آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:52 ص

مشاركة تركيا.. المسرحية السياسية

محمد أحمد التاروتي *

دخول الطائرات التركية في معركة محاربة داعش في سوريا والعراق وقيامها بقصف بعض المواقع التابعة للجماعة الارهابية داخل الاراضي السورية يمثل تحولا في السياسة التركية التي انتهجتها على الاعوام الاربعة والنصف من عمر الازمة السورية، فانقرة التي طالما اصرت على ضرورة اسقاط نظام بشار الاسد كاولوية في انهاء الازمة السورية بدأت تتراجع مع استمرار الضغوط الامريكية اولا والاضطرابات الداخلية في بلدانها ثانيا.

الرئيس التركي اوردغان وجد نفسه مكبلا باوضاع داخلية مضطربة تتطلب وضع اهداف تكتيكية مؤقتة بهدف العودة مجددا للامساك بمفاصل الحياة السياسية في بلاده، فالانتخابات البرلمانية الاخيرة التي انهت احلامه بالتحول الى النظام الرئاسي بعد خسارة حزبه ”العدالة والتنمية“ للاغلبية الساحقة في البرلمان شكلت صدمة كبرى، دفعت الرئيس التركي لاعادة النظر في سياسته الداخلية وكذلك السياسة الخارجية بما ينسجم مع المعطيات والتطورات المتلاحقة في المنطقة، وبالتالي فان التحرك العسكري التركي ضد داعش لا يمثل استراتيجية جديدة بقدر يعكس تنفيس الاحتقان الداخلي بعد الضربات الموجعة التي تلقتها في اعقاب العمليات الانتحارية التي اودت بحياه العديد من المواطنين الابرياء.

السياسة التركية تجاه داعش مثار جدل كثير وتحمل الكثير من المواربة وعدم الوضوح والالتباس، فالحكومة التركية ساهمت في تنامي هذه الجماعة المتطرفة عبر تأمين طرق امدادها بالعناصر والاسلحة وتمرير عمليات غسيل الاموال وكذلك تمرير صفقات تهريب النفط من سوريا والعراق، وبالتالي فان التحول الاخير تحوم حوله الكثير من الشكوك في مدى مصداقية التحركات العسكرية، خصوصا وان داعش لم تتعرض للضربات الجوية من الطائرات التركية بقدر الضربات التي طالت مواقع حزب العمال الكردستاني التركي في الفترة الاخيرة، مما يعني وجود اهداف سياسية تكمن وراء التحرك التركي الاخير.

قرب الانتخابات المبكرة التركية «نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل» ومحاولة الرئيس التركي اوردغان تغيير المعادلة لحصد اكبر عدد من الناخبين الاتراك للفوز بالاغلبية الساحقة تمثل احد الاهداف السياسية وراء اعلان الطائرات التركية توجيه ضربات لمواقع داعش في سوريا خلال الايام القليلة الماضية، فاستطلاعات الرأي التي قامت بها شركة ”او ار سي“ للتعرف على اتجاهات الناخب التركي اظهرت ان حزب العدالة والتنمية الحاكم سيحصل على نسبة 46% مقابل 41% في الانتخابات الاخيرة، ويليه حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة بنسبة 25.3%، ثم حزب الحركة القومية بنسبة 15.5%، ثم حزب الشعوب الديمقراطية بنسبة 9%، وبالتالي فان الاكراد لن يتمكّنوا من دخول البرلمان وسيخرجون من الانتخابات بدون أي مقعد، وبالتالي الابتعاد عن ممارسة العمل السياسي المباشر.

صدق نوايا الحكومة التركية من التحرك العسكري ضد داعش سيتكشف من خلال المزيد من الممارسات على الارض، فالتحرك العنيف ضد حزب العمل الكردستاني في الفترة الاخيرة عبر توجيه الكثير من الضربات الجوية سواء داخل العراق او سوريا يترك الكثير من علامات الاستفهام بشأن الاهداف الحقيقية وراء انضمام تركيا للتحالف الدولي لمحاربة المنظمات الارهابية، فانقرة تنظر للامر بشكل مختلف تماما عن نظرة واشنطن، فالاولى ”انقرة“ تولي الاكراد الاولوية في العمل العسكري فيما تعتبر الثانية ”واشنطن“ محاربة داعش اولوية في المرحلة الراهنة.

كاتب صحفي