آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:40 ص

اللاجئون السوريون.. النفاق السياسي

محمد أحمد التاروتي *

احدثت جثث اللاجئين السوريين الطافية على مياه البحر الابيض المتوسط صدمة كبرى في ضمير الشعوب العالمية، مما شكل محركا لدى بعض الشعوب الغربية للضغط على حكوماتها لفتح حدودها لاستقبال مئات الآلاف الهاربة من جحيم الحرب الدائرة في سوريا للعام الخامس على التوالي.

الازمة السورية التي شهدت الكثير من السيناريوهات على مدى الاعوام السابقة، لا يبدو في طريقها للحل السلمي بالرغم من الجهود الاممية المبذولة حاليا وكذلك تحرك بعض الاطراف الفاعلة على الساحة السورية ومنها روسيا، فالتحركات ليست قادرة على اذابة جليد الثلوج المتراكمة جراء التدخلات الدولية على خط الازمة منذ البداية لتحقيق مصالحها السياسية.

تدفق مئات الآلاف من اللاجئين باتجاه الدول الاوروبية يمثل افرازا طبيعيا لحجم المعاناة والذل الذي واجهه اللاجئون السوريون طوال السنوات الماضية في المخيمات التي تفتقر لادنى مقومات الحياة الانسانية فضلا عن الحياة الكريمة في دول الجوار التي لجأ اليها السوريون مع تصاعد الة التدمير لمناطقهم، فحياة الاستقرار الامني التي ينعم بها المواطنون السوريون في بلادهم قبل الازمة ذهبت بغير رجعة مع حجم الدمار الذي طال جميع الجغرافيا السورية.

المشكلة التي يتقاذف تحميل مسؤوليتها كل طرف تجاه الطرف من اطراف الصراع السياسي والمسلح ولدت مآسي عديدة في المجتمع السوري، فالهجرة الجماعية هربا من الموت تأتي كطوق نجاة لغاليية القابعين في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة، حيث يركب الكثيرون قوارب الموت على امل الحصول على محطة امنة في احدى الدول الاوروبية البعيدة عن مناطق الصراع في الشرق الأوسط.

خروج الازمة عن السيطرة وامتداد لهيب نيرانها لكافة المناطق ودخول بعض الدول المجاورة على خط الازمة، فضلا عن غياب الافق بقرب عودة الوئام وانتهاء الامال بالحسم العسكري للحرب الدائرة حاليا، عوامل محفزة لاقدام اللاجئين على التضحية بالغالي والنفيس في سبيل الحصول على موطأ قدم امن، فعملية الوصول الى ”جنة“ اوروبا محفوفة للمخاطر سواء من خلال التعرض للموت في وسط الامواج العاتية في البحار او التعرض للموت عطشا او جوعا اثناء رحلة المعاناة الطويلة التي تستمر لاكثر من شهر تقريبا.

التوجه لاوروبا يأتي بعد اغلاق كافة الحدود العربية في وجه عشرات الالاف من السوريين منذ اندلاع الازمة والاكتفاء ببيانات الاستنكار والادانة وفي بعض الاحيان باستمرار تمويل الجهات المتصارعة بالسلاح لاستدامة الة الموت التي تحصد يوميا العشرات في مختلف المدن.

أوروبا التي فتحت ذراعها لاستقبال مئات الالوف خلال الايام القليلة القادمة تهدف لامتصاص النقمة الشعبية في بلدانها اولا والظهور بمظهر المناصر للازمة الانسانية التي يكابدها مئات الآلاف العالقين في الحدود، فيما لا تغيب المصالح الاقتصادية عن القرار لدى بعض الدول الاوروبية، خصوصا وان الاقتصاديات الاوروبية بحاجة الى عمالة تسهم استمرارية المصانع على الوتيرة نفسها، وبالتالي فان العمالة السورية تمثل الخيار الجاهز والمطلوب، نظرا لتوافر الاشتراطات المطلوبة وهي رخص الاجور وامتلاك المؤهلات الحرفية والمهنية والعامل الاهم ان الشباب يمثلون الغالبية العظمى من النازحين، مما يشكل عنصر أساسي لمواجهة تحديات المرحلة القادمة مع تقدم بعض الشعوب الاوروبية في العمر.

كاتب صحفي