؟ كلا، بل يجب ان يتحول هذا التفاعل الى وقود في المسيرة، وتطلع نحو الامام، وارادة في الحياة والمواقف، وكذلك في تحمل المسؤولية، وإلا فان هذا التفاعل يصبح مجر تخدير، وعاطفة عابرة، فلا يكون لها تأثير على شخصية الانسان ولا تخدم الاهداف المرسومة لهذه الرسالة الحسينية، وإن الاحاديث والروايات التي تؤكد على التفاعل والبكاء انها ناظرة الى تحقيق الفاعلية، والقيم التي تقودنا الى فلسفة النهضة والصراع بين الحق والباطل، فالبعض قد يستكين الى الفهم السطحي الى بعض الروايات التي تلمح الى مجرد البكاء على الحسين ع له من الثواب ودخول الجنة، وهذا موجود، ولا يمكن انكاره، وقد يكون هذا مستوى من الفاعلية، ومقدمة، لا يمكن فصله عن الاهداف التي رسمها الامام نفسه حيث يقول في خطبته وهو يسير الى كربلاء «انما خرجت لطلب الاصلاح في امتي جدي...». من هنا ضروري ايجاد الفاعلية واليقظة، دون الاكتفاء بالتفاعل الآني، وحسب الظروف والاجواء، وذلك بالتركيز على ابعاد:

1 - ضرورة قراءة ومعرفة السيرة والظروف والعوامل التي احاطت بالثورة، لا ستخلاص العبر والدروس.

2 - الاهتمام بتشكيل الوعي والادراك للاهداف الحسينية، من خلال القراءة والاستماع، وليس الاكتفاء بالحضور ونيل البركات، يقول علي ع «ان هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها»، وقال تعالى «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه»، لان أهداف الحسين ع هي اهداف كل الرسل والرسالات، فهو الوارث الشرعي كما نقرأ في الزيارة، فلا يمكن اختزال هذه النهضة والقيادة في بعد واحد، وان كانت سماتها هي ثورة على الظلم والطغيان والاستبداد، لكن في الحقيقة هي مدرسة لتخريج الابطال والرجال والصادقين والشهداء والعظماء، ولذلك من الخطأ ان نقول فقط بأنها ثورة سياسية، كما يشير البعض لذلك، ولو كان ذلك صحيحا لما خرج الحسين مع اهل بيته واطفاله، وربما تركهم في المدينه، كما هو ديدن السياسيون الذين يبحثون عن الكراسي والمناصب، فالصورة مختلفة تماما في كل الابعادة، ونستطيع ان نقول ثورة عارمة ضد التخلف والانحطاط. ثورة اصلاح شامل. لا يقتصر على بعد، فكما هي حرب ضد الحاكم والحكومة انذاك، فهي استنهاض للامة وايقاظها.

3 - يجب التأكيد على ضرورة الاهتمام والفاعلية للاهداف التي خرج من اجلها الحسين ع، ومن اهمها، الاصلاح في حياة الامة، والتفكير الجاد لتحويل هذا المفهوم والمشروع الى ثقافة، تبدأ من الانسان الى الاسرة والمجتمع والدولة، ولا نكتفي بالشعارات العامة، ويجب التخطيط الاستراتيجي والمرحلي لتحقيق هذا الهدف، ومن هنا يجب ان نستثمر كل طاقاتنا وقدراتنا وكفاءاتنا نحو هذا الهدف الكبير، وايجاد التخصصات في كل شأن، وبكلمة ان هذه الثقافة في ايطار «الاصلاح» هي التي تجنبنا الترف الفكري، والنقاشات والسجالات التي تكرس الخلافات والصدامات، دون تحقيق الفائدة، ولذلك المطلوب العمل الجاد والفاعلية، يقول الامام علي ع، «شعار المؤمن العمل»، وقبل ذلك يقول القرآن «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ»، وليس هناك طريق صحيح لتحقيق هذه الفاعلية في المجتمع الا من خلال المؤسسات، والمراكز المختلفة، خصوصا في توجيه الشباب وتسخير الطاقات وتفعيل الكفاءات، وهذه مسؤولية اجتماعية وعامة. لكنها مظهر حضاري، فيد الله مع الجماعة، ويقول علي ع «الله في نظم امركم»، كما تعتبر الملتقيات وسيلة للتواصل والتعارف والاستفادة.

