آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

عقبات التعايش بين الشيعة والسنة

لو سألت أي مواطن شيعي عن المذاهب السنية الأربعة فسوف يبدي ملاحظة معينة حول توجه معين، لكنه في الوقت نفسه سوف يؤكد وجود علاقة معينة بينه وبين بعض السنة، وسوف نجد أن له صديقًا على الأقل، يفتخر هو بذلك.

والحال نفسه لو سئل مواطن سني عن ذلك فسوف يؤكد أن لديه صداقات وعلاقات واسعة مع شيعة يفتخر بها، ذلك مع احتفاظه بملاحظات عديدة على أصدقائه الشيعة، وقد تكون تلك الملاحظات جديرة.

وإذا كان الأمر كذلك ما الذي يفرق بين أبناء الوطن الواحد؟

ولماذا كل هذا "العك" الطائفي الذي يظهربين فترة وأخرى؟ حيث يحذر بعض السنة من الخطر الشيعي، أو يحذر بعض الشيعة من السنة وظلمهم واضطهادهم.

إن ما نشهده هو أن عيشًا أو تعايشًا قائمًا بين الشيعة والسنة في السعودية، تحديدًا في المنطقة الشرقية، فتجد المناطق القديمة مثل دارين وعنك، وام الساهك، وبعض قرى الأحساء تجدها مناطق سنية وسط أكثرية شيعية واضحة، ولم تشهد طوال التاريخ أي توترات أو نزاعات تنم عن عدم تعايش بين الطرفين.. وفي المناطق الحديثة مثل الدمام والخبر والجبيل فهناك أقليات شيعية وسط أكثرية سنية، بيد أننا لم نسمع بحدوث قلاقل أو أضطرابات، أو حتى أي نشاط غير عادي بين الطائفتين، إذ الجميع يعيش في وئام وشبه انسجام، دونما تدخل في الطقوس الدينية. وكذلك في العديد من مواقع العمل مثل ارامكو السعودية نجد أن أبناء الشيعة والسنة يعملون معًا في مكان واحد، ويأكلون من صحن واحد، وبينهم تبادل للزيارات العائلية.

إذا كان كذلك، لماذا نجد ما يشبه الحرب بين الطائفتين، ومن أبرز معالمها سيل الشتائم والسباب والمزايدات حتى في خطب الجمعة، فضلاً عن المجالس والديوانيات، والمواقع الالكترونية. فتجد بعض السنة يتهجم على الشيعة ويصفهم بـ"الكفر والزندقة، والنفاق،.... " في حين أن بعض الشيعة لا يتوقف عند الدفاع عن ذلك بل يتمادى في وصف القوم بـ"النصب" والتي تعني الحقد والعداء لأهل البيت، وهو لدى الشيعة ما يقارب الكفر، إذ لاتقبل شهادة الناصبي ولا الأكل معه ولا... الخ.

وكل طرف على استعداد تام لإيراد الأدلة والبراهين على فساد طريقة الآخر، رغم أن هناك حالات ايجابية من التعاطي الاجتماعي، واستعدادا تاما للتعايش من قبل كل طرف، بل هناك حالة رفض قوية من الطرفين تجاه أي دعوة أو فكرة تحمل في طياتها شيئًا من الطائفية.

السؤال: من المسؤول عن الوضع الطوائفي، الذي يشعر به الكثير من أبناء المجتمع السعودي، تحديدًا الشيعة؟ فهل يمكن ان نحمل جهات داخلية لدى الشيعة أو لدى السنة أم ان ثمة جهة أو جهات خارجية تقف وراء هذا الوضع؟

السنة - أو كثير منهم - يرون أن الخلاف الطائفي، والاحتقان بين أتباع المذهبين ما كان له أن يكون لولا ظهور الخميني على الساحة الإسلامية، ويعنون بذلك الثورة الإيرانية، فهي - بوجهة نظرهم - أثارت الشيعة ضد السنة، وهي التي أججت الروح الطائفية، ولولا هذه الثورة لما كان لأي نوع من الخلافات الطائفية أن تظهر على الساحة السعودية.

