آخر تحديث: 29 / 5 / 2020م - 3:35 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شهداء الصلاة دماءهم لن تُباع والويل إن فعلناها

حليمة درويش

وراء كل حكاية نزف دامي يجعلك مذهولا أمام حجم الابتلاء الذي اختصت به هذه العوائل بأن كان لها من الله الكرامة فنظر إليها بعين الرضا واختار منهم الشهداء، ماحدث في حادثة التفجير الإرهابي في بيت من بيوت الله مسجد الإمام علي تقشعر منه الأبدان وتذرف له الدموع ومن يملك إنسانية حرة أبية فهو يُدرك بأن ماحدث إنما هو بالغ البشاعة ليطرح الأسئلة ذاتها التي تناولتها مواقع التواصل الاجتماعي والشبكات الالكترونية وبعض الصحف ولأول مرة قد يجتمع المختلفون على أمرا واحد وهو أن التحريض الطائفي وإثارة الفتن كانت أهم الأسباب التي أججت ضعاف النفوس وسيطرت على عقولهم فجندتهم لمصالح بعيدة تماما عن هدفهم الظاهري الذي يتغنون به وهو إحياء العقيدة لأنها لم تمت أصلا!

القديح تلك القرية التي فجعت في محراب الصلاة الجمعة الماضية كانت أصوات المصلين فيها تردد سمع الله لمن حمده ليكون آخر عهدهم بالدنيا رحيلا يليق بأرواحهم العاشقة، وأي عقيدة أسمى من تلبية نداء الرحمن في يوم الجمعة وفي بيت من بيوته التي أذن أن يرفع فيها اسمه وذكره.

وجاء التشييع أكثر مهابة حيث القطيف شامخة كنخيلها وثابتة أصولها ولا مجال لتشكيك في وطنيتها ووحدتها وسلميتها ولكن ذلك لا يعني أن تذهب دماء الشهداء هكذا مجرد جنازة تُشيع وعزاء يُقام!

دماء الشهداء كان لها زفافا تخطت أعداد حاضريه المئات من الألوف قاربت على النصف مليون مشيع وربما أكثر كلهم يهتفون بمطالب قد مهد لها الشهداء بدمائهم وأولها تجريم الطائفية بقانون رسمي وقد يقول قائل بأن هذا القانون موجود فعلا فإذا أين تطبيق العقوبات على مرتكبي مثل هذه المخالفات من الطائفتين، وكما تم تطبيق نظام المخالفات على متجاوزي السرعة بنظام ساهر فإننا نحتاج لنظام ساهر آخر أكثر ضبطا وحزما وجدية في التعامل مع حفظ الأرواح البريئة الآمنة والتي يتربص بها أعداء الإنسانية ومدعي اللحمة الوطنية التي صدقنا بوجودها فازددنا جراحا على جراحنا!

شهداؤنا الذين رحلوا الجمعة الماضية صنعوا ماعجز عنه الكثير فحركوا المسؤولين وجاؤوا بهم ليستمعوا بأنفسهم للمطالب التي كانت ومازالت محل استغاثة قبل الدالوة وازدادت وتيرتها بعدها ومازالت تستغيث!!

حيدر بطفولته ألهب المشاعر وصارت صوره المتداوله خطابا واضحا لمنتهكي الحرمات وقتل النفوس البريئة ليكون في كل قلب يبكي مرارة الفجيعة حيدر ماثلا يتساءل ببراءته بأي ذنب قتلت...

وكما بدأت مقالي فمع كل شهيد حكاية موشحة بالألم والوجع ومرارة الفقد وجاءت هذه الجريمة البشعة لتزيد الجراح أوجاعا جديدة مااندملت، صفية الغزوي أم لخمسة أبناء خرجوا لآداء الصلاة فاستشهد واحدا منهم وأصيب الأربعة أحدهما في حالة حرجة كيف يبدوا البيت خاليا مرة واحدة من أبنائها وزوجها حسين أحمد الغزوي الذي عودهم منذ الصغر على أداء الصلاة في المسجد، وهم من عانوا مرارة الفراق وحسرة الموت منذ نار القديح التي أحرقت القلوب قبل 16 سنة.

وهاهي تقى ابنة الشهيدة معصومة المرزوق في حادثة حريق القديح تحمل لقب زوجة شهيد وهي التي عانت اليتم منذ كانت في السابعة من عمرها، فأي كلمات بها نواسي جراحهم وأي حديث سوى أن نقول لهم لن تذهب هذه الدماء الزاكيات هدرا فدماء الشهداء أصبحت أمانة في عنقنا ومسؤوليتنا أن تبقى حاضرة شاهدة حتى ينال الجناة عقابهم وتتحقق المطالب التي رُفعت شعاراتها مع أجسادهم في التشييع المهيب يوم الاثنين الماضي.

ناهيك عن الأيتام حيث قارب العدد 64 يتيما فأي مصاب هو مصابهم وأي عزاء قد نواسيهم به وأي عذر نقدمه لأبناء الشهداء سوى أن ذويكم قتلوا لأنهم في الصلاة يعبدون الله.

لكل من أنصفنا بإنسانيته قبل أي شيء آخر، لكل من أرسل تعزيته صادقة بعيدة عن المجاملات الزائفة لمجرد أن تهدأ الأمور، لكل من كتب كلمة وبثها في قنوات التواصل والصحف والشبكات منددا بماحدث مدركا بأن الخطر سيطال الجميع وسينال من أبناء هذا الوطن شيعة وسنة مادام القتل للأبرياء في عقيدتهم مباح، لكل هؤلاء أنتم شركاء معنا في حمل المسؤولية والوقوف معا في سد الأبواب عليهم والتي تمنحهم فرصة التسلل بل والمجاهرة بفجرهم وغيهم.

إغلاق القنوات ومحاسبة أصحاب الفكر المتشدد لكلا الطرفين بات أمرا ضروريا وغيرها من المطالب كتغيير المناهج والتي صدحت بها الأقلام والأصوات ومهدت لها دماء الشهداء التي أريقت فعلينا أن لانبيع هذه الدماء الزاكيات بثمن بخس وويل لنا إن فعلناها!