4 - يجب بناء الشخصية الاسلامية الصحيحة، التي يمكن الاعتماد عليها، في كل الاحوال، فليست العبرة بالكثرة او الحضور، وانما بالكفاءات، والشخصيات ذات الصبغة الايمانية والاخلاقية التي تجسد تعاليم الاسلام في كل جوانب الحياة، وبامكانها ان تقدم كل شئ من اجل الاسلام والدين، وتؤثر على نفسها، فهؤلاء هم اساس البناء الاجتماعي والقدوات، ذات التأثير في زرع الهمة والفاعلية، ان اكتشاف مثل هذه النماذج والتعامل معها وتقديمها للناس ضرورة في التفيير والاصلاح، اما من يعطي الاولويه دايما لنفسه او عائلته او مصالحه، فهذا لا ينفع، ولا يقدم مهما كان له من صيت وواجهة، وتقدم الصفوف، وتعالت صرخاته في الناس، وبرز امام الجميع، او يتحدث عن نفسه اكثر من عمله، فهذه بلوى في مجتمعاتنا، فكم من اشخاص يريدون البروز من خلال مسجد او حسينية او ادارة او مشروع، دون تقديم المستوى المطلوب، فعلينا ان نتذكر دائما قول ربنا «لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، ولذلك علينا ان نضع دائما وابدا رسول الله، واهل بيته ع، خصوصا الامام الحسين ع قدوات لنا بما قدموه من تضحيات نابعة من الايمان والاخلاص والحب للدين وكرامة الامة، وكانوا اصحاب الامام الحسين ع

ع، نماذج للايثار والتضحية والاخلاص، ولذلك قال عنهم «ما رأيت اصحابا افضل واوفى من اصحابي»،. ان بناء الشخصية الايمانية الواثقة من دينها ونفسها هي التي تصنع المعجزات، وتقلب المعادلات، والمطلوب هو التنقيب والبحث دائما عن هذه العينات، لتحدث التأثير، خصوصا في عصرنا الحاضر حيث ابتلينا بمظاهر وزخارف الدنيا، واصبحت الروح المادية هي السارية والمتسربة للنفوس، ولا اخص عامة الناس، وانما ايضا من يحسبون على الدين والتدين، ولذلك من الطبيعي امام الالتزام القشري للدين، نفتقد للشخصية الصادقة والواعية في مجالات كثيرة، منها الكرم، صلة الارحام، التسامح، المحبة، التعاون حتى بين الاقارب، فهذه شكاوى وعامة في المجتمع، فالحديث عن الحسين ع، او وأصحابه انما هو عن البناء للشخصية التي تمثل قمة الولاء والطاعة والمحبة والمودة، مصداق قوله تعالى «ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ»، فتأمل وتدبر. والخلاصة، ان عاشوراء نهضة مباركة، تأتي اكلها كل حين باذن الله، لانها ثورة الهيه، ومشكاة فيها نور الرسالة، ومصباح لهداية البشرية، وان الوقوف امام هذه الثورة وتجلياتها يضعنا امام مسؤوليات وخيارات، لانها اولا امانة في اعناقنا، وهذه الامانه هي امانة فردية واجتماعية وكذلك للامة، فعلينا ان نحافظ علينا، ونتعاون على توصيلها للاجيال القادمة، دون تقصير، وكل امة وجيل مسؤل عن نفسه في حمل راية الايمان والاصلاح، وبمقدار ما آتنا الله من قوة ونعم وخيرات وفرص، وهذا يدعونا الى التواصي والتعاون، وكل ما يعزز مسيرة البناء والتقدم، ومواجهة التحديات، وعلينا ان نزيل كل العوائق، ومن ابرزها الثقافة السلبية والتراجع والاتكالية. هذا من جهة، ومن جهة اخرى لا بد ان نعرف أنه لا خيار لنا في ظل هذه الظروف التي تحكمنا، الا بالاحياء لهذه النهضة المباركة، والتفاعل والفاعلية مع قيمها الرسالية، لان الحياة في ظل الظلم هو كالموت السريري، وان الحياة بدون كرامة لا قيمة لها، كما ان الامة التي لا تستطيع ان تتقدم لا تستحق الحياة، لانها مسلوبة الارادة، وهذه العبر والدروس هي من اهم التعاليم والاقوال والخطب في نهج الامام الحسين ع،، ومقارعته للظلمين، ومن يحاول ان يستبدل هذا النهج، لا يمكن ان يبصر الحياة والحقيقة، ولا يضمن ان يكون احد الناجين، في سفينة النجاة، ولهذا يجب ان تتحول هذه المسيرة الى ثقافة حياتية ودينة وحضارية، تقودنا الى السعادة والفاعلية مع الحياة بكل معطياتها وتحولاتها وتحدياتها.

سيهات