آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

سلبية المرجعية الدينية

سلمان محمد العيد

خلال فترات من التاريخ الحديث للشيعة في السعودية برزت على السطح حالات من الصراع بين فئات المجتمع، أساسه الاختلاف في المدارس الفكرية، التي أفرزها اختيار المرجعيات الدينية.

فمن المعروف أن المسلم الشيعي وبعد أن اعتقد بأصول الدين عن دليل وبرهان لابد له من ثلاثة خيارات لأخذ الأحكام في الفروع وتطبيقاتها، أما أن يكون مجتهدًا قادرًا على استنباط الأحكام من الأدلة كالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة... الخ، أو يكون مقلدًا يعمل على رأي من هو أعلم منه، أو يكون محتاطًا لدينه، ففي حال اختلف العلماء حول مسألة دارت بين الحرمة والإباحة فإنه يحتاط بالترك.. ويورد العلماء بحث احكام التقليد بأن على المسلم الشيعي إذا لم يكن مجتهدًا، ولا محتاطًا أن يقلد مجتهدًا ويعمل وفق فتاواه وآرائه.

ووفق هذا التقسيم، ولأن غالبية الناس ليسوا متخصصين في المسائل الشرعية، فهم - بذلك - اتباع لمن هم متخصصون ويملكون القدرة على الاستنباط واستصدار الحكم الشرعي، لذلك فمن يجد في نفسه القدرة على الاجتهاد وأجازة من هو أعلم منه بذلك فإنه يقدم نفسه لأن يكون مرجعًا أي يرجع إليه من هم أقل منه علمًا ويتبعون فتاواه.

بهذه الصورة، نجد ان الشيعة في وضع متقدم على صعيد حرية الرأي وحرية الاختيار، فكل عالم مجتهد جامع للشرائط يقدم مالديه ويعرض نفسه أمام الناس، وهم يقررون من يختارون، ذلك أشبه بالانتخابات التي تجري في الدول الديمقراطية المتقدمة، فكل شخص يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، أو لعضوية مجلس النواب «البرلمان»، أو لأي منصب سيادي فما عليه الا أن يقدم برنامجه للناس وهم يختارون الصالح والأصلح لهم.

وحين يتم الحديث عن الاشتراطات اللازم توافرها فيمن يقدم نفسه لمنصب المرجعية، حدد علماء الشيعة، بناء على روايات أصيلة عن النبي ﷺ وآله الطاهرين عددًا من الشروط لذلك وهي: الرجولة، البلوغ، العقل، طهارة المولد، الحرية، الحياة، العدالة، بالاضافة إلى الأعلمية.. ولم يشترطوا فيه أن يكون عربيًا، أو مولودًا في مكة المكرمة، أو نشأ في عائلة قرية معروفة، ولم يتطرقوا إلى أن من شروط المرجع ان يكون مقيمًا في مكان ما، أو درس على يد العالم الفلاني، كما لا تتحدث الشروط ان يكون قد تخرج من الحوزة التي في قم أو النجف.

وفي هذا المجال هناك شبه اتفاق أيضًا لدى الشيعة الإمامية أن الأولوية في التقليد هي لمن هو "أعلم"، فالأعلم له الأفضلية في ان يكون بموقع الصدارة بين المراجع، وأن يحظى بالإتباع.

يفترض وفق هذه الصيغة ان المسألة واضحة، ولا لبس فيها، ولا تحتمل تفسيرات إضافية، ولا تنطوي على حالة صراعية أو تنافسية، ولا يمكن أن يتصور أن التقليد أو أتباع أحد مراجع الدين بهذه الصورة الرائعة من الحرية إذ يترك للمكلف حرية اختيار العالم أو المرجع الذي يعود إليه ويأخذ عنه أحكامه وتكاليفه الشرعية، وفي هذه الحالة نفترض أن المرجعية الدينية الشيعية هي مصدر وحدة وليست مصدر تفريق أو خلاف، هذا فضلاً عن أن الطريقة الشيعية في إيصال الأحكام للناس طريقة تعكس حيوية الإسلام الذي جعله الله خاتم الأديان، ولكل العصور والأجيال، ففي كل وقت، وفي كل زمن لا بد من هناك من عالم أو علماء يحدثون التجديد في الدين، «التجديد وليس الابتداع!»، فالأزمان مختلفة، والأجيال متباينة، والدين ثابت، وهو يحمل في طياته الحيوية اللازمة للتعاطي مع مختلف الأجيال وحتى تتحقق هذه الحيوية لابد لها من علماء متخصصين وعلى مستوى عميق من التخصص، ومستوى أعلى من الانفتاح على معطيات وتطورات العصر.

