آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

لقطة عن شاعر «2»

فائق حبيب المرهون *

لم يكن عبدالوهاب البياتي «1926 - 1999» مجرد شاعر عادي، بل مجموعة شعراء في رجل واحد، فقد كان شعره يحمل عدة قضايا، فخروجه إلى العالم الأرحب قضية، كما إن تغربه عن وطنه العراق، وموته بعيدا عنه قضية أخرى.

من الأكيد إن شاعرنا البياتي، هو أحد أعمدة الشعر العربي التجديدي الحديث، الذي خرج عن نطاق الأبيات العمودية، ولكنه بقي محافظا على التفعيلة، وعلى سلامة الوزن والإيقاع.

فهو أحد أركان المدرسة الرباعية، التي خرجت من العراق في أواسط القرن العشرين المنصرم، والتي تتكون منه ومن بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري، والتي تمسكت بأصالة الشعر العربي من جهة، وخرجت به إلى آفاق أوسع من جهة أخرى، ومن بديهيات القول إن كل واحد من هؤلاء كون له مدرسة مستقلة فيما بعد.

خاض البياتي في التدريس بما أنه خريج آداب اللغة العربية من دار المعلمين ببغداد عام 1950، وفي تلك السنة أيضا صدر ديوانه الأول «ملائكة وشياطين»، ثم عمل بالصحافة والتحرير، كما أنه انغمس بالسياسة مبكرا، نتيجة عمله مستشارا ثقافيا للسفارة العراقية بموسكو، وقد دفع ثمنا باهظا لمواقفه السياسية أكثر من مرة، فقد فصل من وظيفته مرة، وأسقط عنه صدام حسين الجنسية، بسبب مشاركته في مهرجان الجنادرية بالرياض عام 1995.

و قال حينها تأثرا:

من يملك الوطن
القاتل المأجور والسجان يا سيدتي
أم رجل المطر؟
نازك والسياب والجواهري
أم سارق الرغيف والدواء والوطن؟

عاش شاعرنا في روسيا وأسبانيا، كما في بيروت ودمشق التي فيها توفي، وذلك أعطاه فرصة التعرف على ثقافات عالمية، لاشك أنه تأثر بها، بل وأقام صداقات مع شعراء ونقاد عالميين مثل ناظم حكمت ونيرودا.

غرق البياتي في ثنائية الحب والموت منذ بداية أعماله الشعرية، «كأبارق مهشمة، وسفر الفقر والثورة»، كما إنه تحول وتعمق في ثنائية الحزن والمنفى، كما في دواوين «كنت أشكو إلى الحجر، أشعار في المنفى، الموت في الحياة».

و بما إن لكل شاعر سعاد خاصة به، التي هي رمزية لها كينونتها في إحساس شاعرها، فالبياتي كانت ملهمته «عائشة»، فالظلم والطغيان والمرارة التي عاشها منفيا، زادت من حالات الإحتراق في معراج الكتابة لديه، فجعل من عائشة ليس رمزا عاطفيا فحسب، بل توغل بها في أبعاد النفس والتطلعات الإنسانية للثورة والتحرر.

فيقول عنها في أحد شعاره:

عائشة ليست هنا، ليس هنا أحد
فزورق الأبد
قضى غدا وعاد بعد غد
عائشة ليس لها مكان
فهي مع الزمان، في المكان
ضائعة كالريح في العراء
و نجمة الصباح في المساء.

قدم شاعرنا زهاء عشرون ديوانا، وبضعة كتب نثرية وترجمات مختلفة، وضع فيها تجربته الطويلة، وخلاصة ثقافاته المتعددة، وسبغ عليها رؤيته وفكره، وعن ذلك يقول " لقد كان شعري وسيلتي وغايتي... وأخلصت للشعر لا على إنه رسالة إنسانية فقط، بل على إنه فن صعب أيضا ".

حتما إن أي شاعر يحلم بانتشار شعره، خارج النطاق المحلي والعربي، وبالطبع - ذلك يحتاج لأدوات وقدرات خاصة، وتوفر ظروف موضوعية تتزامن معها، ولا نعني هنا التغريب والتقليد، بل الإطلاع وإعادة الصياغة، والمزج بين مفهوم الشاعر المحلي ومفهومه العالمي، مع المحافظة على أسس القصيدة، وذائقة المتلقي العربي، وإلا أصبح هذا الشعر خاليا من العاطفة الصادقة، ومات غريبا عن قراءه، كما حصل لشعراء آخرين!

و البياتي كان قادرا على هذا المزج والترابط، فقد تعمق في الفلسفة والتصوف لقراءاته لابن عربي وجلال الدين الرومي، كما أنه تأثر بطاغور، فيلسوف الهند وشاعرها الكبير، فيقول في قصيدة «سأنصب لك خيمة في الحدائق الطاغورية»:

غزالة تأتي من البحر
و زهرة تطلع من صدري
و ساحر يحمل في كفه
صاعقة الميلاد والموت
و خلف سور الليل صفصافة
يغسل عينيها ندى الفجر
تنشر في الليل مناديلها
و تغمس الأوراق في النهر.

و إذا كان البياتي برع في تنوع الموضوع بشعره، من وحي تجربته الثورية والمعرفية العميقة، وإيغاله في مخالفة أنظمة بلاده الإستبدادية، فهو أيضا عاش تجاربه الذاتية العميقة في الحب، الذي كان له مفهومه الخاص فيه " بحيث يحول الأسطورة إلى واقع، والواقع إلى أسطورة، وهي جهات الشاعر الحقيقية حسب ما يرى ".

يقول في مقطوعة «الوحدة» من مجموعة قصائد من فيينا:

كقطرة المطر
كنت وحيدا
آه ياحبيبتي، كقطرة المطر
لا تحزني
سأشتري غدا لك القمر
و نجمة الضحى
و بستانا من الزهر
غدا إذا عدت من السفر
غدا إذا أورق في ضلوعي الحجر.

ليس بالهين الحديث عن شاعر عميق وكبير كالبياتي، فتجربته الثرية حملت العالم في كفيها، ولا يمكن لمقال متواضع كهذا، أن يفي به حقه أبدا، فرسائل الماجستير والدكتوراه كتبت عنه كثيرا، والدراسات العربية والأوروبية عن شعره ليست باليسيرة، ولكنها مجرد محاولة قاصرة، تستهدف جيل قد لا يعلم عنه الكثير.

لعلي أيضا أرشح بعضا من قصائد الشاعر الكبير، التي تأخذ مجالا في الذائقة الأدبية والنفسية لكل متطلع منها:

- قمر شيراز
- الرحيل إلى مدن العشق
- المعبودة
- العودة من بابل
- أغنية إلى ولدي علي
- قصائد حب إلى عشتار

و إلى لقاء مع شاعر آخر، دمتم بخير أيها الأحبة.

معلم
القطيف / أم الحمام