آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 6:09 م

النهضة وواقع الأمة

الشيخ حسين المصطفى

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[آل عمران: 137].

يؤكد القرآن الكريم في كثير من الآيات الكريمة على أهمية إيحاءات المنهج التجريبي في الآيات التي تتحدث عن العبرة، التي تعمل على أساس أن ترصد ظاهرةً لتأخذ منها درساً، أو لتأخذ منها فكرة. وذلك من خلال أن تعيش تجارب الآخرين، حتى تستطيع أن تستنتج من تجاربهم فكراً يمكن أن تتحرك من خلاله لاستنتاج فكر آخر أو لإغناء فكر آخر.

وهكذا نجد عندما يتحدث عن التجربة التاريخية وكيف نستطيع أن نحصل منها على ما يهمنا من الأفكار، بحيث توحي لنا بمتابعة الظاهرة ومتابعة التجربة، سواء كان تجربة الإنسان الآخر أو كانت تجربتنا بالذات.

وحديثنا في:

في مصطلح النهضة

الفكرة المركزية «قانون نهضوي».

القوة الدافعة «قانون نهضوي».

التغيير الذاتي «قانون نهضوي».

في مصطلح النهضة:

كلمة «النهضة» من الكلمات الأكثر استخداماً في حياتنا المعاصرة. وحين يشيع استخدام كلمة على نطاق واسع فإنها تجتذب الكثير من المعاني والدلالات الفرعية، ويصبح العمل على لمّ شعث تلك الدلالات ومراجعتها من الأمور المهمة، حيث يتوقف على ذلك الكثير من الأشياء.

نحن في حاجة إلى طرح الأسئلة من أجل إضاءة حقول الممارسة في الدعوة والإصلاح..

فالأسئلة هي وليدة التأمل العميق. والفقر في الأسئلة يعني قطعاً فقر في الإجابات.

وقد أدرك المثقلون بالهمِّ الدعوي والإصلاحي ذلك منذ وقت مبكر؛ فهذا الكواكبي «ت 1320 - 1902م» في كتابه «أم القرى» يعقد مؤتمراً افتراضياً في مكة المكرمة، حيث يتخيل قدوم وفود من كل أصقاع العالم الإسلامي من أجل التداول والتفاكر والتذاكر في الأزمة الحضارية التي يعاني منها المسلمون. وقد رأى المؤتمرون أن تتركز مداولاتهم في العثور على أجوبة لسؤالين أساسيين هما:

السؤال الأول: ما العلل والأدواء التي تفتك بالأمة الإسلامية حتى انتهت إلى الوضعية التي هي فيها؟

السؤال الثاني: ما العلاجات التي تحتاجها الأمة حتى تبرأ من أدوائها؟

وبالطبع فقد ذكر أعضاء المؤتمر - كما افترض الكواكبي - الكثير من العلل، ووصفوا الكثير من العلاجات. والذي يبعث الأسى في النفس أن يظل معظم ما نطرحه اليوم من أسئلة، وما نقدمه من الأجوبة قريباً جداً مما ذكرته الوفود الإسلامية قبل ما يزيد على قرن من الزمان!! وهذا يعني أنّ قدرتنا على حسم الأسئلة والنزاع من كثير من الأجوبة ما زالت محدودة.

- هل نريد من «نهضة الأمة» أن نحسِّن مواقعنا داخل المنظومة الحضارية السائدة، مما يعني تدعيم الحضارة الحالية وتعزيز استمرارها مع إنكارنا للقواعد التي قامت عليها وإنكارنا لأدبياتها؟!

- أو نريد أن نؤسس حضارة جديدة تحاكي في أصولها ومنطلقاتها وأهدافها الحضارة التي وضع لبنتها الأولى نبينا محمد excaim؟

- فإذا كان هذا هو المقصود:

أ - هل يتم هذا في ظل استمرار الحضارة الغربية، وإنشاء حضارة منافسة تستلهم عقائد ومبادئ ومُثلاً مغايرةً لما في الحضارة الغربية؟

وهذا يعني: أنّ علينا أن نُنشئ نظماً جديدة في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والتربوية والصناعية والإدارية؛ لأنَّ ما لدينا من نظم تراثية موروثة في هذه المجالات غيرَ كافٍ لتسيير دفة الحياة العصرية، وبعضه غير ملائم ولا صالح. فهل نملك الإمكانات للقيام بهذا العمل الكبير؟!

