آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

حديث المغتربين: «الكتاب» رفيق الغربة

منتظر الشيخ احمد *

يقول الفيلسوف السويسري جان جاك روسو في كتابه ” الاعتراف ” وهو عمل في السيرة الذاتية: ” بدأت أشعر قبل أن أفكر، وهو قدر الإنسانية العام، وقد جربت ذلك من غيري. فقد كنت أجهل من أنا إلى حدود 5 أو 6 سنوات. ولا أعرف كيف تعلمت القراءة وأتذكر أن من تأثير مطالعاتي الأولى أنني بدأت أعي ذاتي منذ ذلك الوقت. إنّ أمي تركت مجموعة من الروايات وقد بدأنا، أنا وأبي نقرأها بعد الغداء”

عندما بدأ روسوا القراءة ابتدأ يعي ذاته، يفهم مشاعره، بعبارة أوضح يحرك عقله، فالقراءة غذاء العقل والروح، لهذا نجد كتاب الله يدعوا المؤمنين للتفكر والتدبر بقوله «إقرأ»، ويعلمهم بأن القراءة يجب أن تكون بتعميق الفكر لفهم حقيقة خلق الإنسان والنور الذي أودعه فيه فميزه عن باقي المخلوقات، فالإسلام مازال يحث على التفكر والتدبر حتى قال تفكر ساعة خير من عبادة سنة مستحبة.

فالكتاب والقراءة بالإضافة لكونها ضرورة إنسانية تساهم في التربية الذاتية للإنسان، كذلك هي رفيق وصديق في الغربة، يقول شوقي:

أنا  من  بدل  بالكتب iiالصحابا
صاحب  إن  عبته أو لم iiأتعب
كلما        أخلقته       iiجددني
صحبة   لم  أشك  منها  iiريبة



لم  أجد  لي  وافيا  إلا iiالكتابا
ليس  بالواجد  للصاحب  عابا
وكساني من حلى الفضل ثيابا
ووداد    لم    يكلفني    iiعتابا
و يقول أبو الطيب «و خير جليس في الزمان الكتاب».

فالقراءة تعتبر رياضة تحسن طريقة التفكير والكلام والكتابة، كذلك تكسب الإنسان ثقافة تجدد له الحياة عبر فهم واقعي اكبر، فالإنسان الخبير في تخصص معين، لاتغنيه خبرته وثقافته في «الكهرباء» مثلاً إلا في مجال ضيق في حياته وهي الحياة العملية التي يراد منها جني الأموال، فالإنسان يحتاج ايضا للثقافة العامة في شتى المجالات المعرفية والثقافية، كالأدب مثلاً لما فيه من عذوبة وصفاء ولذة في الكلام.

في إحدى محاضراته يقول أستاذي سماحة الشيخ علي هلال الصيود "بأن أفضل طريق لتحريك العقل وتغذيته هي في قراءة القرآن والتدبر في آياته"، لهذا كان سماحته يحرض الشباب المقبلين على سن التكليف الشرعي لضرورة أخذ دورات في التدبر في القرآن الكريم وفهم آياته الكريمة، كما أن المتأمل لسيرة مراجعنا العظام، يجد أنهم أول ما تعلموه هو القرآن الكريم، ففي سيرة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي «دام ظله» أنه كان يتعلم القراءة وهو في السن الثامنة من القرآن الحكيم، ويتعلم الكتابة من خلال كتابته للأحاديث الشريفة والأشعار النافعة.

و هنا أحيي الأستاذ حسن آل حمادة الذي كتب كتاب بعنوان «العلاج بالقراءة» والذي بين فيه أهمية القراءة ودورها في التنمية الفكرية، وركز في كتابه على ضرورة خلق مجتمع يهتم بالقراءة، كما أن الأستاذ آل حمادة لم يكتفي بكتابه هذا للترويج والتبشير لثقافة القراءة، بل إنه يمارس هذا في حياته العملية، فهو يروج لثقافة القراءة في كل محفل ومناسبة يكون له فرصة في ذلك، حتى صار اليوم أكبر رمزاً وصديقاً لتقافة القراءة والمطالعة في بلادنا، وأنا أستمتع كثيرا في قراءة كلماته الجميلة سواء في صفحته في الفيس بوك أو في مقالاته القيمة التي يحث فيها طلابه ومجتمعه على ممارسة القراءة.

يقول المرجع المدرسي «دام ظله»: ان العقبات التي تعترض طريق التفكير كثيرة، ومن أبرزها ظاهرة قلة المطالعة، والاطلاع على المعلومات والأخبار الجديدة والمطالعة قد بلغت في العصر الحديث درجة من الأهمية والضرورة بحيث اننا نستطيع ان نقول ان الذين لا يمارسونها في عصرنا الراهن عليهم أن لايعيشوا، وان يحسبوا أنفسهم في عداد الأموات.

فعصرنا هذا هو عصر العلم والمعلومات، والعلم لا يمكن ان يعرف إلا من خلال القراءة والمطالعة، ومن الأفضل للإنسان الذي لا يطالع ان يموت، أو إن يبتعد عن المجتمع ليعيش لوحده في صحراء من الصحاري، او غابة من الغابات.

و قد كان الكتاب لي خير رفيق وصديق ومعين في غربتي، لاسيما وأن المغترب في بداية الغربة يشعر فيها بألم فراق الأهل والأحبة، ويشعر بالحنين الشديد للوطن، ورغم أن هذا الشعور وهذا المرض يكون غالبا مزمن، إلا أن الكتاب يخفف معاناة الغربة، ويسلِّي النفس، لاسيما وإني قد انتخبت لنفسي بعض الكتب الجميلة التي تناسب الظرف والفترة، فغالبا ما يكون اختيار الكتاب المناسب دافع لقراءته وإنهاءه.

و لعل من محاسن الغربة أنها توفر أجواء القراءة المناسبة، كما أن الثقافة الغربية تبين لك أهمية القراءة والكتاب، بل إن مجرد النظر الى أعداد المكتبات العامة في مدينة فانكوفر الكندية تثبت لك مدى اهتمام هذه الدول في تثقيف شعوبها وحثهم على القراءة، وزيارة بسيطة لمكتبة فانكوفر العامة تبين لك بأنها «عامة» ويمكن للجميع أن يتبرع بالكتاب وسوف يوضع في رفوف المكتبة المكونة من سبعة طوابق وتضم عشرات الآلاف من الكتب لمختلف اللغات والثقافات والأديان.

و في ختام حديثي الرابع، أوصي نفسي وأخواني المغتربين ومجتمعي لضرورة تبني ثقافة القراءة، والترويج لها، والتشجيع لكسب مهاراتها، فخلق مجتمع يقرأ يعني خلق مجتمع واعي ومثقف يستطيع تجاوز مشكلاته بكل يسر.