وبموجب هذه الفكرة فإن الحالة الطائفية التي تشهدها بدأت مع مطلع الثمانينات، تحديدًا بعد وصول الخميني إلى سدة الحكم في إيران، وقبل ذلك التاريخ لا يوجد في البلاد أي نوع من التأزم الطائفي، وبالتالي يتحمل الشيعة كامل المسؤولية عن الذي يجري لهم، بسبب إقحامهم الدين في السياسة وإعلانهم التأييد لثورة الخميني ودولته فيما بعد، فهذا سبب كاف لأن يتم اتخاذ المزيد من الإجراءات بحقهم، فهل يتصور ان حكومة ما تثق بأناس ليس لهم ولاء لها، بل يوالون أعداءها.

وتبعًا لذلك يورد هؤلاء مقولات عديدة تبين أن الفرز المذهبي موجود في عقول الشيعة وشعورهم، ولا يعدو أكذوبة أثارها الإيرانيون لزرع بذور الفتنة في المملكة، فهم الذين زرعوا الأحقاد بين الطائفتين، والشيعة في السعودية لا يتعرضون لأي نوع من التمييز، فهم يقيمون كل شعائرهم بكل حرية، والدولة لم تمنع أحدًا منهم من بناء مسجد أو حسينية، رغم أنها تعج بسب السنة، وسب الصحابة والنيل من قداستهم.

أما ما يورده الشيعة من تراجع الخدمات في مناطقهم فهذه حالة عامة تشمل كافة مناطق المملكة، فهناك مناطق سنية في الجنوب على سبيل المثال لم تصلها خدمة الكهرباء، وهناك أحياء في الرياض - وهي عاصمة البلاد - تعد من الأحياء الفقيرة. في المقابل تنعم مناطق الشيعة بوضع أفضل من غيرهم، من هنا فحينما يقولون انهم يتعرضون للتمييز فليس ذلك إلا دعاوى إيرانية تبناها الشيعة - أو بعض الشيعة - في السعودية وهدفها التشنيع على الدولة بصورة غير منطقية، ولا تهدف سوى إثارة البلبلة والتوتر.

وحول ما يثار هنا وهناك من مقولات ذات نفس طائفي، من قبيل الفتاوى بحرمة التعامل مع الشيعة أو أكل ذبائحهم، أو حتى الحديث معهم، فهي - حسب هذه الرؤية - لا تعدو أن تكون تصرفات فردية لاتحظى برضا الدولة، ولا برضا السنة، هذا فضلاً عن كونها تتعرض لتضخيم وزيادة غرضها التفرقة وتشويه سمعة الدولة، ولا يبعد ان تكون تلك المقولات جاءت من أعداء الإسلام وأعداء الدولة الذين لايعجبهم أن يعيش المواطنون وضعًا أمنًا ومستقرًا.

خلاصة الرؤية السنية لهذا الوضع هي أن الشيعة يضخمون مظلوميتهم، كما يضخمون كل شيء، رغم أنهم يحظون بحقوق لا يحظى بها أي أحد، لكنهم لا يشكرون النعمة.

ومع ذلك - حسب وجهة النظر السنية ــ فالشيعة مواطنون ينبغي التعايش معهم، ذلك باستثناء وجهة النظر المتطرفة التي تضع الشيعة في دائرة الكفر، وتتبنى المزيد من التضييق عليهم، وعدم احترامهم والتعايش معهم، وهناك من يدعو إلى نفيهم خارج بلاد التوحيد، ولا يفتأ بعض رجال الدين السنة دعوة الحكومة نحو المزيد من الإجراءات ضد الشيعة، ويوردون الأدلة والبراهين على أنهم «الشيعة» يسعون للهيمنة على مرافق الدولة والقضاء عليها.

أما وجهة النظر الشيعية فترى عكس ذلك تمامًا، فالتمييز الطائفي كان قبل الثورة الإيرانية ولا علاقة له بتلك الثورة ولا شعاراتها، وإذا كان هناك تأثير لهذه الثورة على الوضع الشيعي فهو تأثير ثقافي وسياسي، ربما كان باتجاه الصدام مع الحكومة ولكن لم يكن من منطلق طائفي. كما أن التمييز الطائفي جاء في يوم واحد مع مجيء المذهب السلفي الذي يحمل عقائد تكفيرية صريحة ضد الشيعة، الذين يرون فيهم خطرًا عليهم وعلى الدولة، ولا يعدو تحديد الفترة التاريخية للاحتقان المذهبي بثورة إيران أن يكون مغالطة تصادر كل حوادث التاريخ، وما جرى للشيعة طوال تاريخهم في الدولة السعودية.

