آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:51 ص

الدهشة مبعث واحد لصياغات عدّة

رباب اسماعيل * صحيفة الشرق

إذا كانت الدهشة هي مُحرك الفنان وزاده للخلق والإبداع، وإذا كانت الفلسفة هي أم العلوم؛ فإن هذهِ الدهشة نفسها هي الباعث الأول على الفلسفة كما يقول أرسطو.

اليوم ونحن أمام ابتداع أشكال وصيغ جديدة في الفنون كافة، كما هو الحال في العلوم أيضاً، حيث يُطرح عديد من المقاربات من باب العلم، تنبثق لدينا استفهامات وأسئلة عدّة، أسئلة لا تغفل اللحظة التاريخية الآنيّة، في اختلاف وقعها على المجتمعات.

هنا نجد الأمر بحاجة لمواكبة هذه الصيغ الجديدة والمُبتَدعة التي قد تحمل نوعاً من الإبداع بين ثناياها.. مواكبة ابستمولوجية، فلا نركب موجة التجديد دون أن نُضيء مصباح الوعي، كما لانقف بتجهم دكتاتور أمام أي إبداع، فلا يُحلّق دون أن يمتشق الحرية أداة وغاية في نفس الوقت، حيث الإنسان محور هذا الوجود، وفي فلكه تُخلق وتُدمر كل الأشياء، والحرية وحدها هي ما تُعوّذهُ من عقم السؤال، وهي أيضاً خلاصهُ من الوحش الذي يطلَ برأسة في إنسانيته، كلّما تمكن من أسباب القوة، وأحكم قبضتهُ على الرقاب.

الفن إذن بما هو مِصداق للحريّة، يتجلى كمقدمة وخاتمة لمعنى الوجود، والعلم الذي يبدو كمتن لمُحاولة دؤوبة للكشف، كدهشة نيوتن بسقوط التفاحة والتي بدت كمقدمة لقانون الجاذبية، «كالباشلاريّة» في إبحارها الفلسفي والإبستمولوجي بين ضفّتي المُخيّلة والعقل، بين الشعر والمعرفة.

هل يمكننا القول إذن إن الفن حالة وجدانية خالصة، مقابل العلم كحالة موضوعية خالصة أيضاً؟

كيف يمكننا التوليف والمقاربة بين العلوم والفنون؟ بل هل هما مفصولان أصلاً ليتم التقريب بينهما؟ هذا الفصل الذي قد يكون مجرد حالة ذهنية في تفكيرنا بعيداً عن الواقع، فهل ينفصل الفن أو الزخرفة عن الهندسة، هل تنفصل التربية بأكثر صورها تقدما بما هي «تعليم التَعَلّم» كآلية ذهنية مستمرة وفعّالة وخارجة عن الصندوق، هل ينفصل كل ذلك عن الفنون، عن اللعب، والابتكار، والإبداع؟

في المقابل: ما هو موقع المفاهيم، وما هي حدودها؟ وكيف لنا أن نحمي العلوم من التمييع والمراوغة؟ والتي قد تطال بعض الميادين كما هو الحال في علم النفس، والذي نجده مُتجاذباً بين ميادين ما زالت غامضة كعلم الطاقة، والبرمجة اللغوية العصبية، وقد نجد هذا النموذج ينسحب ليطال ثنائيات أصبحت واقعاً مُستحدثاً رغم قِدمها في التاريخ الإنساني، إلا أنها تُستثار في ظلّ العولمة وموضاتها ونبشها المستمر لذاكرة الشعوب وخزائنها المعرفية، بأدوات وغايات متنوعة من رأس المال المادي والرمزي معاً، ولنا في ثُنائية الطب الحديث والطب الشعبي مثال، أيضاً ما نصيب الإيمانيات والعلم من الأمر؟ كذلك الأمر في الأدب بأشكاله كما في الرواية بقوامها المعروف، أو القصة القصيرة مُقابل ما يُطرح من «الفاست نوفل» وما شابه.

فهل يُعد ذلك من إرهاصات مابعد بعد الحداثة؟ ورَدّ طبيعي لحالات التذرر والتشظي التي تشهدها الإنسانية؟! أم هي العودة لحضن الفلسفة الأم؟

شاعرة وكاتبة من العوامية