آخر تحديث: 4 / 4 / 2020م - 4:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

فواطم حول أمير المؤمنين

تمر علينا هذه الأيام الذكرى العطرة لميلاد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب المولود في جوف الكعبة في يوم الجمعة 13 رجب، قبل البعثة النبوية باثنتي عشرة سنة. والده هو «أبو طالب» المعروف بشيخ الأبطح وسيد البطحاء وهو أخ شقيق لوالد رسول الله «عبد الله» وأمهما تدعى فاطمة بنت عمرو بن مخزوم، ووالدته هي «فاطمة بنت أسد». وجده لأبيه هو «عبد المطلب» من عائلة شريفة من نسل نبي الله إبراهيم الخليل وقد دانت له قريش بالفضل والسماحة والكرم والسؤدد.

سبق الإمام علي إلى الإسلام، ونال درجة من الإيمان لا تعلوها إلا درجة أخيه رسول الله وسبق إلى الجهاد والفداء، ففدى الرسول بنفسه وبات على فراشه يقيه خطر الاغتيال. كان الإمام السابقَ إلى كل فضيلة، حتى نزل في شأنه ما لم ينزل في غيره من الآيات الكريمة ومنها قوله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون". لم تنحن جبهته لغير الله أبدا، وفيه تجسدت وترعرعت مبادئ الإسلام العظيمة، فهو الذي فتح عينيه في أحضان النبوة طفلا، ثم غذاه سيد البشر من ينابيع الحكمة والبلاغة والعلم.

قال فيه الرسول الكثير ومن ذلك: "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب"، وكذلك: "لو أنّ الرياضَ أقلام، والبحرَ مِداد، والجِنّ حُسّاب، والإنس كُتّاب، ما أحصَوا فضائلَ عليّ بن أبي طالب". وقال فيه يوم غدير خم: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". وقال فيه الإمام الحسن : "محمد وعلي أبوا هذه الأمة، فطوبى لمن كان بحقهما عارفا، ولهما في كل أحواله مطيعا، يجعله الله من أفضل سكان جنانه، ويسعده بكراماته ورضوانه".

الإمام علي مثال يحتذى به لتشجيع المعرفة وتأسيس الدولة على مبادئ العدالة واحترام حقوق الإنسان، كما جاء في تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بحقوق الإنسان وتحسين البيئة والمعيشة والتعليم. اشتمل التقرير على مقتطفات من التعاليم التي أوصى بها الإمام ومنها ضرورة المشورة بين الحاكم والمحكوم، ومحاربة الفساد الإداري والمالي، ومنح العدالة لجميع الناس، وتحقيق الإصلاحات الداخلية. واحتوى التقرير مقتطفات من وصايا الإمام ومنها: "أن مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، فمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ". وفي وصية لواليه مالك الأشتر: "ولا تكونن عليهم سبعاَ ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق". ويقول أيضا: "لا يصلح شان الناس إلا بالتعايش والتعاشر"، وأيضا: "مَنْ استبد برأيه هلك ومَنْ شاور الناسَ شاركها في عقولها". وفي مجال التعليم: "وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلادِكَ وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ". وعن أهمية التقدم العلمي: "ولا وعاء أفضل من العلم".

أحاط بالإمام علي مجموعة من الفواطم منهم: والدته «فاطمة بنت أسد»، وزوجته «فاطمة الزهراء» بنت رسول الله، وزوجته بعد وفاة الزهراء «فاطمة بنت حزام».

فاطمة بنت أسد :

هي والدة الإمام علي وقد إحتضنت الرسول ورعته بعد أن كفله عمه أبو طالب، وأولته عناية خاصة وكانت تؤثره على أولادها في المطعم والملبس. ويروى أن أبا طالب لما أتاها بالنبي قال لها: اعلمي أن هذا ابن أخي، وهو أعز عندي من نفسي ومالي، وإياك أن يتعرض علَيه أحد فيما يريد، فتبسمت وقالت: توصيني في ولدي محمد وإنه أحب إلي من نفسي وأولادي؟!

