آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:40 ص

غزوات المساجد

محمد أحمد التاروتي *

تفنن اعلام داعش واخواتها في التلاعب بالمفردات الاسلامية لتسخيرها لمآربها الارهابية ولعل ابرزها اختيار مفردة ”الغزوة“ في جميع اعماله الاجرامية التي طالت الابرياء في مختلف دول العالم، بهدف اضفاء صبغة شرعية على عمليات القتل الجماعية التي يمارسها على مدار العام.

فالبيانات التي تتبنى من خلالها كافة اعمالها الارهابية على الانترنت تحمل عبارة ”غزوة“، مما يعزز الاعتقاد بمحاولة الاستفادة من المفردات السائدة في عصر الرسول في عمليات الاجرامية التي تطال الابرياء في مختلف دول العالم.

غزوات المساجد احدى الابتكارات الجديدة التي استخدمها داعش للتلاعب بالعقول ومحاولة شرعنة اعمالها الارهابية التي تستهدف عباد الله في بيوته، اذ لم يعد المرء امنا من القتل بين لحظة واخرى جراء التهديدات المستمرة لخلايا داعش بالانغماس بين المصلين.

داعش حصدت في غضون 3 اشهر اكثر 40 مصليا بخلاف عشرات الجرحى في القطيف والدمام وعسير، والهدف مجموعة ابرياء يقفون امام الله لاداء فريضة الصلاة، اذ لم يفرق الانتحاريون بين مواطن مدني واخر عسكري، فاستباحة الدماء تمثل القاسم المشترك لجميع العمليات الارهابية التي استهدفت المساجد خلال الاشهر الماضية.

الغريب ان جميع ”الغزوات“ استهدفت المصلين خلال صلاة الظهر، مما يستدعي الوقوف مليا امام هذه الظاهرة في عمليات القتل الجماعي الذي تمارسه داعش بحق ضيوف بيوت الله، كما ان القاسم المشترك لهذه الغزوات شباب في مقتبل العمر، اذ لم يتجاوز الانتحاريون حاجز العقد الثالث من العمر، وبالتالي فان القنابل البشرية للغزوات المزعومة ليست سوى عقول تمت السيطرة عليها بوعود كاذبة.

أن استهداف المساجد بالغزوات الانتحارية ظاهرة خلقتها داعش في عقول السذج من الشباب، فمتى كانت بيوت الله تشهد معارك دموية، فالغزوات الحربية ساحاتها معروفة وليست في اماكن العبادة، بيد ان انقلاب المفاهيم وبروز الفتاوى التكفيرية والتلاعب بالنصوص ساهم في خلق حالة فريدة من نوعها خلال السنوات القليلة الماضية.

الشجاعة تبرز في المواجهة على ارض المعركة، فيما تختفي المواجهة في غزوات المساجد، فالانتحاري يقدم على ممارسة القتل بحق اشخاص عزل لا يمتلكون السلاح اللازم للمواجهة، باستثناء سلاح العبادة لله الواحد القهار، الذي يمثل السلاح الاقوى في وجه قوى الظلام والقتل.

أن عملية تحريف الاهداف السامية لمسمى ”الغزوة“ التي برزت خلال حياة الرسول الاكرم ﷺ تدخل ضمن اهداف داعش في تشويه المبادئ الاسلامية السامية التي بشر بها رسول الانسانية، فالعالم المتحضر لم يعد يعرف من الاسلام سوى قطع الرقاب واسالة الدماء في الشوارع والاماكن العامة واخيرا المساجد التي تكتسي حرمة كبرى في الاسلام.

اعادة الاعتبار لمفردة ”الغزوة“ المشوهة بفعل الممارسات الاجرامية للجماعات الارهابية تتطلب جهدا ثقافيا جماعيا وحملة شاملة لكافة المنابر الاعلامية، للحيلولة دون استمرار هذه المنظمات في اختطاف المزيد من المفردات الاسلامية لاغراض ارهابية تتنافى مع المعاني السامية لبعض المصطلحات الاسلامية الموجودة في بطون الكتب او المتداولة في الاحاديث الشريفة، فالعملية ليست سهلة مع الانتشار الواسع للاعلام الارهابية على وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الراهن.

كاتب صحفي