آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:29 ص

الثقافة الفَهرَسية

رباب اسماعيل *

وأنت تقرأني على جهازك الصغير هذا، أو على الورق يتزاحم عليك عدد هائل من الأخبار والمعلومات والعناوين والمواد المعرفية التي لا تُعدّ، يكفي أن تقطع الاتصال بالانترنت لفتره قصيرة، وتعود حتى لا يتوقف جهازك عن الطنين بما هو غث وسمين.

وإن جئت للنظر في المسألة ضمن سياقٍ إجتماعي، ستجد أشكال مختلفة لتفاعل تلك المعلومات تبعاً للسياق الذي تجري فيه، وهنا تظهر مشكلة تَفَلُت المعرفة، هذا التفلت الذي سيؤدي مع تكراره وفوضاه الى نشر الإشاعات والأكاذيب والأفكار المغلوطة، والتي ستبدو أمام البعض أفكار خالصة ونهائية، خاصة إن جاءت من مصدر اتخذ لنفسه مكانةٍ معرفية، فكلاً سيضع أمامك خبراته، الاقتصادي والمثقف ورجل الدين والطبيب، وأي إنسان كان يحق له هو أيضاً أن يقول ويدوّن ويعرض ما لديه، إلا أن الأمر سيبدو مُشكلة إن اتخذتَ تلك المعلومات بصورة نهائية وحاسمة اعتماداُ على الثقة التي تمنحها للمصدر، وفي المقابل فليس أمامك سوى الشك - وهو طريق اليقين - والّذي سيبدو كطريق غير منتهي، وذو متاهات كثيرة.

يبدو الأمر أكثر وضوحاً لو اتخذنا نشرات الأخبار كمثال، حيث أصبح الجميع تقريبا يُدرك بأنه يستمع للخبر الواحد في كل مؤسسة اعلامية حسب زاوية رؤيتها الخاصة، والذي تفرضها عليها المصلحة بالدرجة الأولى، فما بال حالنا أمام العلوم والمعارف، تلك التي لها زاوية التأويل الخاصة بها أيضاً، والتي يصعب علينا أو نخشى طرقها بأداة الشك، فالحديث عن لقاح طبي واحد مثلاً سيضعك بين الحاجة إليه أو الحاجة للابتعاد عنه، فقد تبدأ بمعمعة المعلومات الطبية بالنسبة إليك - كشخص غير مُختص - لتنتهي بمصائب الحرب البيولوجية واقتصادها، وسيكون الأمر أكثر إشكالا وخشيةً في طرح المسائل العقائدية والدينية تلك التي تسبح في بحر من التأويل، تحت عواصف من المصالح السياسية، أمام لُجج من الجماعات العصبانية، يقدمها شخص له مكانته وتُتخذ له صفة القدسية؟!

أمام هذا كله نجد أنفسنا أمام ثقافة فهرسية.. لعدد كبير من العناوين والمعلومات المتشظية والمبتورة والغير مُتحقق منها.. في مُجتمعات مُتفاوتة في التدرج الحضاري، مُتباعدة في عمليات الانتاج ومُتقاربة في الاستهلاك.

إن المسألة دقيقة وشائكة وهي تتطلب عمليات بحث ومُقاربة في عدد من مجالات المعرفة والعلوم الإنسانية بجوانبها المختلفة لا سيَّما في الإعلام، وعلم النفس، والاجتماع.

يُمكننا القول إذن أن الثقافة الفهرسية ماهي إلا إحدى مشكلات التدفق المعرفي الذي أفرزته العولمة، أو هي إحدى سمات المجتمعات المعولمة، تلك التي تُؤخذ أحياناً عنوة بآليات العولمة ونظمها.

شاعرة وكاتبة من العوامية