فالشيعة يرون أن هناك إجراءات متعمدة لتهميشهم، وسياسات تتم بحقهم لمجرد أنهم شيعة فقط. فالشيعي مخالف لمجرد أنه شيعي، ويحرم من الكثير من حقوقه لهذه الشبهة، ولا تشفع له كفاءته أو مستوى تعليمه بل حتى اخلاصه وحبه لوطنه.

وعلى ضوء هذين الموقفين، وبعيدًا عما يحتويه تراث كل مذهب من طروحات معادية للمذهب الأخر، فإن الطرفين - كما يبدو - متفقان على أن الوضع الطوائفي والحشد التقسيمي قد زادت وتيرته في السنوات الأخيرة، وإن حالة عداء طافية على السطح وهناك من يغذيها وينبش المخفي منها، إذ أن الخلافات الطائفية لم تكن وليدة هذه اللحظة، ولكن كل طرف يلقي باللائمة على الآخر، وفي المقابل هناك عقلاء في الطرفين يرون ان التعايش والحوار أفضل لصالح الوطن.

خلاصة الأمر أن ثمة واقعًا قائمًا تعاطى الجميع معه بكل عفوية وايجابية، وهي أن السنة خلقوا وتربوا على أنهم سنة، والشيعة خلقوا وتربوا على أنهم شيعة، شاءت الظروف ان يكون الإثنان في منطقة جغرافية واحدة، تعايشوا مع بعضهم ونشأت بينهم علاقات أخوية عفوية، لا يزال الجميع يفخر بها، هذه العلاقات لم تنظر إلى كتب التراث ولا أحداث التاريخ، ولم تتعاط مع فكرة اننا على الحق وهم على باطل، ولم يتعامل أي منهم على أنه خازن الجنة والنار ولذلك كانت علاقاتهم اكثر من ايجابية.

السؤال: من هو مصدر هذا الاحتقان، الذي ما فتأ يضرب كل مشروع للتعايش ونبذ الفرقة؟

رغم أن الموضوع صعب للغاية إلا انني من خلال هذه السطور أحاول تشخيص هذا المصدر لكل هذا الاحتقان، ربما أكون قد وضعت يدي على شيء من الحقيقة، مع ايماني التام بأن هناك أيديا خفية وراء كل الذي يحصل.. وذلك من خلال التطرق الى الملاحظات التالية:

أولاً: لا علاقة للخلافات العقائدية، والنظرة إلى الخلافة، أو الصحابة أو أهل البيت بكل ما هو قائم من احتقان وتوتر مذهبي، بدليل أن التعايش كان قائمًا، والخلافات لم تتغير، وبدليل أن السنة والشيعة على حد سواء مازالوا يتعايشون مع المسيحيين والهندوس واتباع دينات غير اسلامية، لا تعتقد بوجود الله من الأصل. فالخلاف الموجود لدى الطرفين لا أحد ينكره لكن الذي يتم تسجيله عمليًا بين الطرفين بسبب تلك المعتقدات هو الذي سبب الأزمة الحالية.

ثانيًا: القول بأن التوتر المذهبي في السعودية سببه إيران كلام لا يخلو من مبالغة، ولا يعدو أن يكون دعوى بدون دليل يمكن الإطمئنان إليه، خاصة وان الإيرانيين يحرصون كل الحرص على تحسين علاقاتهم مع السنة في شتى بقاع العالم مثل حركة حماس وحركات الجهاد الافغانية، فضلاً عن جهودهم الكثيرة لتحسين العلاقة مع الحكومات الخليجية والسعودية بالتحديد.. صحيح أن الحملة ضد الشيعة كمذهب ارتفعت وتيرتها بعد الثورة الإيرانية كنوع من الحرب السياسية، التي طالت القومية الفارسية، وطالت المذهب الشيعي وطالت كل شيء إيراني. ولو كانت العلاقة السياسية مع إيران مستقرة لما ظهر كتاب "وجاء دور المجوس" ولم يتم إعادة طباعة كتاب "تبديد الظلام وتنبيه النيام" وتوزيعه مجانًا في الأماكن المقدسة. بالتالي فإن ثمة عاملاً سياسيًا اكبر من شيعة وسنة السعودية وراء كل الذي نراه ونسمعه، وشهدنا فصوله طول عقد الثمانينيات..

