آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

أين العقل في السياسة العربية؟

الشيخ حسن الصفار *

إن من أبرز ملامح سيادة التعقل في حياة أي أمة أو مجتمع، التزام السلم، والنأي عن العنف، والتمحور حول المصالح المشتركة. فمع اعتماد الإدارة السلمية المرنة لحل الخلافات البينية بين مختلف الأطراف، والنأي عن استخدام العنف والشدة، إلى جانب التمحور حول المصالح المشتركة، فإن جميع ذلك يعني سيادة جو التعقل في الأمة. أما إذا سادت المجتمعات أجواء نقيضة لما سبق، فلا معني لذلك سوى غياب التعقل، والخضوع للأهواء والعصبيات، وفي المحصلة العيش في حالة جنونية. وبالنظر في آي الذكر الحكيم نجد بأن الآية الكريمة التالية حينما تتحدث عن اليهود والمنافقين فإنها تصفهم بهاتين الصفتين: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، أي أنهم يستخدمون شدتهم وقوتهم ضد بعضهم البعض، والصفة الثانية ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، أي أنهم بخلاف ما قد يظهر للآخرين، لا يجمعهم هدف معين، فكل يغني على ليلاه، بل تجدهم ممزقين تحت ضغط المصالح القبلية، أو الطائفية أو الفئوية، ناهيك عن الغياب التام لأي مصلحة عليا مشتركة فيما بينهم. وخلاصة الأمر، يصف ربنا المجتمعات التي تعتمد أسلوب الشدة والعنف الداخلي وتغيب مصالحها المشتركة بأنهم غير عقلاء ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ.

لقد بات من الواضح أن من أهم عوامل قوة وتقدم الأمم التزامها النهج السلمي الداخلي والتوافق حول المصالح العليا المشتركة. فقد وضع أولئك حداً لفصل النزاعات سلميا من خلال القانون، إلى جانب اقرار التداول السلمي للسلطة، وغيرها من الطرق التي تدار بها الخلافات السياسية، سواء كان ذلك في داخل الدولة الواحدة أو بين مختلف الدول. ولعل أبرز مثال على ذلك هو الدول الأوروبية التي لديها الكثير من الخلافات الحدودية والتاريخية والثقافية والمصلحية، ولكنهم تجاوزوا كل تلك الخلافات، لأنهم بلغوا مرحلة التعقل، ولذلك تجد بأسهم بينهم ليس شديدا، وإنما يشتد بأسهم على غيرهم في خارج الحدود، وتجدهم شديدي التمسك بمصالحهم العليا المشتركة. ولنا مثال آخر في الشعب الأمريكي الذي يربو سكانه على 280 مليون نسمة، فهؤلاء جميعا ليسوا متفقين في دياناتهم وأعراقهم وأحزابهم، ولكنهم متفقون جميعاً على المحافظة على مصالحهم المشتركة كأمريكيين. وبذلك يمكن القول أن هذه الأمم «قوم يعقلون» وفقاً للتعبير القرآني، في مجال علاقاتهم الداخلية، فإنهم يحكمون العقل.

في مقابل ذلك، إذا نظرنا إلى وضع أمتنا الإسلامية، فإننا نجد الصفتين اللتين ذكرهما الله لليهود والمنافقين في ذلك الزمن، تنطبقان تماماً على الأمة الاسلامية في هذا الزمن!، وبذلك ينطبق على أمتنا الآن اليوم في علاقاتها الداخلية بأنهم قوم لا يعقلون، أي مجانين بمعنى آخر!.

إن هناك علاقة طردية بين استشراء العنف الداخلي في أي أمة وضعفها أمام العدو الخارجي. فبقدر استخدام الشدة في العلاقات البينية في الداخل، تجد انعكاس ذلك في موقف الذلة تجاه الخارج. فالناس الذين يكونون أشداء على بعضهم البعض لا يمكن أن يكونوا أشداء على العدو، لأنهم استنزفوا قوتهم داخلياً، وانشغلوا ببعضهم البعض، وهذا ما نفهم من قول الله تعالى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، ومضمون ذلك أن القوم الذين يتسمون بالمرونة والتسامح واللين والتذلل لبعضهم البعض، يمكن أن ينالوا العزة على الكافرين، أما إذا استنفذوا قوتهم داخليا بالنيل من بعضهم البعض، فإن قواهم تخور وتستنزف، فيكونون عرضة للإذلال على يد الأعداء، وهذا بالضبط ما تعيشه اليوم الأمة العربية والإسلامية مع الأسف الشديد. فما نجده اليوم داخل الأمة هو تفشي العنف بين الحكومات والفئات المعارضة من جهة، وبين الدول الإسلامية نفسها، والطوائف فيما بينها على الجهة الأخرى، فهل ثمة جنون وتغييب للعقل أكثر من هذا؟

ولعل أبرز حالات غياب العقل في الأمة هو ما نجده من اقتتال دموي عنيف بين فئات وطوائف الشعوب الاسلامية الخاضعة للاحتلال الأجنبي. فمع ما يفعله الغزاة الامريكان في افغانستان من احتلال وقتل وتدنيس للقرآن الكريم، لا نلبث أن نرى سقوط العشرات من المحتجين الأفغان ضحايا لاقتتال فيما بينهم، فهل من العقل أن نقتتل فيما بيننا ردا على حرق العدو كتابنا المقدس؟

وعلى غرار ذلك ما حدث بين العراقيين أبان مرحلة الغزو الامريكي، فقد اقتتلوا فيما بينهم حتى قتلوا من بني جلدتهم مقتلة عظيمة لا يبلغ مقدار ما قتلوا من الجيوش الغازية عشر معشارها. أفلا ينطبق على من يقومون بهذا الفعل «بأنهم لا يعقلون».

