آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 11:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهداؤنا لن نكتفي بهم صفحة في التاريخ!

حليمة درويش

حين بدأت مقالي عن شهداء الصلاة في التفجير الإرهابي الغاشم في مسجد الإمام علي بالقديح ذكرت بأن وراء كل حكاية نزف دامي، وما إن هممت أن أكتب عن شهداء العنود إلا وأنا أجد بأن وراء كل شهيد فقدناه هنا وهناك وفي أي بقعة من هذا الوطن حكاية بطولة وفخر وزهو رغم كل الجراح والآلام ورغم وجع الثكلى والفاقدات وحسرة اليتم فإن وسام الشهادة يعلو على كل نزف وكيف لا يكون كذلك وهو وسام الدماء الزاكيات في بيوت الله وفي حضرة الصلاة وقدسيتها.

وحين خطت قدماي مخيم العزاء عصر الجمعة الأسبوع الماضي لتعزية ذوي شهداء العنود، حماة الصلاة أبطال الحق والحقيقة، فبهم عرف الجاهلون بأن إنسانيتنا السليمة تدفع هؤلاء الأبطال ليضحوا بأنفسهم لحماية من وفدوا لأداء صلاة الجمعة صفوفا متراصة تدعو لله الواحد الأحد لا سواه بقلوب مؤمنة لا يخيفها تهديد متطرف لجهلة مشحونين بغباء الدفاع عن إسلام لا يعرفونه ولا يدركون بأن ثوابتنا واحده وإن اختلفت مذاهبنا، وبعد أن تجاوزنا منطقة التفتيش والتي كانت منطقة حفاوة وترحيب أكثر من كونها نقطة أمنية فتستشعر الأمان الروحي بابتسامتهم الصادقة الحانية، للوهلة الأولى تبدو الأمور مختلفة تماما عما كنت أحدث بها نفسي وليس ذلك من باب المقارنة أبدا بين مجلس عزاء القديح ومجلس عزاء العنود ولكن العدد الكبير للشهداء هناك كان يشكل ضغطا من كل الجهات التنظيمية والتنسيقية وضغطا للكوادر الطبية ومع ذلك كانت الطمأنينة تعلو الوجوه المتيقنة بأن الله مع الذين صدقوا ما عاهدوه عليه!، قلبي الذي كان يخفق بشدة لم يسعفني للتركيز على أي شيء حولي وربما رجفة يداي كانت واضحة وهي تمتد لمصافحة ذوي الشهداء، بينما تجد القوة والثبات والصبر مرسوما على الملامح المطمئنة ولم يكن مجرد كلاما نسمعه ويردده ذوي الشهداء بل كان واقعا عمليا ترجمته مشاعرهم المليئة بالمحبة لكل من حضر معزيا فكانوا في الصدارة يخففون وجع من جاء ليعزيهم وكل ما سقطت دمعة أحدهم سارع أهل الشهداء بتطييب الخواطر ومواساة المعزين! ربما أذكر ذلك هنا متعمدة رداً على تعليق إحدى الأخوات في ذات نقاش بأن العوائل قد تبدو أمام وسائل الإعلام صابرة ومحتسبة ولكنها في داخلها جزعه لأن فقد الشباب جمرة متقدة، كل ذلك لا يمكن أن يكون مجاملة للإعلام لأن مشاعر الفقد لا مجال للتمثيل فيها، إنك تجد الرضا والتسليم ولسان الحمد والشكر وبكاء الفقد الموجع لا يعني الاعتراض أبدا وإنما هي دموع مفارقة الحبيب لحبيبه والشوق إليه وكيف لا نبكيهم وهم حماة الصلاة وشهداء الصلاة وكيف لا نبكي شهداء الظلم والاضطهاد شهداء القطيف في الأحداث التي سبقت وشهداء الدالوة في محرم الحرام وكيف لا نبكي غياب أحبة غيبهم الثرى لرقدة الوداع!

في مجلس العزاء الذي أقيم في القديح وفي العنود تجد الوضع مقلوبا بشكل يجعلك خجلا ومزهوا في ذات الوقت، تخجل من كونك عاجزا أن تكون بهذه القوة والسكينة والطمأنينة ومزهوا بأنك موجودا بين هؤلاء ولأن هؤلاء موجودين بيننا!

فاطمة الناصر وهي إحدى الكوادر المنظمة في مجلس العزاء وقريبة الشهداء لم تحتمل رؤيتنا نبكي فاحتضنتنا وقالت نحن هنا نستقبل التبريكات فأرواح الشهداء في عليين وهم مع الأبرار والصديقين وجرحنا وجرحكم واحد، أليست القديح والعنود والدالوة وشهداء القطيف أخوة! كنا معكم الأسبوع الماضي في ضيافة الدماء المباركة وها أنتم معنا في ضيافة ذات الدماء!

تذكرت بحديثها زوجة الشهيد عبدالله القديحي الأستاذة زكية أبو الرحي حين عزيتها قالت لا تبكي فأنا احتسبته عند الله وفخورة به والحمد لله الذي اختار من عائلتي شهيدا!