ب - أو أنّ المقصود هو دورة حضارية جديدة تعم العالم، يكون للمسلمين فيها دور الريادة والقيادة؟

ويعني ذلك أنّ المطلوب منا الآن هو العمل على هزيمة الحضارة الغربية وهدم أركانها تمهيداً لتشييد حضارة إسلامية تحل محلها. وهل مثل هذا العمل ممكن أم أنه مستحيل؟

- وفي كل الأحوال هل يمكن للعالم الإسلامي أن ينشئ حضارة منافسة أو بديلة عن الحضارة الغربية وهو مشرذم وموزع على ما يزيد على خمسين دولة؟

فهل يكون علينا أولاً أن نسعى إلى توحيد المسلمين وجمع كلمتهم قبل أن نفكر في إنشاء حضارة بديلة أو منافسة؟

وإلى أي حد يمكن القيام بهذا الأمر في ظل التخلف الموجود الآن وفي ظل الارتباطات الوثيقة القائمة بين معظم الدول الإسلامية والدول الغربية؟!

- لماذا لم نستطع عبر قرن ونصف من الزمان استيعاب التطورات الحضارية والتقنية والصناعية التي حدثت في العالم من حولنا، وما العوامل التي أدَّت إلى بقائنا على هامش الحضارة عوضاً عن أن نكون في لجتها؟

هل كان ذلك بسبب بعدنا عن الإسلام؟

أو كان بسبب الاستعمار وتآمره علينا؟

أو كان بسبب عدم وقوفنا من الغرب موقف التلميذ النجيب كما فعلت اليابان؟

أو كان بسبب تمسكنا بعادات وتقاليد بالية وموروثة عن عصور الانحطاط؟...

لم أرد من هذه التساؤلات بعث اليأس والدفع في اتجاه مغلق، وإنما أردت أن أوضح أنّ ما نظنه بدهياً وسهلاً لا يكون دائماً كذلك.

الفكرة المركزية «قانون نهضوي»:

إلى أي شيء ندعو الناس... ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: 157].

إذا رأينا أنّ مجتمعاتنا تعمل جاهدةً على الخروج من حالة الرقود والسكون إلى حالة الحركة والتغيير، عرفنا أنها تحتاج إلى اختيار فكرتها المركزية.

ولقد فطن المخططون لقيام دولة إسرائيل إلى هذا الأمر. فرغم أنهم كانوا علمانيين إلا أنهم اختاروا فكرة مركزية دينية تقول بضرورة اجتماع اليهود على أرض الميعاد. وعزَّزوا الخطاب الديني لحشد اليهود من كل أقطار العالم، وسمَّوا دولتهم «إسرائيل» وهو نبي الله يعقوب، فكان اسم الدولة اسماً دينياً، وبذلك فقد اختاروا الخطاب الديني من باب المصلحة.

إنّ الشيء الذي يجب ألا يكون محلخلاف هو أنه كلما كانت الفكرة المركزية لعملية التغيير متفقةً مع المنظومة القيمية في المجتمع المراد تغييره، كلما كانت عملية التغيير أسرع وأنجح.

وعلينا أن ننتبه إلى أنّ «الفكرة المركزية» وحدها ليست كافية لتحريك الجماهير؛ بل لا بد أن يصحبها «فكرة محفزِّة» من صلب الفكرة المركزية وتبني على تراثها.

فموسى حرَّك قومه للخلاص من الاضطهاد بحلم الوصول إلى أرض العسل واللبن، أرض فلسطين.

والرسول excaim يحرِّك العالمين للخروج من جور الأديان إلى عدل الإسلام في واقع كان الظلم فيه سائداً وهذا ما قاله سفير الرسول excaim لرستم: ”لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة“.

والحسين يحرك الأمة ويستنهضها لإصلاحها...

ومارتن لوثر كينجيقود حركة السود في أمريكا بطرح مطالب يستشعرها السود وتتفق مع قيم المجتمع الأساسية، وهي قضية المساواة.

إنّ هذه الأمة تتوفر لديها فكرة مركزية كبيرة لو أحسن التعامل معها. وفكرة محفزة قائمة يمكن البناء عليها في إطلاق طاقات مجتمعاتنا للنهوض بها، واستخراج أكبر ما عند الإنسان من مخزون مهاري وعقلي وعلمي، ومنجهد عبر استخدام هذا القانون استخداماً مدروساً.