لقد أصبحت العلاقات الداخلية في الأمة تدار بالعواطف، والانفعالات، والعصبيات، بدلاً من العقل. وهذا أقرب مصداق لقول الله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ. ولعل الناظر لواقع الساحة الإسلامية اليوم يرى بوضوح، كيف يعربد الكيان الاسرائيلي الغاصب، يفتك بالفلسطينيين ويعيث في الأرض الفساد، وقد كان قطاع غزة في الأسبوع المنصرم ميدانا لهجمات الصهاينة وطائراتهم، حتى سقط خلال خمسة أيام أكثر من 25 شهيد، بينهم قادة في المقاومة الشعبية، وأكثر من سبعين مصاباً وجريحاً، وتهديم عشرات من البيوت. فالحصار مستمر على قطاع غزة، حتى الكهرباء بالكاد تصلهم مدة ست ساعات يومياً، هي أقصى ما يمكن أن تنتجه محطة الكهرباء الوحيدة عندهم، علماً بأن الوقود اللازم لتشغيلها على وشك النفاذ إذا لم يتدارك الأمر وتقوم مصر، وهي الدولة العربية المسلمة، بتزويد الفلسطينيين بالوقود!.

إن المستفيد الأكبر من انشغال العرب ببعضهم البعض اليوم هي إسرائيل. فهي ماضية في مشاريع الاستيطان وتهويد القدس، ولقد بنت لحد الآن في أراضي جبل أبو غنيم جنوب القدس أكثر من ثلاثة آلاف وحدة سكنية، من أصل أربعة آلاف وحدة يعتزمون إنشاءها، فيما يبلغ المشروع الأساس سبعة آلاف وحدة سكنية معتمدة للبناء على أراضي الفلسطينيين، والمعدة لإسكان اليهود القادمين من دول أخرى.

أضف إلى ذلك، ما قامت به إسرائيل في الآونة الأخيرة من سحب لبطاقات الهوية الخاصة بالفلسطينيين المقدسيين، حتى وصل عدد الهويات المسحوبة أكثر من 14000 بطاقة، وذلك تمهيدا لإبعادهم عن القدس واحلال اليهود محلهم!، ناهيك عن وجود مائة ألف مقدسي مهددين بالطرد والابعاد من القدس، وقد هدمت إسرائيل لحد الآن 3800 منزل في القدس وهي لا تزال مستمرة في جريمتها.

فأين الجامعة العربية؟ وأين مجلس التعاون الخليجي؟ الذين يتصرفون وكأن أمر فلسطين لا يعنيهم، فيما تجدهم مشغولين حتى النخاع بإيران، والأوضاع في سورية، والخلافات الداخلية فيما بينهم، فهل يمت هذا التصرف للعقل بصلة؟ فها نحن نستخدم بأسنا الشديد فيما بيننا، ونسكت عن العدو المحتل، حتى بلغ الحال ببعض الحمقى والمغفلين أن يكتب بكل وقاحة أن إيران هي الأخطر على العرب والخليج من إسرائيل!. إيران بلد مسلم، والاختلاف السياسي بين الحكومات في مد وجزر، فمرة يتفقون وأخرى يختلفون، ولكن أن تكون إيران أخطر من إسرائيل؟ فأي عقل هذا؟

لقد كانت مفارقة عجيبة أن تتداول الجامعة العربية أو بعض دولها بشأن تسليح المعارضة السورية، فيما يلفها الصمت ازاء الانتهاكات الصهيونية. ولنا أن نتساءل اليوم لماذا لا تتجه الجامعة العربية وهذه الدول لتسليح المقاومة الفلسطينية في وجه العدو الصهيوني؟! والأشد غرابة أنه في حين يجري الحديث عن تسليح العرب ضد بعضهم، يقوم العرب أنفسهم بسد كل المنافذ الممكنة، حتى الأنفاق منها تحت الأرض، منعاً لإيصال المساعدات والسلاح لإخوانهم الفلسطينيين في قطاع غزة!. فعرب اليوم لا يمتنعون فقط عن تزويد الفلسطينيين المقاومين للاحتلال بالسلاح، بل تجتهد الحكومة المصرية في سد الأنفاق وبناء حاجز فولاذي تحت الأرض اقامته سلطة مبارك البائدة، هذه الحالة التي تعيشها الأمة اليوم حالة جنونية خاضعة لسيطرة الأهواء.

ومن مظاهر غياب العقل أن تقام في العديد من المساجد في بلادنا أدعية القنوت وعوضاً عن أن توجه سهامها للمحتلين الصهاينة فإنها تخصص للدعاء على أتباع المذاهب الإسلامية الذين يصفونهم بالمبتدعة والرافضة!. فهؤلاء يسكتون عن المحتلين لبيت المقدس والفاتكين بالشعب الفلسطيني، فيما يتوجهون بالدعاء على إخوانهم في الدين!. هذا قنوت يشيع روح التعصب الطائفي ويثير الناس على بعضهم البعض، وهي حالة أبعد ما تكون عن العقلانية. إن الاختلاف السياسي بين الافرقاء السياسيين أمر مفهوم، أما أن ينسحب الأمر إلى التعبئة الطائفية، واثارة الكراهية، وصناعة الأضغان والإحن في النفوس، وتهييج الناس على بعضهم بعضا، فهذا هو الجنون بعينه.

هناك ثمة مصالح مشتركة عند كل شعب ومجتمع وأمة، يجب أن يتمحور الجميع حولها. ولعل ما يسلينا ويعزز الأمل في نفوسنا أن هناك وعياً متنامياً في صفوف أبناء الأمة وهناك مقاومون واعون وإن كانوا قلة لكنهم هم المنتصرون إن شاء الله.

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»