آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 8:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

ادفع بالتي هي أحسن

يقول المولى تعالى في كتابه الحكيم: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «34» وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ «35» وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ سورة فصلت.

لقد هذبت الشريعة الإسلامية كثيرًا من الجوانب الأخلاقية الإنسانية خصوصًا التي تختص في معاملات الناس مع بعضهم البعض ومع ورود الكثير من تلك الآيات الشريفة والأحاديث التي تحض على الإحسان إلى المسيء إلا أننا نجد كثيرًا من أفراد المجتمعات الإسلامية تغلب عليهم عند التعرض للإساءة الغريزة السَّبُعية وهي غريزة دفع الألم من باب الرغبة في استرداد الكرامة ورد الصاع للمؤذي وهذا ما نجده للأسف حتى لدى بعض المتدينين، إن ترويض النفس وجهادها هو من أصعب أنواع الجهاد وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه».

ولذا فإن موضوع الإحسان لمن أساء من الأمور الجهادية العظيمة التي يخوضها المرء مع نفسه فالرغبة في دفع الإساءة من الأمور التي يرغب بها المرء لأجل استرداد الكرامة التي يراها قد سُلبت منه أمام المعتدي.. وهو ينسى قول الله تعالى إذ يأمرنا أن ندفع السيئة بالحسنة لنكسر حاجز العداوة مع الآخر وكأن سحرًا ما قد تلي عليه وصار وليًا حميمًا.. لم يأمرنا الله بشيء وفيه استنقاص لكرامتنا - حاشاه سبحانه - ولكن ذلك قمة الإحسان والرفعة.. فكم من علاقات أسرية قد تقطعت لأن أساءة ردت بإساءة وكم من علاقات زوجية قد انتهت لأن كل واحد من الزوجين الذي وصف الله علاقتهما بالمودة والرحمة؛ كل واحد منهما قد اعتبر إساءة الطرف الآخر مسًّا لكرامته ورد الإساءة بالإساءة وكم من صداقات وعلاقات أخوية قد انتهت لذات السبب وكم من عداوات قد خلقت بيد أنها كان من الممكن ألا تكون لو أننا قد استعذنا بالله كما أمرنا؟.. يقول السيد محمد الشيرازي قدس سره وهو يتناول نظريته في اللاعنف «المسالمة»: ”اللا عنف يدًا ولسانًا وقلبًا “ حيث يشكل اللا عنف القلبي أكثر أنواع اللاعنف صعوبة؛ يقول: «أعني، بأن يستقر القلب في مكانه، كأنه لم يكن خصام ومناوئة، يحتاج إلى جهاد طويل، ومكابرة مستمرة، حتى يحصل الإنسان على ملكة قوية تزيل الجبال ولا تزول» ويقول:

”ليس من الهين التمسك بسياسة اللاعنف لأنها تقتضي أولاً التحلي بالشجاعة الكافية، وبالقوة النفسية، وكذلك وجد بأن العنف ثمرته العنف، فالمجتمع الذي يؤمن بالعنف يتربى كل أفراده على العنف، حيث أن من سيئات العنف أنه لن يقتصر على الأعداء فقط، بل يتعداهم إلى الأصدقاء أيضاً، وبتعميم أوسع إلى كل الإنسانية“.

ويضيف: المراد باللاعنف الذي يجب أن يجعله الإنسان شعاراً: اللاعنف الملكي «نسبة إلى الملكة» - القدرة - لا القسري، فإن اللاعنف على ثلاثة أقسام:

الأول: اللاعنف الملكي «بالملكة - القدرة»:

أي تكون نفسيته، بحيث تظهر على الجوارح عن ملكة كما أن الشجاعة والكرم والعفة والعدالة وأشباهها كذلك.

الثاني: اللاعنف القسري الخارجي: أي أن العنف أوجب ذلك، فإن الضعيف - عادة - يلجأ إلى اللاعنف للوصول إلى هدفه.

الثالث: اللاعنف القسري العقلاني: أي أن يرجح اللاعنف على العنف من باب الأهم والمهم، وهو قادر على العنف، لا كسابقه، وهنا لا ينبع «اللاعنف» فيه عن ضمير فضيلة، وإنما يرجحه حيث أنه يراه طريقاً للوصول إلى هدفه [1] .

وما أحوجنا في هذا الزمن المتناحر أن نتدبر في سياسة دفع الإساءة بالحسنة وكل ساعٍ إلى ذلك يدرك تمامًا صعوبة الوصول إليها حيث ذكر تعالى بأنها لا يلقّاها إلا الذين صبروا وذو حظ عظيم حيث أن الحسنة لا تستوي والسيئة وذلك من كمال الإنسانية.

قف الآن مع نفسك.. وتذكر كم علاقة كدت أن تخسر أو قد خسرت فعلاً وأنت ترد الإساءة بالإساءة؟ كم مرة ندمت؟ كم مرة شعرت بالعنف القلبي يتآكلك أمام خصمك أو حتى من كانت بينك وبينه مودة ذات يوم؟ وكم مرة دمر العنف اللساني علاقاتك بمن كان لسانك يثني عليهم ذات يوم وفي لحظة إساءة قد تبدل؟ وكم مرة تعديت بالعنف الجسدي على الآخرين؟ إننا نسيء لأنفسنا قبل الآخرين..

شكرٌ أخير.. لكل من تعرض ذات يوم لإساءة فردها بإحسانه وجعل أفئدة تهوي إليه.

 

[1]  مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
زينب مهدي
12 / 7 / 2015م - 3:32 م
سلمت يمينك لبانة.
2
علي الصايغ
[ جزيرة تاروت ]: 13 / 7 / 2015م - 4:47 م
وأره أن الأحسام أسلوب حياة ..
إذا قابلنا الإحسان بالإحسان ..
فلن ينتهي الإحسان ..

دام قلمك ..