إنّ تكييف الخطاب السياسي العام انطلاقاً من القضايا الثلاث الكبرى: «الحرية والوحدة والتنمية» يعني أن ينتقل بها لما هو محسوس.

واليوم يمكن أن تُطرح نفس المواضيع من خلال شعار مثل ”وحدة المصير“، حيث يرى كل العقلاء أنّ مشاريع الخلاص الفردي لن تجدي، وأنّ روح المرحلة هي فكرة وحدة المصير. وهذه أو غيرها قد تشكل قاعدة انطلاق للاحتشاد العام في الحالة الكلية للأمة.

القوة الدافعة «قانون نهضوي»:

حيث لا تغيير إلا إذا حدث تغيير إيجابي في عالم المشاعر.

يوجد فرق بين تمني شيء ما والاستعداد لتحقيقه. ولا يمكن لشخص أن يكون مستعداً لأمر ما حتى يؤمن أنه يمكنه الحصول عليه.

وهذا القانون يحقق «البعث النفسي» للأمة، والذي يحوِّل - بدوره - الأفكار إلى ما يماثلها مادياً. فتتحول النهضة من فكرة إلى حقيقة ملموسة.

وذلك من خلال:

1. الإيمان بالفكرة: ونقصد بها القناعة العقلية والقلبية بالفكرة ونجاحها.

2. العزة: الشعور بسمو الفكرة عما سواها من الأفكار.

3. الأمل: وهو النافذة الكبيرة التي نفتحها للناس، ليروا أنّ المستقبل سيكون زاهراً، وأنّ نهضة أمتنا ستتحقق بإذن الله، ومصداقية هذا الأمر أن تحتشد الأمة في حركة وعمل ومشاريع.

وقد أكدَّ الله في مواضع كثيرة على أنّ الغلبة لأوليائه والنصرة لهم ليبعث في الأمة الأمل واليقين بتحقق النصر. يقول تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 55].

كيف قام الرسول بعملية البعث النفسي في مكة؟

أ - إعادة عرض التاريخ: وقد تم ذلك على محورين:

الأول: عرض مسار الأنبياء excaim، وعرض منجزاتهم وانتصاراتهم، ثم الإشارة إلى الخط المتصل بين هذا المسار وبين الذين اتبعوه، وأنهم لا شك منتصرون كما انتصر أسلافهم. فجعل excaim خطاً رابطاً متصلاً من لدن آدم وحتى أتباعه.

الثاني: سحب الشرعية عن أهل الكتاب والمشركين وبيان الأسباب.

ب - التراكم في الإنجازات العملية: وقد تم ذلك من خلال عدة أشكال:

1 - إعادة تعريف الهزيمة والنصر: ففي قصة أصحاب الأخدود مثلاً تم الإعلان عن انتصار المؤمنين رغم القضاء عليهم. وهكذا انقلبت موازين النصر والهزيمة. فأصبح بعض ما تراه العين هزيمة يعتبره المسلمون نصراً، وبعض ما يُرى نصراً يعتبره الإسلام هزيمة.

2 - تقديم إنجازات تبشر الناس بغدٍ أفضل: مثل إرسال الناس إلى الحبشة لينجو بهم من التضييق، وليكون نواة انطلاق جديدة. ثم كانت محاولات المتتابعة لعرض الإسلام على القبائل وطلب النصرة دافعاً للأتباع الذين يرون أنّ قيادتهم لم تستسلم للأعداء - حتى ولو لم تكلل هذه المحاولات بالنجاح.

3 - تقديم إنجازات من خلال تصعيد الخطاب: فالكلام في زمن الصمت يعد فعلاً قوياً يحفِّز الجماهير. لذلك كان القرآن يتنزل في مكة - رغم التضييق - ليحشِّد الرأي العام المرتقب بخطاب قوي واضح.

فكان إعلام قوي ضد أئمة الجاهلية ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ، كذلك خاطب الوليد بن المغيرة خطاباً قوياً: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم: 16]، وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً.

إنّ هذا الخطاب الواضح - في عهد الاستضعاف - رغم أنه لا يتعدى أن يكون قولاً؛ إلا أنه يتحول عند الرأي العام إلى فعل وأي فعل. فالكلام في زمن السكون فعل، حيث إنّ قليلين هم الذين يتحدثون «الرأي العام وتأثره بالإعلام والدعاية».