أي صبر ورضا ذلك الذي أسكنه الله قلوب الفاقدين والفاقدات ولا عجب بأن اختار الله منهم الشهداء فهم أهل له، وهذا ما وجدته من خلال متابعتي للكثير مما كُتب عن حياة الشهداء في القديح والعنود ومن سبقهم ممن استشهد في سبيل الحق وللحق، وما سمعته شخصيا من ذوي الشهداء وأقاربهم عن المميزات التي كان يحظى بها هؤلاء الشهداء في رقي تعاملهم الإنساني ومدى التزامهم وحرصهم على العطاء للصغير قبل الكبير، العطاء الحقيقي البعيد عن المصالح والرياء، عطاء قد يبدو في صورته بسيطا كأن يكون الشهيد السيد هادي الهاشم معلما يشهد له الجميع بأمانته وحرصه على العطاء في مهنته بما ألزم به نفسه أمام الله بضمير صادق ناصح قبل أن يلزمه الواجب المهني، صور كثيرة لم تغفل عنها قنوات التواصل الاجتماعي بكل أشكاله ولم تغفله صفحات الأصدقاء والأقارب لكافة الشهداء، وتحدثت عنه بعض القنوات المنصفة ومنها القنوات الأجنبية التي تكلمت عن الشهيد عبدالجليل الأربش المبتعث بإنسانية تجعلك مزهوا بأن تكون هذه الصورة المشرقة المضيئة هي من تمثلك وتتحدث عنك، هؤلاء الشهداء منحونا العزة والكرامة واستحقوا بذلك أن تخلد أسماءهم وصورهم في ضمائرنا بل طالب البعض بأن تكون هذه الشخصيات حاضره في كتبنا ومناهجنا لتعلم الآخرين كيف هي التضحية والفداء وكيف نجتث من العقول المخدرة والملعوب عليها بلعبة الطائفية ما يضرها ولا ينفعها.

وها هو الإعلام الرسمي يصنفهم شهداء الواجب وبأنهم قضوا نحبهم في الدفاع عن الدين والوطن وسلامة النفس المحرم قتلها.

أسماء كثيرة لا تغيب عن ذاكرتي ولو عددتها هنا سيطول الحديث ولكنها في قلوبنا وضمائرنا تتصدر تاريخ اختصت به القطيف والأحساء دون سواهما لتكونا شاهدتين على أن نهج أهل البيت نهج إنساني قابل التكفير والتفجير بدماء طاهرة مسالمة فانتصر الحسين في كل عصر وزمن بالدم لا بالسيف!

وطنيتنا لن يستطع أحد أن ينتزعها منا ولا أن يشكك فيها ولن نقبل بأن تكون أرواح شبابنا وأطفالنا وشيوخنا ونساءنا كبش فداء في كل مرة ليدرك الآخرون بأننا موجودين معهم في ذات الخارطة نملك ما يملكون ونطالب بذات المعاملة وذات الحقوق! هذه الدماء لن ننساها ولن نقبل أن تضيع وإلا فكل ما فعلناه هو بكاء ووداع دفناه مع الشهداء حين شيعتهم مئات الألوف!

المطالب التي حملتها الأكف مع كل نعش يجب أن تبقى مرفوعة شامخة كلمتها سواء ويشهد الله عليها ورسوله والمؤمنون.

حين أهدتني فاطمة الناصر قلادتها التي كانت تحمل صور الشهداء ضغطت عليها بقوة شعرت بالفخر والزهو وبكيت هذا الجميل منها كما إنها أهدتني ومن معي صور الشهداء والتي كانت تحملها المشاركات في المواكب للتعزية. ابنة خالتي لم تستطع أن تعبر عن مشاعرها إلا بالبكاء فكانت الدموع هي اللغة الحاضرة وقتها ولا شيء سواها نحتضن به الفاقدات، وكلنا دعاء بأن يمسح الله على قلوبهم بالصبر والرضا والطمأنينة وبأن تبقى شهادتهم حاضرة نستلهم منها دروسا تم تطبيق معظمها على أرض الواقع من تعاون وحرص وتكاتف لحماية بعضنا البعض بيد واحدة تقول لا للإرهاب ولا للدواعش ولا للتكفير في كل مكان!

وبين هذا وذاك جال في خاطري سؤال وماذا سيكون حال المصابين ومن يحتاج للعلاج المكلف والطويل الأمد هل ستتولى الدولة مسؤوليتها في رعايتهم جسديا ونفسيا؟! وماذا عن السجناء المنسيين من أبنائنا وشبابنا؟!، هل ستكون دماء الشهداء التي سالت على التربة التي عشقوها مفتاح للفرج القريب، إنه وعد الله ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة، فهل سننسى ام ستبقى ذاكرتنا مشرعة مفتوحة ومطالبنا عالية مرفوعة نمسح بها على القلوب المنتظرة للصبح القريب، وأنى يكون ذلك إذا أسكتنا ضمائرنا واكتفينا بصفحة في تاريخ كتاب لا يعرف الإنصاف!