آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 3:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

بناء الشخصية الناجحة «6»

الشيخ حسين المصطفى

قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا.

القاعدة الثانية: حدد أهدافك:

إذا لم تتحكم في مصيرك الشخصي، سيأتي شخص آخر يتحكم فيه بدلاً عنك.

ويقرأ أطفالنا في كتاب «أليس في أرض العجائب»: أنَّ أليس تسأل القط: هلا أخبرتني من فضلك أيَّ طريق يجب أن أسلكه من هنا؟

يقول القط: هذا يعتمد بقدر كبير على المكان الذي ترغبين في الوصول إليه.

قالت أليس: لست أبالي بالمكان الذي سأصل إليه.

قال القط: إذاً لا يهم أي طريق تسلكينه.

إذن حدد أهدافك ذهنياً..

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153].

وهذه الآية الكريمة تحدد معنيين رائعين:

1 - أنَّ على كل إنسان أن يصمم هدفاً محدداً مرتبطاً بالله، وهذا الهدف ينبغي أن يكون واضحاً جداً؛ لأنه مع عدم وضوح الهدف، أو عدم تحديد الطريق، سيشتبه عليه الطريق الذي سيسلكه للوصول إلى هدفه.

2 - وأنَّ الطريق إلى هدفك هو طريق محدد جداً من «أ» إلى «ب». أما الانحراف عن هذا الطريق فله طرق كثيرة جداً وقد عبَّر عنها بقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، أي أنَّ الانحراف ليس له شكل محدد، والضياع عن الأهداف كذلك ليس له شكل محدد، بخلاف الطريق إلى الهدف الذي يحتاج إلى وضوح ودقة وسعي وإصرار وصبر وعلم، حتى نستطيع الوصول إليه.

إذن عندما نفقد الرؤية إلى أين سنتجه؟

لا رؤية لا هدف ولا طموح لا مستقبل «=» يساوي:

محبط لا دافع ولا حماس لا عمل «فراغ واسترخاء» لا نجاح.

إذن لا بدَّ أن يسعى الإنسان في حياته إلى هدف ما «ويكون واضحاً»، يصوغه بنفسه، أو يحدده له شخص آخر «الأسرة،...»، أو يكون عرضة لتغيرات الظروف..

1 - كيف نبدأ؟

أغمض عينيك، وانظر ماذا تتمنى أن تكون بعد سنة من الآن؟ ثم بعد خمس سنوات؟ وبعد عشر سنوات؟ وفي آخر عمرك؟ «ما هي صورتك عند ذلك، حدد سماتها».

ثم فكر بعمق: ما الذي فعلته في حياتك على مدار السنة الماضية؟ وهل ما وصلتَ إليه اليوم هو ما أردته قبل سنة من الآن، أو قبل خمسة أعوام؟

إذا حصلت على إدراك وشعور.. فما هو المهم بالنسبة لك «للمستقبل القريب» أو «للمستقبل البعيد»؟ هذا ما يسمى بتحديد الأهداف ذهنياً.

ما لهذا خلقنا:

ورد في كتاب " درر الأصداف في فضل السادة الأشراف " ما وقع للبهلول مع الإمام الحسن العسكري : وذلك أنَّ البهلول رآه - وهو صبي - شارد الذهن، كثير التأمل وهو يفكر، والصبيان يلعبون، فظن أنه يتحسر على ما بأيديهم، فقال له: أشتري لك ما تلعب به؟!

فقال: " ما للعب خلقنا ".

فقال له: فلماذا خلقنا؟!

قال: " للعلم والعبادة ".

فقال له: من أين لك ذلك؟!

فقال: " من قوله تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ".

ثم سأله أن يعظه، فوعظه بأبيات، ثم خر الحسن مغشياً عليه، فلما أفاق قال له: ما نزل بك وأنت صغير ولا ذنب لك؟!

فقال: " إليك عني يا بهلول إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تتقد إلا بالصغار وأني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم ". [الصواعق المحرقة: ص 124].

2 - مفترق الحياة:

ما هو موقفك من الحياة؟ هل ستقلع عن التدخين؟ ما القيم التي ستختارها؟ هل ستنضم إلى فئة معينة؟ هل تحب أن تكون عضواً في فريق؟ كيف ستساهم في بناء مجتمعك؟

اعلم أنَّ الطرق والآليات والأهداف والقيم التي ستختارها اليوم، يمكن أن تشكل شخصيتك مدى الحياة.

تصوّر حبلاً طوله ثمانون متراً «عمرك المستقبلي»، وأنت الآن في النقطة العشرين منه، ألا ترى أنك من الآن تحدد اتجاه الأمتار الباقية.

كن حذراً.. فالأصدقاء كالدواء، وقسم منهم كالداء، إنَّ أصدقاء السوء يقودوك إلى ما لا يمكن أن ترضاه، فإذا أخطأت باختيار صديق فسارع إلى استبداله. وهذا يحتاج إلى شجاعة وقوة وإرادة وحكمة، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.