ج - حسن عرض هذه الإنجازات العملية على المجتمع:

لتتولد عنده القوة الدافعة. فالفعل الإيجابي المؤثر وحده لا يكفي؛ بل لا بد أن تتبعه آلة دعائية إعلامية تعلن عن الإنجازات وعن آثارها الإيجابية بشكل مؤثر.

ففي آليات البعث النفسي:

- واجب الإعلام اليوم الاهتمام بأدوات التعليم.

- وواجب قادة الدول الإسلامية وحكوماتها هو إعادة صياغة الخطاب الجماهيري. وإعادة صياغة التعليم، وكل أشكال التوجيه؛ لإيجاد كتلة مؤمنة بإمكانية النجاح، ومحصنَّة ضد عوامل اليأس.

وهذا يحتاج إلى تعاون بين المفكرين وبين قادة هذه المجتمعات وحكوماتها، وبين قادة الرأي وبين العاملين في الإعلام، والتعليم؛ حتى تصبح نظرية الحرب النفسية مفهومة، وتصبح جزءاً من تكوين الفرد المسلم العربي في مجتمعاتنا.

التغيير الذاتي «قانون نهضوي»:

لا تغيير إلا إذا حدث تغيير إيجابي في عالم السلوك.

إنّ تغيير الواقع الداخلي هو المحرك الرئيس في التغيير الخارجي. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إن الله لا يغير من بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..

وللتغير الداخلي مجالان:

- مجال الفكر «العقل».

- مجال المشاعر «القلب».

وهناك ارتباط جذري بين هذين المجالين. فعندما يصح عالم الأفكار، وتصبحالفكرة المحفِّزة قويةً وملحةً، فإنها تشعل داخل النفس طاقاتها، وتحرك فيها تلك المشاعر من الحب والكره، وتتولد القوة الدافعة.

وبالتالي تنطلق طاقات الإنسان في محاولته لتحقيق فكرته علىأرض الواقع. فالتغيير الداخلي في الأفكار والمشاعر أمر أساسي لنجاح حركة التغيير. فعندما تتغير الأفكار والمشاعر، يحدث سلوك جديد، ومن ثم نتوقع أن تكون النتائج أيضاً مختلفة.

فعندما تغيرت أفكار الغرب في لحظة تاريخية ما عن أفكار «الكتاب المقدس» بما فيه من أمور رأوا أنها تقيدُ العقل، وتحدُّ من طاقات الإنسان، وتطالبه بالانعزال عن الكون، وألا يستمتع بجسده أو بالكون من حوله بدعوى الرهبانية، انطلقت فكرة جديدة تدعو إلى:

- تحرير العقل.

- إطلاق الطاقات.

- البحث في كل مجال.

- التساؤل عن كل الكون.

- اعتماد العقل كمرجعية في تنظيم المعارف.

- تنظيم المعلومات.

- اعتماد الحجة والبرهان.

- عدم التسليم بمقولات الآخرين.

ومع انتشار هذه الأفكار، والحماس لها، ووجودالفكرة المحفِّزة في هذه اللحظة - وهي مقاومة الفكرة الرجعية السائدة، التي كانت تريد تقييد العقل - ولدت القوة الدافعة؛ لتنطلق وتفتح الآفاق، وتجدِّد الحياة من حولها.

هذا السلوك الجديد الذي نشأ عن تغير أفكار الناس ومشاعرهم، نتج عنه تغير سلوكي في عمليات البحث والتقنين والاختيارات وما إلى ذلك. وبالتالي بدأت النتائج الخارجية تتغير لهذه المجتمعات، وبدأت تثمر في ميادين الثقافة والفكر والعلوم التطبيقية والهيمنة والسيطرة على المجتمعات الأخرى.

فالله تبارك وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي حتى تتغير لديهم هذه المنظومات العقلية المقيِّدة، وتولّد عندهم الفكرة المحفِّزة والروح التي تدفعهم لتحويل هذه الأفكار إلى واقع في حياتهم وذلك عبر التحولات والتغيرات السلوكية الإيجابية.

فالناس لديها عقائد وتطبيقات، ولديها مسلَّمات مختزنة في عقلها، وهذه إما أن تكون من النوع الحي المحرِّك الذي يفتح الآفاق، أو النوع المغلق الذي يغلق كل الآفاق.

والمطلوب ثلاثة أنواع من التغيير:

1 - تغير إيجابي في عالم الأفكار. وهو الجزء الذي يغذِّيه العلم والخبرة، بشتى أنواعها.

