آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

جهود الدول والمجامع اللغوية والباحثين في ضبط القواعد الإملائية

شكلت قضية الإملاء هاجسًا لدى الدول والمجامع اللغوية والباحثين، وسيطرت على أبحاثهم وندواتهم؛ وذلك نتيجة لتفكيرهم في ضبط قواعد الإملاء المشتتة بين بلدانهم، والتي عانى منها أبناؤهم بشكل واضح، مما استدعى تدخل الدول والمجامع اللغوية وجملة من الباحثين، وقد عقدت جامعة الدولة العربية متمثلة في اللجنة الثقافية عدة اجتماعات لمناقشة قضايا الإملاء والصعوبات التي تواجه المعلم والمتعلم. وقد تتبعتُ أبرز الجهود التي قدمتها الدول والمجامع اللغوية والباحثون في عدة مراجع من أهمها: كتاب المعجم المفصل لـ «ناصف يمين»، وكتاب دليل توحيد ضوابط الرسم الإملائي للكتابة العربية تأليف مجموعة من الأساتذة من المملكة العربية السعودية، وبحث للدكتور يحيى مير علم بعنوان «قواعد الإملاء في ضوء جهود المحدثين»، حيث جمعتها ونسقتها في هذا الموضوع مع تعليقي على بعضها، وشرح بعض فقراتها، وقد توخيت الاختصار ما أمكن، وكان ثمرته كالآتي:

أ‌ - مجمع اللغة العربية بالقاهرة: سيطرت قضية الإملاء على مجمل جلسات المجمع المتمثلة بلجنة الإملاء منذ عام 1945م إلى 1970م وقد صدرت عنه عدة قرارات واقتراحات كان من أبرزها:

1 - الدعوة الصادقة في تصوير الحروف لتسهيل الكتابة والقراءة.

2 - التجديد والتيسير في رسم الحروف لتسهيل الكتابة على المبتدئين.

3 - إعادة الألفات المحذوفة وسطًا في مثل «هذا - لكن» ما عدا «الله - إله» وحذف الواو الزائدة وسطًا وطرفًا في مثل «عَمْرو - أولئك» تحقيقًا للمطابقة بين المنطوق والمكتوب.

4 - رسم الهمزة في بداية الكلمة على ألف مطلقًا.

5 - الفصل في كل كلمتين متصلتين لأنه الأصل والقياس ماعدا «ال التعريف».

6 - اعتبر المجمع الهمزة المتطرفة التي تلحق بها الضمائر أو علامة التثنية أو الجمع أو ألف النصب همزة متوسطة حقيقية كي يقطع الطريق على من اعتبرها متوسطة توسط عارض فيحتمل فيها أوجه إملائية ومثل «يقرؤون»؛ حيث يكتبها بعضهم هكذا «يقرأون» على اعتبار توسطها توسط عارض.

7 - رفض المجمع قرار لجنة المعجم الكبير بوضع حرف خاص بالهمزة يكون على صورة واحدة كغيرها من الحروف.

8 - رأت لجنة الإملاء أن يكتب كل ما ينطق مثل «طاووس - داوود - لاكن - هاكذا - اللذين»، وإن كل ما لا ينطق لا يُكتب مثل «عَمْرو - كتبوا»، حيث تصبح «عَمْر - كتبو».

9 - رأت اللجنة أن ترسم الألف المقصورة على صورة ألف قائمة «ا» مطلقًا في الأسماء والأفعال والحروف سواءً كانت ثالثة أو غير ثالثة مثل «لولا - الدُجا - فتا - مصطفا»، وقد أيدت لجنة الأصول بالمجمع هذا الاقتراح، وقال صاحب المعجم المفصل إن هذا الرأي هو رأي الفارسي ومن تابعه ممن يقول بأنه القياس مثل الرضي في شرح الشافية، وأنا لم أقف على هذا القول عند الرضي.

10 - رأت اللجنة كتابة ألف التنوين في مثل «سماءًا» ورفض المجمع هذا الاقتراح.

11 - وافق المجمع على فصل الأعداد من «3» إلى «9» عند إضافتها إلى مئة.

ب‌ - مجمع اللغة العربية بدمشق: لم يكن مجمع اللغة بدمشق بمنأى عن هذه المشكلة فكان من أبرز جهوده أنه أصدر كتابًا بعنوان «قواعد الإملاء» ضمن مطبوعاته سنة 1425هـ في «39» صفحة، ذكروا في المقدمة أسباب وضعهم لهذا الكتاب؛ حيث قالوا إن ذلك بسبب كثرة وتعدد طرق الكتابة وعدم وجود قواعد إملائية إملائية متفق عليها، وإن من أبرز جهود المجمع أنه أقام مؤتمره السنوي السابع عام 2008م تحت عنوان «التجديد اللغوي» بحضور رؤساء مجامع اللغة في البلدان العربية وجملة من الباحثين وأوصى المؤتمر بالآتي:

1 - الحرص على اطراد القاعدة الإملائية وتجنب الآراء الشاذة والمحافظة على صورة الرسم المألوفة وصلاً للحاضر بالماضي، وهو بهذه التوصية يعود بنا إلى مخالفة المنطوق للمكتوب مثل «هذا - ذلك».

