آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

حقوق الإنسـان تحت الصـفر «1 - 2»

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

ترتبط حقوق الإنسان ببنية الأنظمة السياسية والاجتماعية ومستويات الوعي الفردي، فالمواطن ينتج النظام السياسي الذي يتكيّف مع مزاجه السياسي ويتعامل مع المتغيّرات صعودًا وهبوطًا وفقًا لأداء المنظومة السياسية، وتلك الحقوق وإن لم تكن منصوصة مباشرة فإنها في الواقع تتقاطع مع جميع المعطيات والتفاصيل الهيكلية للدولة، ولذلك تصحُّ مقولة إن كل إنسان يمتلك فكرة سياسية؛ لأن السياسة في خلاصتها تدبير لشؤونه التي ترتبط بحقوقه الإنسانية في السكن والمعاش والعمل وممارسة حياته بصورتها الطبيعية التي لا يُضار أو ينتقص منها شيء طالما التزم بالأنظمة.

متغيّرات العملية السياسية في العالم العربي على نحو ما جرى فيما يُعرف بالربيع العربي تتماس بصورة عميقة مع حقوق الإنسان، فتلك الحقوق في الواقع هي المحرّك الجوهري والمحفز الأصيل لحالة الحِراك التي تمّت في غير بلد عربي حين وصلت الى أدنى مستوياتها، وهي الحالة التي تنتج فكرة الصراع مع السلطة وبالتالي بروز فكرة التغيير، ولأن الحالة في إطارها العام مما يندرج في سياق الوضع المجتمعي فهي ذات صبغة شمولية لا تستثني كل المكونات الاجتماعية وفي مقدّمتها الطفولة التي تستقي من مشاهد التغيير بما يرسخ في عقلها الباطن ويؤسس لفكرة متقدّمة وصادمة عن الوضع الحقوقي خاصة إذا ما ارتبط ذلك بمشاهدات مباشرة يتعرّض فيها الأطفال لأي عبث ببراءتهم وحقهم الطبيعي في أن يبقوا بعيدين عن الخشونة الفكرية التي يولدها عنف المظاهرات والصدام مع القوة السلطوية.

المستوى الإدراكي للطفل يبدأ في استيعاب المجريات منذ السنة الخامسة بحسب كثير من الدراسات السيكلوجية، وبما أن غالب الشعوب العربية شابة فهي في مرحلةٍ مبكرة لتحصل على أي نتاجات عنيفة تحتمل خللًا في الحقوق وبالتالي التشويش عليها في فهم الوقائع بصورة تستوعبها دون انطباعات تعلق في الذهن والذاكرة بصورة سلبية تلازمها طوال حياتها، فثورات الربيع العربي للأسف أحدثت خدوشًا وتشوّهات عميقة في بنية الطفل العربي ربما كانت أصعب من تلك التي ظل يشاهدها الأطفال من مناظر الدمار والموت فيما يلحق بإخوتهم في فلسطين والتي كانت بمثابة ظاهرة تناولت تأثيراتِها السلبية كثير من الدراسات والأبحاث «نموذج إيمان حجو ومحمد الدرة».

تراجع المستوى الحقوقي في أعقاب الثورات العربية ظاهرة تشكّل تحوّلًا مثيرًا للاهتمام في تشكيل البنية النفسية والذهنية للطفل العربي حتى في البلدان التي لم يأتِها طوفان الربيع، فقاموس أولئك الأطفال أصبح محتشدًا بكثير من المصطلحات والمترادفات الثورية التي تفوق مستوى إدراكهم وذلك بكل تأكيد يشغب على حقهم في التطور الطبيعي والمتوازن، فهم وإن بدوا في حالة عقلية تناقش ما يشاهدونه من يوميات الثورات وتداعياتها إلا أن ذلك ليس مؤشرًا لنمو عقلي كبير بقدر ما هو حالة انتفاخ ذهني تعوق الإدراك الطبيعي وتحرمهم بناء القوة الضرورية للتفكير بذات الصورة المنهجية الطبيعية السلسة، وذلك مما يجعل أطفال اليوم هم ضحايا للغد، إذ إن بناء شخصيات عدائية «سيكوباتية» يأتي من خلال حالة الصراع التي ينشأون فيها ويتفاعلون معها رغمًا عنهم، فالثورات للأسف أنتجت صورًا ذهنية في غاية السوء لمجايلين لهم تسيل دماؤهم في الطرقات، ويشاركون في العنف والعنف المضاد بصورةٍ رئيسية بل ويتلقون الرصاص كما الكبار.