هذا ما أراده أئمة أهل البيت من إقرار مبدأ التقليد والمرجعية، لكن كيف صارت هذه النظرية وبهذه الصيغة إلى مصدر إشكالية، ومصدر صراع في الوسط الشيعي، في السعودية على وجه التحديد؟

أولاً: هناك شرط من شروط المرجعية وهو "الحياة"، بمعنى لابد أن يكون المرجع على قيد الحياة، إذ لا معنى لاتباع شخص توقف عن العطاء. هنا برزت فئة ترى أن هذا الشرط لا معنى له، فهو مرفوض، تحت مبررات مختلفة، لذا نشأت جملة من الصراعات على هذا الصعيد، وحول مسألة تقليد الميت، ورغم أن المسألة لا تعدو اجتهادًا، أو قل خيارًا ضمن حرية الرأي والاختيار، إلاّ أن هذه المسألة لا تزال تشكل مفردة من مفردات الصراع في الفضاء الشيعي، خاصة وأن فئة من الشيعة يطلق عليها "الأخبارية" ترى تقليد الميت، في حين أن الفئة الأخرى "الأصولية" لا تقليد الميت ابتداء وأ، ما ترى جواز البقاء على تقليد الميت، وإتباع المرجع الحي في المسائل المستحدثة. وبعيدًا عن تفاصيل الخلاف الأصولي، الأخباري، فإن مسألة تقليد الميت قصة طويلة عريضة من العراك الداخلي بين الشيعة في السعودية، ما أن تخمد لفترة حتى تعود مرة أخرى، وتشغل بال المجتمع الشيعي بقضية، من المفترض أن مكانها بين العلماء وليس بين العوام.

ثانيًا: هناك أيضًا شرط أساسي لمن يقدم نفسه لمنصب المرجعية وهي "الأعلمية"، ويذكر الفقهاء مسألة صريحة وهي: "يجب تقليد الأعلم"، وكل مرجع يزعم لنفسه هذا الموقع، ولم تحسم مسألة الأعلمية، لذلك لا يوجد من يطلق عليه مرجع الطائفة في الوقت الحاضر. والى هذا المستوى من الحوار والتحليل يبقى الأمر في إطار سليم، فالناس تتبع من تراه "اعلم" من غيره، وكل المراجع علماء ولهم آراؤهم وفتاواهم، لكن الذي حصل أن صفة "الأعلمية" غير الواضحة، وغير المحسومة، وغير المحددة، باتت سلاحًا يشهره البعض على الآخر، وليت الأمر توقف على أن جماعة من المقلدين اختلفوا مع بعضهم حول أحقية مراجعهم وأفضليتهم، وهذا يحدث بشكل يومي بين الشيعة، لكن الذي حدث أن بعض المراجع الكبار نالوا ممن هم خارج إطارهم، وشككوا في اجتهادهم ومستوى تعليمهم الديني. وقد استغله صغار القوم فصاروا يأخذون بنظرية مراجعهم فتحاملوا بدورهم على أولئك المراجع. وانتقلت القصة بقدرة قادر إلى الفئات الأقل مستوى، بل إلى الفئات البعيدة كل البعد عن المسألة الدينية وتفاصيلها.

إن موضوع العلمية والأعلمية، بات طريقة لنيل بعض الشيعة من بعضهم، وشهدت الساحة خلال العقدين الماضيين ما يشبه الحرب في هذا المجال، وصلت إلى حد أن بعض النساء تم تطليقهن من ازواجهن لكونهن يقلدن مرجعًا، تراه فئة أخرى غير مجتهد وغير عالم. هذا عدا الحوارات الساخنة والنقاشات الطويلة تحت هذا الإطار.

ثالثًا: إذا كان العلماء يختلفون في طرائقهم الحياتية اليومية، كأن يكون مرجعًا يتبنى طرحًا ثقافيًا، أو طرحًا مغايرًا للنمط التقليدي، فهذا أمر خلافي جرى منذ زمن طويل، لكن هذا الاختلاف اتسعت شقته حينما انتصرت الثورة الإسلامية في إيران، إذ دخلت المرجعية المعترك السياسي من بوابة الحكم المباشر واستلام السلطة، فضلاً عن تبنيها منهج الثورة ومقاومة الحكومات قبل فترة الحكم، هنا بدأت موجة أخرى من الخلافات بين الشيعة، رغم أن المرجعية الدينية تتحقق حتى لو تخلت عن الجانب السياسي، بل ان اغلب مراجع الشيعة في هذا العصر، تحديدًا قبل ثورة إيران لا شأن لهم بالسياسة بشكل مباشر، الا في فترات معينة كانوا يتدخلون بشكل جماعي لانقاد وضع عام يهم الأمة بالكامل، كما حدث في ثورة التنباك في إيران، وثورة العشرين في العراق، حيث كان المراجع في مقدمة المتصدين للاستعمار.