2 - ضرورة توحيد القواعد الإملائية منعًا للاضطراب الذي يحدث في الكتابة بين الدول العربية.

ج - مجمع اللغة العربية بالعراق: وكانت له جهود في محاولة منه لضبط قواعد الإملاء وأبرز آرائه:

1 - طالب برسم الهمزة المتطرفة مفردة على السطر «ء» مطلقًا أيًا كان ما قبلها طلبًا للتيسير على المتعلم في معرفة حركة الحرف الذي قبلها وفقًا لما هو معمول به الآن.

2 - اعتبر الهمزة المتطرفة التي مع الضمير متوسطة.

د - المؤتمر الثقافي لجامعة الدول العربية: عقد المؤتمر جلسته 1948م وخرجت بتوصيات:

1 - أهمية تحقيق التطابق بين المنطوق والمكتوب ويُستثنى من ذلك الإدغام والتنوين وال التعريف.

2 - رسم الهمزة في أول الكلمة على ألف مطلقًا والمتوسطة على حرف من جنس حركتها.

3 - الفصل بين الكلمتين ماعدا «ال التعريف».

4 - كتابة «إذن» ونون التوكيد الخفيفة بالنون.

هـ - أساتذة اللغة العربية في معهد دار المعلمين العالية ببغداد: وكانت لهم ملاحظات على مشروع وقرارات لجنة الإملاء باللجنة الثقافية في المؤتمر الثقافي العربي الأول بجامعة الدول العربية منها:

1 - استثناء كلمة «عَمْرو» من حذف الواو.

2 - كتابة الشدة في الأسماء الموصولة مثل «الّذين» دليلاً على الإدغام.

3 - رسم الكلمات موصولة مع «ما».

4 - أيدوا رسم ألف التنوين في مثل «سماءًا».

و - ندوة مناهج اللغة العربية في التعليم قبل الجامعي بالرياض: عُقدت الندوة في جامعة الإمام محمد سعود الإسلامية 1405هـ وتضمنت موضوعين الأول قواعد الإملاء ورسم الكلمات والخطة المقترحة لتدريس تلك القواعد، والثاني أخطاء التلاميذ في الإملاء أسبابها وعلاجها، وأوصت الندوة بالآتي:

1 - ضرورة توحيد قواعد الإملاء بين البلدان العربية.

2 - ضرورة إعجام الياء في آخر الكلمة مثل «كرسي» تحقيقًا للمطابقة بين المنطوق والمكتوب خلافًا لما هو شائع عند المصريين من عدم الإعجام هكذا «كرسى»، وكذلك أوصت بإثبات ألف ياء النداء «يا» أيًا كان نوع المنادى بعدها خلافًا لما هو مرسوم في المصحف.

ر - تجربة دول مجلس التعاون الخليجي: فقد رأت دول الخليج تأثر أبنائها بالمعلمين القادمين من الدول العربية الأخرى وما يحملونه من قواعد إملائية مخالفة للقواعد العامة المطردة وأيضًا إسهامًا منهم ضبط قواعد الإملاء فقد انعقدت لجنة الخبراء التربويين في اجتماعها الدوري في مدينة الخبر شرق المملكة العربية السعودية 1424هـ واتفقت على إعداد كتاب يضبط القواعد الإملائية تسهيلاً على المعلمين والمتعلمين، وبالفعل صدر كتاب بعنوان «دليل توحيد ضوابط الرسم الإملائي للكتابة العربية» سنة 1427هـ من إعداد فريق خبراء المناهج في السعودية، وفي المقدمة ذكر المؤلفون سبب إعدادهم لهذا الكتاب ومنها:

1 - تيسير الإملاء على الناشئة

2 - تجنب الخطأ الإملائي في نطق الكلمات الناشئة من مخالفتها للمكتوب

3 - تأصيل القواعد الإملائية للكلمات المختلف في كتابتها.

وذكر المؤلفون أنهم راعوا السعي إلى جعل القواعد مطردة وإبراز الآراء وموازنتها وترجيحها ومحاولة إبعاد الآراء النحوية والصرفية عن الرسم ما أمكن.

