آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

البكاء على الحسين سنة نبوية

مع بدايةِ كلِّ عامٍ هجريٍّ يحيي المؤمنون من أتباع أهل البيت مراسمَ عاشوراء، وإلى جانب ذلك يتجدد السؤالُ - بحسنِ نيةٍ من فريقٍ، وبسوءِ نيةٍ من فريقٍ آخر - عن سببِ هذا الإصرار على إحياءِ ذكرى عاشوراء.

ونقول: إن الشيعة ليسوا مبتدعين في ذلك، بل متبعين!

ذلك أن خاتم النبيين ﷺ سبقهم إلى ذلك، قبل أن تقع فاجعة كربلاء!

وقد تتساءل: إذا كان هذا ما حصل فلمَ هذا الإنكار من قِبَل البعض على مشروعيته، وعلى وقوعه؟

وقد تقول - ثانياً -: لعل ما تستندون إليه في سبق الرسول ﷺ إلى ذلك هو أحاديث شيعية لا يصح الاحتجاج بها على مخالفيهم!

وأقول جواباً عن السؤال الأول والتساؤل الثاني:

لا بد من التمييز بين إثباتِ مشروعيةِ فعلِك في مقام التعبدِ بينك وبين ربك، وبين إقناعِ مخالفيك. ففي المقام الأول لا يلزمك أن تستند في مشروعيةِ أمرٍ إلا إلى ما يكون حجةً بينك وبين ربك، ولست ملزَماً - هنا - بإيراد ما يكون حجةً ملزِمةً عند مَن يخالفك. أما في المقام الثاني فإنه لا يصح - منهجياًّ - أن تستدل إلا بما يكون حجةً عند مخالفيك.

لذلك، يتبين لنا الخلط في ما يقوم به مخالفو الشيعة عندما يوردون حججاً علينا ممن لا نقبله ولا نحتج به، كما يتبين لنا الخلط المماثل إذا أردنا الاحتجاج بما لا يقبلون.

ومن أجل الفرار من هذا الخلط المنهجي نورد نصين من غير مصادر الشيعة؛ لنؤكد مشروعيةَ ما نفعل؛ وفقاً للمعايير العلمية الصحيحة المقبولة عند الآخر.

1 - فقد روي في المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي [3/ 200]، عن أنس بن مالك قال: استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فأذن له؛ وكان في يوم أم سلمة فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: يا أم سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد.

قال: بينما هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي فاقتحم الباب فجعل النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يلتزمه ويقبله.

فقال الملك: أتحبه؟ قال: نعم.

قال: إن أمتك ستقتله إن شئت أريتك المكان الذي تقتله فيه.

قال: نعم.

قال: فقبض قبضةً من المكان الذي قُتِل به فأراه؛ فجاء سهلةً أو تراباً أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها.

قال ثابت: فكنا نقول: إنها كربلاء».

2 - فيه أيضاً، عن عبد الله بن نجي، عن أبيه: أنه سار مع علي؛ وكان صاحب مطهرته؛ فلما حاذى نينوى؛ وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي: اصبر أبا عبد الله.

اصبر أبا عبد الله.

بشط الفرات.

قلت: وماذا يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت على النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ذات يوم وعيناه تفيضان قلت: يا نبي الله، أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: «بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات»، قال: فقال: «هل لك إلى أن أُشِمَّكَ من تربته؟»، قال: قلت: نعم، فمد يده، فقبض قبضة من تراب، فأعطانيها، فلم أملك عينيَّ أن فاضتا»

فهذان النصان يشكلان وثيقتين تاريخيتين على أن أول مَن أحيى فاجعة كربلاء - في الإسلام - هو شخص رسول الله ﷺ أولاً، وخليفته الإمام علي ثانياً.

ويجب التنبيه إلى: أن النصوصَ بهذا المضمون كثيرةٌ جداً؛ لا يتسع المقامُ لإيرادِها جميعاً. ويكفينا ما أوردناه؛ للإشارة إلى أن ما يقوم به أتباعُ أهلِ البيتِ ليس هو من مبتدعاتهم؛ كما يحلو للبعض أن يسوقه! وإنما هم يقومون بذلك اتباعاً لرسول الله ﷺ؛ امتثالاً لما جاء في القرآن الكريم من قول الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب/ 21]، ورغبةً منهم في الحظوة بمحبة الله تعالى؛ وفقاً لما جاء في القرآن الكريم ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران/ 31].

ونستنتج مما مرَّ:

أولاً: أن إحياء مراسم عاشوراء فعل مشروعٌ لا غبار عليه.

ثانياً: أن الرسول وعترته «صلوات الله عليه وعليهم» كانوا سباقين إلى ذلك، وأنهم فعلوا ذلك قبل الفاجعة بعقود من الزمن. ولعل ذلك وقع منهم لتأكيد هذه المشروعية إلى جانب أمورٍ أخر.

ثالثاً: أن ما فعله الإمام الحسين كان عملاً مشروعاً في نفسه، وأن الانحيازَ إليه؛ في عصره وبعد عصره، أمرٌ مطلوبٌ؛ بقرينةِ ذكر هذه الفاجعةِ، والتفجع منها قبل وقوعها.

رابعاً: أن الأصالةَ الإسلاميةَ لهذا الدين إنما تتجسَّد في شخصِ الإمامِ الحسينِ ، وفي أفعالِهِ وأقوالِهِ؛ تبعاً لما قاله رسولُ الله ﷺ: حسين مني، وأنا من حسينٍ، أحب اللهُ من أحب حسيناً، حسين سبطٌ من الأسباط» [رواه ابن ماجه في سننه].