3 - الكشف عن مواهبك وإمكانياتك:

إنَّ الله سبحانه وتعالى قد وهب كلَّ إنسان جملةً من الإمكانيات واللياقات والمواهب، ويختلف الناس عن بعضهم باختلاف ذلك، ويشتركون بأنَّ كلاً منهم يُعتبر ظاهرة فريدة ورائعة، لأنه صنيعة من صنائع الله ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ و﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وأنا وأنت كذلك ظاهرة فريدة ورائعة، وهذايعني جملة من المواهب والقابليات عليك أن تكتشفها أولاً، وأن تحددها ثانية، ثم تحدد الأهم فيها، كل ذلك مقدمة لتطويرها وصقلها كي تتألق، لتساعدك في الوصول إلى أهدافك، دون أن تنسى أنها هدية من خالقك وبارئك.

4 - اكتب ما ستفعل:

روي عن الصادق : " اكْتُبُوا فَإِنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ حَتَّى تَكْتُبُوا ".

وروي عنه : " الْقَلْبُ يَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابَةِ "

تعوّد أن تكتب رسالة شخصية، تحدِّد فيها «أهدافك، غاياتك» وسمات المستقبل الذي تريده.

اكتب كذلك تصوراتك عن كيفية تحقيق أمانيك وأهدافك، واجعلها تنتهي بالقول "بإذن الله".

احرص على صياغة برنامج يساعدك للوصول إلى أهدافك، بمعنى ضرورة وضع خطوات توصلك إلى ما تريد. دون الاكتفاء بوضع الأهداف.

إذا كان لديك عدة أهداف، فحاول أن تختار الأهم فالأهم ضمن سلم الأولويات الذي تقترحه.

بعد أن تكتب ما ستفعل. افعل ما كتبت خطوة خطوة، متكلاً على الله ﴿وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

التحذيرات الثلاثة:

أولاً: احذر من السلبية:

إن تحديد الهدف بشكل إيجابي: أمر ضروري «أريد كذا.. سأحقق كذا..»، لأنَّ الهدف بشكله السلبي أمر غامض.

يوجد فرق كبير بين أن تقول: " أريد أن أكون مديراً "، وبين أن تقول: " لا أريد أن أبقى موظفاً بسيطاً ".

ويوجد فرق بين أن تقول: " أريد أن أصل إلى مستوى مالي كبير"، وبين قولك: " لا أريد أن أبقى مَديناً ".

وفرق بين القول: " أريد أن أتزوج من فلانة "، وبين قولك: " أود التخلص من العزوبية ".

وفرق بين القول: " أريد أن أكون مؤمناً حراً كريماً<، وبين القول: " أريد أن أتخلص من الذل والمهانة ".

وجوهر المسألة أنَّ العقل الباطن يستطيع أن يتحرك ويندفع لتحقيق شيء إيجابي، أما الشيء السلبي فلا يملك نفس الصلاحية ليكون هدفاً «بل هو من نتاج الأهداف الحقيقية»، فالسعي نحو مشروع تجاري ناجح هو هدف ايجابي، ومن نتائجه أن أقضي ديني، وأن لا أكون عالةً على أحد، والأخذ بأسباب الإيمان والتقدم هدف حقيقي.. ومن نتائجه التخلص من التخلف والتفرقة والاستعمار.

احذر من الألقاب السلبية: إنَّ الألقاب السلبية هي إحدى الصور القبيحة للتحامل، وهي حكم مسبق دون معرفة وافية، مثل: «غبي، مهمل، درويش، خرافي، بليد، خبيث،...».

ولذا أوجه نصيحة من القلب إلى المسلمين من الحركة السلفية، وخصوصاً السلفية في المملكة العربية السعودية، أن يبتعدوا عن قاموس السباب والشتائم والتخوين التي يتنادى بها بعض أئمة مساجدهم، هنا وهناك، وليرفعوا بدلاً عنه قاموس الرحمة والمحبة والأخوة والتعاضد التي نادى بها رسول الله ﷺ في المسلمين وغير المسلمين.

إنَّ علينا دوراً كبيراً، ونحن بجوار الحرمين الشريفين مكة والمدينة، أن لا تنزلق أخلاق دعاتنا إلى هذا المستنقع الآسن الذي يمجّه الدين والخلق والعقل، كما أنَّ علينا دوراً كبيراً ونحن نحتضن رابطة العالم الإسلامي أن نكون أمناء على سلوكنا وأن لا نكون بؤر فتنة طائفية أو مذهبية.

وعلينا - جميعاً - واجب خطير تجاه مصلحة الأمة والوطن؛ لكي لا تصل الأمور إلى أبعد من ذلك. وفق الله الجميع إلى كل خير وصلاح.

عوداً على بدء..

لا تُطلق على غيرك لقباً سلبياً. فكر قبل ذلك، فهل أنت مستعد أن يُطلق عليك مثل هذا اللقب؟!.

قد تستطيع أن تتعايش مع لقب إذا أطلق عليك.. ولكن الخطر الحقيقي: عندما تبدأ بتصديق ذلك اللقب، فإنَّ اللقب يشبه النموذج الذي تسعى إليه لا شعورياً «ما تراه تحصل عليه»، فمن يطلق على نفسه لقب الحكيم سيتجه إلى الحكمة شيئا ًفشيئاً، أما إذا قبل لقب المغفل فسيصدق عليه ذلك مع الوقت.

إذن تذكر.. أنك لست «لقبك».

وللحديث بقية إنشاء الله والحمد لله رب العالمين.