والكتاب يعتبر عمل رائع لما يحتويه من عرض الآراء ثم اختيار أفضلها وأيسرها تجنبًا للتعقيد والتقعيد، ولكن للأسف لم يأخذ طريقه للاعتماد في دول مجلس التعاون الخليجي، فقدت تتبعتُ ما أوصى به وقارنته بما هو موجود في المناهج الخليجية فرأيت أن هناك مفارقة كبيرة بينه وبينها، والكتاب على مكانته العلمية قلّ من يعرفه، ويبدو لي أن عدم توفره في مكتبات المملكة كان أحد أسباب عدم معرفة الناس به. وقد انتقد الدكتور يحيى مير علم الكتاب لمجيئه بآراء اعتبرها شاذة مثل كتابة ألف التنوين في مثل «سماءًا»، لكنه في رأينا أنه الحق؛ وذلك لأن العلماء السابقين لم يكونوا يحذفونه كما ورد عند الرضي والسيوطي وابن قتيبة.

ز - جهود الأفراد من الباحثين في ضبط قواعد الإملاء: كان لكثير من الباحثين عناية خاصة بالإملاء من القديم إلى وقتنا الحاضر تمثلت بالكتب التي أصدروها أو الآراء المنشورة لهم، ولعل من أبرز تلك الآراء والدراسات:

1 - قاعدة الأقوى لكل الهمزات لبشير محمد سلمو 1953م: إذ يُعتبر أول من نظر لقاعدة أقوى الحركات التي نستخدمها الآن في رسم الهمزة.

2 - مشكلة الهمزة العربية لرمضان عبد التواب: وهو يعتبر امتداد لدراسة «بشير محمد سلمو» مع تنبيه رمضان عبد التواب لنظرية منع توالي الأمثال كما في «شؤون» ومن هنا كتبها بعضهم «شئون».

3 - قواعد مقترحة لتوحيد الكلمة العربية للدكتور محمد علي سلطاني: وقال صاحبها إن هذه الدراسة نالت موافقة الوفود المشاركة في ندوة مناهج اللغة العربية للتعليم ما قبل الجامعي المنعقدة بالرياض 1405هـ وكان أبرز ما دعت إليه:

أ‌ - إثبات الحروف التي تنطق مثل «هذا - ذلك».

ب‌ - كتابة الواو في مثل «داوود» واللام الثانية في الأسماء الموصولة التي تكتب بلام واحدة مثل «اللذين - اللذي - اللتي».

4 - الأستاذ محمد بهجة الأثري عضو مجمع اللغة بالقاهرة: والذي رأى أن تكتب الهمزة على ألف مطلقًا، وقال إن هذا هو رأي الفراء، وقال الأثري رأيت جماعة من النحاة في كتاب الشافية قالوا بكتابة الباب كله بالألف حملاً للخط على اللفظ، وقال عنه الشيخ زكريا الأنصاري المصري» في المناهج الكافية بأنه هو القياس وأنه أنفى للغلط، وقال عنه «البطليوسي» في الاقتضاب على شرح أدب الكتاب إنه هو الذي اختاره أبو علي الفارسي في المسائل الحلبية.

5 - الأستاذ إبراهيم مصطفى: اقترح في بحث قدمه لمجمع اللغة بالقاهرة أن تكتب الهمزة في أول الكلمة قطعًا «أ»، وأن تكتب وسط الكلمة على السطر إذا كان ما قبلها من حروف الانفصال مثل «قراءة»، وأن تكتب على نبرة إذا كان ما قبلها من حروف الاتصال مثل «سَئَل».

6 - الأستاذ حامد عبد القادر: اقترح على مجمع اللغة بالقاهرة كتابة الألف المقصورة على صورة ياء مطلقًا حملاً للقليل على الكثير.

7 - الأستاذ علي الجارم: اقترح وضع حروف مستقلة للهمزة في أحوالها الأربعة من فتح وضم وكسر وسكون.

وهذه الآراء والاقتراحات والدراسات والبحوث التي أقرها المجمع أو اقترحها الأفراد لم تأخذ طريقها للتطبيق حتى في الدول المُقترِحة، وقد قدم الدكتور يحيى مير علم بحثًا لمجمع اللغة بدمشق وجد فيه أن تلك البحوث على اختلافها لم تسلم من النقد ولم ترقَ لأن تكون معيارية أو موحدة ولم تأخذ طريقها للتطبيق ورأى ضرورة تشكيل لجنة من الخبراء في هذا الشأن وإقرار القواعد العلمية ثم إقرارها من الجامعة العربية وتنفيذها في البلدان العربية.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
علي العوامي
[ العوامية ]: 30 / 3 / 2012م - 1:03 م
جهد مبارك إستاذ حسين

بحث في غاية الأهمية والإفادة
2
حسين علي سلمان الفرج
[ العوامية - القطيف ]: 31 / 3 / 2012م - 4:03 م
شكرًا لك أخي ؛ هذا كله بفضل الله ثم بفضل تشجيعكم لنا ، فدمتم لنا دخرًا .