آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

حلاوة الروح!

فوزي صادق *

تعانقت الأصوات والصرخات والصلوات، بعد تعرض الطائرة لعطل فني بالجو، وبعد خمس ساعات منذ غادرت أوروبا الى أسيا، كلاً أفصح بما يؤمن ويعتقد، فظهرت الأديان بكل اشكالها ومذاهبها، وكشف كل راكب عن ما يضمر من إيمان ويحفظ من كلمات، ودعا كل راكب ربه أنه أن ينجيه، وبأرقى درجات وكلمات التوسل، ولم لا! فإنها ساعة الصفر! وباتت مسألة حياة أو موت! والبحث جارٍ عن أي سبب لإنقاذهم، فالقشة أمل الغريق ومطلبه، وهم في صراع بين كفتي الوقت والبقاء، والطائرة بحالة هبوط مائل نحو الأرض التي ستبتلعهم.

من الصعب وصف تلك اللحظات، أو ترجمة إحساس الخوف بكلمات، فقد نسي كل غني ماله، ونسي كل جميل صفاته، ونسي كل راكب جنسيته ولون جوازه، ونسوا أشكال بيوتهم، وفخامة سياراتهم، ونوع أجهزة جوالاهم، لكن اكتشفتنا إنهم مشتركون بطلب واحد، وهو ”حلاوة الروح“ ووصلنا إلي نتيجة إنهم بشر، وهم الأن بحالة خنوع أو ربما ضعف أرجعهم إلي إنسانيتهم وتكوينهم، والكل بهذا الموقف فقير ويحتاج الي العطف والرحمة، أي فقراء مجازياً، ومحتاجون إلي غيرهم، وهو الرب الذي يعطي ويمنع.

هبطت الطائرة بعد جهد جهيد في إحدى مطارات مقاطعات نيبال الفقيرة، إذ وضعت بالمدرج المتواضع وسط الوادي الأخضر رغوة كثيفة، فنزلت عليها الطائرة ومعها نزلت أرواح الركاب من الخوف! والحمد لله، ماهي إلا دقائق حتى تدحرج الجميع على سلم الطوارئ البالوني، وأستقبلهم أهالي القرية بالتصفيق الحار، والماء والأحضان والدموع، وتعانق الركاب وهم يبكون غير مصدقين أنهم أحياء، فرفعوا الكابتن ”اللاديني“ فوق الأكتاف، وقبلوا رأسه ويديه، وحينها تمثلت مكارم الأخلاق في الإنسانية والابتسامة والدمعة، ومازال الركاب يقبلون الكابتن ويحمدون الله، وفي النهاية رجع كل راكب إلي وطنه وأهله، وهو يؤمن ويعتقد إن الذي أنقذهم ربه الذي دعاه، وكذلك علم وتّيقن كل راكب، إنه ليس بوكيل الله على عباده، وأنه ليس المسؤول عن الخلق، وأن الجنة والنار ليستا ملكه وهو يعطيها من يشاء.

كاتب و روائي - الدمام