إن الذي حصل إن ثمه صراعًا اجتماعيًا كان قائمًا في الوسط الشيعي، بين مدرسة النجف الأشرف، وبين مدرسة كربلاء المقدسة، استمر هذا الصراع طويلاً، رغم سطوة نظام حكم صدام حسين الذي طال المدرستين، انصارهما ظلا يتصارعان حتى في المهجر، وحينما دخلت المدرسة الثالثة وهي مدرسة إيران فإن ثمة خلافًا ظهر على الساحة فكل مدرسة تزعم لنفسها الأفضلية.. علمًا أن الخلاف بين المدارس أحدث منافسة جميلة خدمت الشيعة في اكثر من موقع، وساهمت في نشر مبادئ الشيعة وأفكارهم، لكن حالة المنافسة حينما تنتقل إلى صغار القوم لم يكن هناك مجال الا استقبال بعض سلبياتها، والتي برزت على شكل صراعات وحملات ترويجية ومنافسة غير شريفة أحيانًا.

والنقطة المحورية في هذا الشأن أن شيعة السعودية صاروا صدى لتلك الصراعات، دون أن يدركوا خلفياتها، ولا أبعادها، فضلاً عن أن ساحتهم لا تحظى باهتمام لدى الاطراف الخارجية المتصارعة بمن فيهم المراجع انفسهم، مع ذلك نجد أن الشيعة السعوديين يتصارعون بالنيابة عن غيرهم، وما يؤسف له حقًا أن بعض زعامات الشيعة هنا لا يمتلكون حتى جرأة الحكم في هلال شهر رمضان المبارك دون الرجوع إلى العراق وإيران، رغم أن موقعهم الديني يسمح لهم بذلك، بموجب وكالات شرعية من مراجع الدين أنفسهم.

إننا لو تطرقنا إلى مسألة هامة وهي أن التقليد واضح في مسألته أو في مسائله، وكما سبق القول هو الرجوع إلى شخص العالم في مسائل الدين والأحكام الشرعية، لكن أي مرجع تتبع وأي مرجع تراه أفضل، هنا نلعب عوامل آخرى، بعيدة عن الاشتراطات سابقة الذكر، التي تجعل هذا الشخص مجتهدًا مؤهلاً للمرجعية، وغيره ليس مؤهلاً لذلك. هذه العوامل بعضها وراثية، فالعائلة قلدت هذا المرجع، فعلينا جميعًا تقليده، وبعضها ثقافية فالمرجع الفلاني يحمل طرحًا تنويريًا ويقدم للساحة مؤلفات ومحاضرات في شتى مجالات الدين والشرع، وبعضها سياسية فالمرجع يزاول السياسة فالمقلدون لابد وان يكونوا - بالضرورة - سياسيين.. فالخلاف - بموجب هذا الطرح - ليس في الآلية والطريقة المتبعة في التقليد، فالكل - كما يبدو - يطبق تلك الطريقة بشكل صحيح، بينما الخلاف بات شيئًا آخر، واقحمت مسألة التقليد والمرجعية فيه فما نراه أن الشيعة زادوا شروطًا جديدة على المرجع، كأن يكون مواليًا لدولة ما وإلا فلا يستحق ان يكون مرجعًا، أو يكون درس لدى أحد المراجع بعينهم دون غيرهم، فهذا هو طريق المرجعية دون غيره. أو يكون ذا موقف سياسي واضح من قضية معينة والا فإن مرجعيته تعاني بعض النقص، أو ربما افتقدت المصداقية.

ولعلنا نشير في هذا الصدد إلى أن الصراعات التي شهدتها الساحة الشيعية في السعودية، تتحمل المرجعية في قم المقدسة والنجف الأشرف جزءًا من المسؤولية ليس في اطلاقها بالضرورة ولكن في عدم التوجيه بحلها واختيار الطريق السليم للتعاطي معها من أجل الحفاظ على ايجابية العلاقة بين المراجع ومقلديهم.

إن هذه العلاقة القائمة بين الشيعة في السعودية ومراجع التقليد، وجميعهم خارج المملكة، باتت مصدر إشكالية تؤخذ على الشيعة، من جهة الارتباط ببعض الجهات الأجنبية وتنفيذ مخططاتها.

كل ذلك يحتم على الشيعة في السعودية بأن يعيدو النظر في العلاقة مع المرجعية الدينية في كل من النجف الأشرف وقم المقدسة، بأن تقصر المسألة على المسائل الفقهية والشرعية، وفيما عدا ذلك نحتاج إلى مزيد من التوقف.