آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:06 م

صورة من واقعنا المر ودعوة للإستيقاظ

ياسين آل خليل

الدول الصناعية أو العالم الأول كما يحلوا للبعض أن يسميها هي عوالم براغماتية تعيش حياتها اليومية بكل واقعية بعيدا عن التزمت العاطفي والإنفعالية، هي كذالك تخطط ليومها وغدها في ظل حسابات مستقاة من واقع حياتها العملية والإقتصادية والإجتماعية. كل ذلك لم يأتي لها على طبق من فضة وفي غمرة من الإستكانة والجمود واللامبالاة، ولكن نتيجة عمل جاد متواصل وتراكمات من الخبرات التي تم توظيفها بحرفية فائقة الدقة حتى باتت نظام حياة للفرد والمجتمع، بل هي جزء لا يتجزأ من تلك البنية التحتية الرصينة التي ترتكز عليها مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في إنجاز أعمالها في أقل وقت وتكلفة مما ينعكس إيجاباً على الوطن والمواطن.

للأسف في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا نزال نعيش فلتاناً قل مايقال عنه أنه بات يشمل جميع مفاصل الحياة، وإن كنا نشعر بين الفينة والأخرى أننا نعيش في واحة أمن وأمان إلا أننا بالمجمل كالمياه الراكدة تطل عليها فتعتقد أنها مياه باردة هادئة في طبعها، وما أن تطأ رجلاك باطنها حتى تكتشف العكس تماماً. هي كذلك مجتمعاتنا لا يمكن للباحث أن يفهم طبيعتها حتى يعيش في داخلها. في البيت والشارع والجامعة والمسجد والعمل..

أنت تخرج من بيتك متوجها إلى عملك، فتودع عيالك لأنك لا تعرف إذا كنت سترجع لهم أم لا. ربما يتجاهل البعض وكأنه يعيش على كوكب آخر. أنت يا سيدي تسوق سيارتك وكأنك في حرب، فأنت إما أن تكون «رامبو» زمانك، أو ذلك السائق «المتطرف» الذي لا يضع حدودا يحترم فيها حرمة الآخر، أو حتى إلى نفسه التي لم تعد بتلك الأهمية في تقديره، أو أنك لن تصل إلى هدفك المنشود..

بقدرة قادر تصل إلى عملك بعد أن فقدت الكثير من هدوئك فتبدأ أعصابك بالتوتر، اليوم هو يوم عمل كغيره من الأيام التي لا ترتقي لأن تكسب منها عيشك وعيش عيالك في جو تسوده المحبة والإنتماء وروح الفريق الواحد والتنافسية الشريفة والتي من خلالها يحصل كل ذي حق على حقه عبر ما يكتنزه من معرفة وخبرة وما يبذله من جهد واجتهاد وتفان في العطاء. كل ما ذكرت من صفات لا تزحزحك قيد أنملة على سلم العمل الوظيفي اذا لم توافي بقية الشروط والتي هي في منظار ذلك المسئول «الطائفي» أهم وأولى، كالقبيلة والمنطقة والمذهب وبدون شك الواسطة التي باتت ثقلا كبيراً يدفع ثمنها المواطن والبلاد لما لها من أثر سيئ في تقدم الوطن، وذلك عندما يكون معظم من يحتل المناصب القيادية في المؤسسات والشركات هم من تلك العينة ألأقل كفاءة وقدرة وعلماً.

يوم آخر من الواقع المر، لكن هذه المرة في احد الدوائر الحكومية لمتابعة معاملة لم تأخذ من عمر ذلك المواطن المغلوب على أمره سوى سبعة أعوام وليتها أنجزت بعد مضي تلك الفترة الطويلة! سبعة أعوام في مقاييس العالم المتحضر هي زمن قياسي ينجز فيها المواطن هناك مالا ننجزه نحن طوال حياتنا في ظل تمييز طائفي تعجز الألسن عن وصفه وتفنى الأعمار دون أن يلتفت لها أحد وكأن الإنسانية هي الأخرى أصيبت في مقتل وتحتاج إلى عصا موسى لرد الروح إليها، كل ذلك في بلد الحبيب المصطفى الذي علم البشرية معنى الكرامة الإنسانية وأنه «لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى»

تخرج من تلك الدائرة الحكومية دون إنجاز يذكر متوجهاً إلى منزلك لتأخذ قسطاً من الراحة مع عيالك قبل أن تنام لاستقبال يوم آخر هو لا يقل عناءً عن سابقه من الأيام. تجلس وعيالك يحتفون من حولك، تبدأ في توجيه الأسئلة لهم فرداً فردا علهم أنجزوا شيئا خلال يومهم، فتنصدم مرة أخرى عندما تكتشف أن مكابدتهم للحياة لا تختلف كثيرا عنك، فتلك ابنتك تعاني من تصرفات مدرسة مادة «الدين» واسفزازاتها التي ليس لها مبرر، وتلك ابنتك الأخرى تعاني من مدرسة الرياضيات والتي تتعثر في يومها مئة مرة، ونحن هنا نتحدث عن منهج المرحلة المتوسطة. فكيف تمكنت تلك الأستاذة الفاضلة من إجتياز جامعتها! وأين هي الرقابة.. وذلك ابنك الذي يجوب البلاد طولا وعرضا بحثا عن عمل كثيرا ما يكون من نصيب أجنبي قادم لهذه البلد يتعلم منها أصناف الخبرات ويحرم منها ابنك الحائز على إجازة علمية لا لشيئ الا لانتمائه لتلك الطائفة المغضوب عليها. القصص هنا لا تنتهي إلا أنني أخاف أن أصاب بالغثيان من سرد المزيد منها..

ألا يدعو كل ذلك للإستيقاظ قبل أن ينفجر الوضع فيخرج من أيدي الجميع وعندها يبدأ الندم على ما فرطنا فيه من وقت كان بإمكاننا أن نعالج فيه تلك الشروخ ونداوي شيئا من تلك الجروح التي أدمت بمافيه الكفاية وبات إيقاف نزيفها ضرورة.

اليوم ربما الظرف صعب ومؤلم إلا أنه فرصة ذهبية يتوجب استثمارها في تغيير كل ما أوصلنا الى هذه الدرجة من التأزيم: التغيير في ذواتنا، التغيير في سلوكياتنا، التغيير في كل ما يؤجج نار الطائفية أينما وجدت وتسترت. نعم هي دعوة للإستيقاظ من ذلك السبات الذي طال طويلا وكلفنا الكثير بوعي أو غير وعي.. السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو هل نحن قادمون على عصر يذكرنا فيه التاريخ بأننا أمة فعلا استحقت العيش بجدارة كبقية الأمم، أو أننا سيلعننا التاريخ والأمم القادمة لأننا فشلنا أن نعيش كبشر نحب لغيرنا ما نحب لأنفسنا.