2 - تغير إيجابي في عالم المشاعر من السلبية والإحساس باليأس إلى التفاؤل والإنجاز، والشعور المتجدد بالحياة. قال تعالى مبشراً المؤمنين بالنصر: ﴿وكان حقاً علينا نصر المؤمنين [الروم: 47]، وفي الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي».

3 - تغير إيجابي في عالم السلوك والممارسة. فقد يظن البعض أنّ قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير من بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم يجب أنّ تشمل عملية التغيير «الأفكار، المشاعر، السلوك». فقد جاء القرآن ليصحح من أنماط تفكير المسلمين ويخاطب مشاعرهم، ويطالبهم بتغيير سلوكهم.

فإذا تمكنت الأمة بعد هذه المعالجات العقلية من أن «تبعث عالم المشاعر والأحاسيس»، وتزرع «القوة الدافعة في المجتمعات الإسلامية»، فستنطلق هذه المجتمعات نحو «التغيير والنهوض عبر التغير الحادث في عالم السلوك والممارسة».

الخلاصة:

يتبين لنا مما سبق، أنّ هذه القوانين الثلاثة السابقة تمثل منظومة ثلاثية واحدة. تخاطب العقل من خلال الفكرتين المركزية والمحفزة. وتخاطب القلب والروح من خلال القوة الدافعة. وأخيراً تقود إلى التغيير من خلال التحولات السلوكية الناجمة عن الاقتناع بالفكرة وملامستها للقلب.

وخلاصة القول أنّ قيام الأمم والحضارات ونهوضها يعتمد بالضرورة على وجود فكرة صلبة تقتنع بها الأمة. لتولد هذه الفكرة قوة دافعة هائلة تبعث الأمة من رقادها وسباتها، وتكون بمثابة البعث النفسي لها. وأخيراً تأتي التحولات السلوكية الناتجة عن ذلك البعث النفسي لتكون أولى خطوات الأمم نحو التغيير والنهوض.

وهذا ما حاول أن يبعثه الإمام الحسين في الأمة بعد أن عمل معاوية على إفراغ المحتوى الإسلامي من واقع المسلمين، وجاءت نهضته مماثلة لجهاد جده الرسول excaimضد قريش؛ ولذا نقرأ في الرواية المعتبرة التي يرويها أبو حمزة الثمالي عن الإمام الصادق أنه قال في جملة زيارته لعمه العباس : ”واشهد الله أنك مضيت على ما مضى عليه البدريون والمجاهدون في سبيل الله“ [كامل الزيارات ص 440 ح 671].

لقد كان على الإمام الحسين أن يختار شرائح البناء، التي تتقارب مستوياتهم الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والمهارة، بالإضافة إلى تقارب أهدافهم وإمكاناتهم.

ومن مواصفات هذه الشريحة الثبات والصبر والصمود والقوة، والقدرة على التبليغ والتعريف بالفكرة. لقد شعر أنصار الحسين excaim أنّ رابطتهم هي الرسالة التي يؤمن بها من خلال قيادة الإمام الحسين ، والخط الذي يتحركون فيه على أساس إمامته.

وقد ساهم في حركته الرجل والمرأة، والأبيض والأسود، والمسلم والنصراني، كما شارك معه من كان على هوى أبيه علي ابن أبي طالب ومن كان على هوى غيره.

وكان الإمام عندما يستأذن أيُ شخص من أصحابه يتلو هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً.

كانوا يتحسّسون المسؤولية، ويصدقون بالتزاماتهم، فهذا حبيب بن مظاهر، وهذا مسلم بن عوسجة، وكانا صحابيين صديقين جاءا إلى المعركة، وجاهدا بين يدي الإمام الحسين، وعاشا مع الحسين الالتزام بخطّ الإسلام.

عندما صُرع مسلم بن عوسجة، مشى إليه الإمام الحسين ومعه حبيب بن مظاهر، وجلسا عنده وهو في حالة الاحتضار، قال له حبيب: والله لولا أني أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي، فإنّ الصديق يوصي صديقه في حالة الاحتضار، يوصيه بأهله وبعياله، ولكن مشكلتي أني سأموت من بعدك وسأسير في نفس الطريق. كنت أُحب أن توصيني لأنفّذ وصيتك، فقال له: لي وصية تستطيع أن تنفّذها الآن. قال: ما وصيتك؟ قال: أُوصيك بهذا - وأشار بيده للإمام الحسين - جاهِدْ دونه حتى تموت.