آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

النضال في مجتمع متعصب

بدر شبيب الشبيب *

من أسوأ ما يمكن أن يكدر عيش الإنسان أن يعيش في مجتمع غارق في التعصب لا يرى إلا ذاته، وينظر إلى الآخر بازدراء واحتقار حتى إن كان هذا الآخر جامعا لصفات وخصال ومزايا وقدرات وقابليات تفوق المتعصب.

والتعصب - كما يرى بعض الباحثين - هو اتجاه نفسي لدى الفرد يجعله يدرك فرداً معيناً أو جماعة معينة أو موضوعاً معينا إدراكاً إيجابياً محباً أو سلبياً كارهاً دون أن يكون لذلك ما يبرره من المنطق أو الشواهد التجريبية.

وللتعصب أسبابه التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها التي تجعله سلوكا جمعيا مستساغا في مجتمع من المجتمعات، حتى ليبدو غير المتعصب شاذا عن قطيع المتعصبين الذين لا يطيقون سماع أحد يغرد خارج «سربهم» ذي النغمة النشاز الموحدة.

مدغار إيفرز «1925 - 1963» أحد السود الأمريكيين الذين ولدوا في بيئة صارخة التمييز والفصل العنصري. ولد في المسيسيبي حيث لا يجرؤ السود حتى على مجرد الحديث عن حقوقهم المدنية فضلا عن المطالبة بها من خلال نشاط حقوقي.

في طفولته كان يتلقى الدرس الأول من المتعصبين، فعندما يذهب ماشيا إلى مدرسته مع أبناء جلدته من السود كان الأطفال البيض يرشقونهم من حافلاتهم، ويقذفونهم بألفاظ نابية.

وعندما كان في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمره شهد حادثة مروعة لجارهم الأسود ذي الأربعين عاما، حيث كان إيفرز يلعب مع أطفال هذا الجار، إذ جاءته مجموعة من البيض وأوسعته ضربا حتى الموت بتهمة أنه تلفظ على امرأة بيضاء بوقاحة. ثم تركوه ملقى على الأرض، ولم يكتفوا بذلك بل علقوا ملابسه الملطخة بالدماء على سياج لمدة عام تقريبا في رسالة دموية لكل السود حتى لا يتجرأ منهم أحد على ارتكاب حماقة أخرى كما يرى أولئك المتعصبون.

والأنكى من ذلك أنه لم تحدث أية ردة فعل على هذه الجريمة البشعة؛ لم ينبس أحد من السود ببنت شفة، لم تذكر الأخبار شيئا عنها، لم تكن هناك أي احتجاجات. مرت الحادثة كأن شيئا لم يكن لأن أبطالها من البيض والضحية أسود.

إلا أن كل هذا الجو القاتم لم يفت في عضد إيفرز، فقد كان مصمما على أن لا ينحني لتلك الريح الصرصر العاتية. كان يمشي 12 ميلا للوصول إلى مدرسته الثانوية التي تخرج منها لاحقا ثم لينضم للجيش الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية ليقاتل من أجل أمريكا كما يقول. إلا أنه - وتعميقا للجرح - تم فصله من الخدمة عام 1946 بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وكأنها مكافأة له على مشاركته الفعالة في خدمة بلده وقت الشدة.

عاد إلى مسقط رأسه ليشهد العديد من وقائع التمييز العنصري البغيض. ففي إحدى الليالي وبينما كان والده يصارع الموت في قبو المستشفى حيث القسم المخصص للسود والذي كان في حالة يرثى لها من عدم النظافة، خرج إيفرز ليشهد أحد السود وقد أحضر إلى المستشفى إثر عراك حصل بينه وبين مجموعة من البيض الذين أطلقوا عليه رصاصة في الساق. الشرطة اقتادت الأسود بعنف للمستشفى وأمطرته بالشتائم، وتركت عصابة البيض المسلحين مطلقي الحرية دون مساس بهم.

هذه الحادثة وغيرها جعلته أكثر تصميما على المضي في طريق المطالبة بإلغاء التمييز العنصري ومنح السود حق المواطنة الكاملة.

وهكذا مضى في الطريق حتى النهاية، ودفع حياته ثمنا لتعبيد الدرب للمشاة بعده في السير باتجاه الحرية.

التفاصيل في المقال القادم إن شاء الله.