ثالثًا: أن الوضع الطوائفي في السعودية لم يأت الا من خلال وضع عام يقبل ظهور مثل هذه الدعوات، ويشجع عليها، أي إنها عائدة لعامل داخلي بحت ربما وجدت الجهات الخارجية فرصة لاستغلاله أو الدخول من خلاله هذا العامل يتمثل في أن النظام العام لايقبل التعدد، بل هو قائم على الاتجاه الواحد، وما عداه يتصف بأشنع الصفات واقبحها، وهذا على صعيد ديني وعلى صعيد سياسي، فعلى الصعيد الديني نجد أن هناك ثمة احتكارًا للفتوى لمذهب واحد، هو الذي يشرف عليه هيئة كبار العلماء، وهو الذي يضع مناهج دروس الدين، ولا يسمح بالرأي الآخر، حتى بالنقاش والحوار، فضلاً عن الاعتراض وإصدار ما يخالف رأي ذلك المذهب، وكل الرأي والطروحات الدينية تمت صياغتها وفق رؤى المذهب السلفي، التي تتبنى منهج التكفير والمصادرة وعدم قبول المخالف، لذلك فما دام النظام الديني في البلاد يسير بهذه الصيغة فلا يتصور ان يتغير الوضع الطائفي، كما إن السيطرة الدينية لدى المذهب السلفي والمدعوم من قبل النظام السياسي الحاكم، والذي فتح المجال له كمذهب واحد ومنع باقي المذاهب «حتى المذاهب السنية الأخرى» يعطى مجالاً للاحتقان المذهبي، ويمنح المذهب الرسمي أن يصدر فتاواه بحق الأخرين وفق رؤاه حولهم، وفي المقابل لا يسمح للطرف الأخر حتى فرصة الدفاع عن مذهبه.

وقد أشاع هذا الوضع بأن الشيعة هم فئة منحرفة، والانتماء لهذا المذهب تهمة، لا يمنع الشارع المقدس لأن تضطهدهم أو حتى تكذب عليهم، أو تمارس فعل التهميش بحقهم، لأنهم فئة منحرفة مارقة خارجة على القانون، وهذه الفئة ليس لها من حق سوى المواقع الأقل، لذا يتم تعمد تهميشهم ومنعهم من الوصول إلى المناصب العليا، بل أن بعض القطاعات محظورة كليًا على الشيعة كالقطاعات الأمنية والعسكرية وبعض القطاعات الحكومية المدنية مثل المؤسسات الدينية، ووزارة الخارجية.

إذن فالاشكال الطائفي لم يأت من إيران، ولا من انتصار المقاومة في لبنان، ولا من حركة طالبان في افغانستان، ولكن من النظام العام في البلاد، فمهما تغيرت الأشخاص وتبدلت الوجوه فإن الوضع سوف يبقى على ما هو عليه، وستبقى البلاد على كف عفريت، ما دامت الجهة الدينية هي وحدها المحتكرة للفتوى ولاصدار الأنظمة والتعليمات ولا رأي لأحد غيرها.

على ضوء ذلك فإن أي شخص يراد تهميشه أو القضاء على مستقبله في بلادنا فإن اقصر الطرق لذلك الحديث عن كونه شيعيًا يريد نشر مذهبه من خلال هذا المنصب فذلك كفيل بفصله بدون أي تحقيق!

كذلك أي شخص يريد أن يتقرب إلى الجهات العليا فإن أقصر الطرق في ذلك هو اضطهاد الشيعة والإمعان في إذلالهم والتضييق عليهم.

وفي هذا المجال أيضًا فالبعض حتى لايؤخذ عليه أي اشكال فإنه يمنع وصول أي شيعي إلى موقع ما عن طريقه، ظنًا منه أن الشيعة يشكلون وصمة في جبينه لذلك نجد اكثر الناس اضطهادًا للشيعة في مواقع العمل هم الشيعة أنفسهم، الذين يخشون أن يتهموا بالعمل من أجل السيطرة.

على ضوء كل ذلك إن التعايش بين أبناء الشعب ممكن، وهو قائم، ويمكن توسعته وفتح آفاق ابعد، لكن أهم عقبة أمام الوصول إلى واقع أفضل هو إعادة النظر في النظام العام للبلاد الذي لم يزل يغلق الأبواب على الأفكار والآراء والتوجهات المختلفة، وهذا الانغلاق كان له أثر بالغ ضد الدولة نفسها، جراء ظهور حركات تمرد مغلقة مثل حركة الدعوة المحتسبة التي احتلت الحرم عام 1400هـ أو حركة القاعدة التي لا تزال تمارس أعمال العنف ضد الدولة من منطلق عقدي مغلق، لا يرى أحدًا غيره على الأرض.