آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:40 ص

المهرجانات.. الهوية الوطنية

محمد أحمد التاروتي *

تشكل المهرجانات نافذة هامة في ابراز الموروث الثقافي للواجهة عبر تسليط الضوء على بعض العادات الاجتماعية التي تمثل مرآة للثقافة السائدة في المجتمع خلال الحقب الماضية، لذا فان غالبية المهرجانات على المستوى العالمي تسعى لاثارة العادات المنقرضة سواء كانت في العصور الماضية او العهد القريب، بهدف تقديمها للعالم كجزء من التراث التاريخي، فالمجتمعات البشرية مرت على مراحل متعددة للتطور، مما يجعل كل محطة من المحطات مرحلة ثقافية هامة تتطلب التركيز عليها في ربطها بالارض التي تعيش عليها في الوقت الراهن.

المهرجانات ليست خيام واكشاك للتسوق والترويج للسلع سواء كانت محلية او مستوردة، بقدر ما تمثل هوية ثقافية للمجتمع، فعملية تحويل المهرجانات الى التسلية فقط دون التركيز على اثارة بعض المهن والحرف القديمة المندثرة او المهددة بالانقراض امر محبط للغاية، فقد تحولت بعض المهرجانات الى واجهة للتنزه وقضاء بعض الاوقات ورحلة تسوق بين الاكشاك في الخيام التي تعرض مختلف انواع السلع الغذائية والكمالية، مما يجعلها وجهة تسوق بالدرجة الاولى، فيما يشكل العنصر الثقافي الغائب في العديد من المهرجانات التي تنظم في الوقت الراهن.

معظم المهرجانات التي تنظم في اوقات متفرقة من العام لا تختلف عن بعضها البعض باختلاف المسميات، فيما المضمون نسخة مكررة، فالشخصيات التي تحتل الواجهة الاعلامية تتكرر بديكورات اخرى، الامر الذي يستدعي التوقف للمراجعة لاعادة النظر في الاهداف المرسومة لاقامة تلك المهرجانات التي تستنزف العديد من الملايين سنويا، سواء عبر تجهيز المواقع او الدعاية الاعلانية او غيرها من الموارد المختلفة للانفاق، فالعملية ليست للتسلية فقط بقدر ما تهدف لتكريس هوية وطنية تكون علامة بازرة في السنوات القادمة.

زيارة واحدة لاحدى المهرجانات تكفي لرسم صورة موحدة للاسماء الاخرى التي تطلقها المهرجانات على نفسها، فمهما طبلت الادارات سنويا بمفاجآت كبرى ستبهر الجمهور ووجود افكار جديدة لاستقطاب اكبر عدد من الزوار، فانها تفشل في نهاية المطاف في الحصول على التصفيق المطلوب، فالتغيير يقتصر على الديكور الخارجي فيما التغيير الجوهري يبقى غائبا في الغالب، مما يحول دون تحقيق الهدف الاساسي من وراء تنظيم تلك المهرجانات وهو تكريس الهوية الوطنية الخاصة بالمنطقة لتكون علامة بارزة في الوطن.

لاريب ان المهرجانات استطاعت تحريك المياه الراكدة واماطة اللثام عن بعض التقاليد والعادات الاجتماعية المدفونة عبر استضافة اصحاب المهن القديمة، وهي جهود كبيرة تحسب لادارة تلك المهرجانات، بيد ان العملية بحاجة الى عمل دؤوب ومضني على مدار العام للبحث عن افكار جديدة تتجاوز مثل هذه المهن والحرف لتلبية الهدف الاستراتيجي، خصوصا وان المهرجانات تعتبر عنصر استقطاب وموسم دعائي كبير سواء بالنسبة للقدرة على استقطاب الزوار خلال الفترة المحددة للفعاليات او بالنسبة لاستضافة الرجالات والشخصيات الثقافية القادرة على وضع الدراسات التي تتناول المجتمع في الحقب الماضية، مما يشكل خطوة ضرورية نحو تكريس الهوية الوطنية في نهاية المطاف.

كاتب صحفي