فاطمة بنت أسد هي من السابقين إلى الإيمان، وكان الرسول يكرمها ويعظمها ويدعوها أُمي. عند وفاة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ، كان عمر الزهراء لا يتجاوز خمس سنوات، وكانت أحوج في طفولتها الغضة إلى صدر حنون تأوي إليه، وقلب رحيم ودود يعوضها، ولم يكن ذلك الصدر الحنون والقلب الرحيم الودود سوى صدر فاطمة بنت أسد.

نقل المؤرخون أنها توفيت وعمرها 65 عاما، وعندما جاء الإمام علي ليخبر النبي بوفاتها، قائلا: أمي ماتت، أجابه: وأمي والله، ثم بكى قائلا: وا أماه. وحمل النبي جنازتها حتى أوردها قبرها، ثم وضعها واضطجع في القبر، ثم وضعها في القبر وسوى عليها التراب، ثم انكب على قبرها يقول: "لا إله إلاّ الله، اللهمّ إنّي أستَودِعُها إيّاك". فقال المسلمون: إنا رأيناك فعلت أشياء لم تفعلها قبل اليوم، فقال: "اليوم فَقَدت بِرّ أبي طالب، إنْ كانت لَيَكون عندها الشيءُ فتُؤثِرني به على نفسها ووُلدها، وإنّي ذكرتُ القيامة وأنّ الناس يُحشَرون عُراةً، فقالتْ: واسَوْأتاه! فضمنتُ لها أن يبعثها اللهُ كاسيةً، وذكرتُ ضغطةَ القبر، فقالت: واضَعفاه! فضمنتُ لها أن يكفيَها اللهُ ذلك، فكفّنتُها بقميصي واضطجعتُ في قبرها لذلك".

فاطمة الزهراء :

شخصية البتول الطاهرة السيدة فاطمة الزهراء من الشخصيات الهامة في التاريخ فهي خير نساء العالمين من الأولين والآخرين. وهي بنت رسول الله وأمها أم المؤمنين خديجة . وقد القي على عاتق الزهراء مهمة عظيمة فقد جعل الله سبحانه وتعالى ذرية الرسول منها دون سواها ولم يخلف له من بنيه غيرها وجعل من نسلها المهدي المنتظر باتفاق كافة الفرق الإسلامية.

مكانة الزهراء عند الرسول عظيمة فقد روى أنه إذا رجع من غزوة أو سفر أتى المسجد فصلى فيه ركعتين ثم ثنى بفاطمة ، ثم يأتي أزواجه. كما روي أن النبي كان إذا سافر، كان آخر الناس عهدا به فاطمة، وإذا قدم من سفر كان أول الناس به عهدا فاطمة.

قصة زواج الزهراء فيها الكثير من العبر فقد أختير الإمام علي من دون الصحابة الذين ألحوا على الرسول كثيرا ليظفروا بمصاهرة نبيهم ولكنه أبى. وعندما أتى الإمام علي الرسول قائلا: فاطمة تزوجنيها؟ أتى فاطمة وقال لها: إن علي ممن قد عرفت قرابته وفضله في الإسلام، وإني سألت ربي أن يزوجك خير خلقه واحبهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئا، فما ترين؟ فسكتت ولم تول بوجهها ولم ير فيه رسول الله كراهة، فخرج وهو يقول: الله اكبر، سكوتها إقرارها.

سيرة الزهراء عظيمة فهي بحق المرأة المثالية وقدوة لنا جميعا فهي السباقة إلى كل الفضائل وجميع الحسنات. وهي "أم أبيها" حيث كانت بمنزلة الأم لرسول الله، كما أنها خير زوجة، وفي هذا يخاطبها الإمام علي: "أنت اعلم بالله وأبر واتقى وأكرم وأشد خوفا من الله أن أوبخك غدا بمخالفتي". وكانت خير أم فكانت تقوم بشؤون أبنائها وتربيتهم وتغذيهم بالفضيلة والتقوى، وقد ورد إنها كانت تستفسر الإمام الحسن عند رجوعه من المسجد، وكان طفلاً صغيراً، عن كلام جده رسول الله وخطبته في المسجد. وكانت تهيئ أولادها لمختلف ميادين العبادة والجهاد، وتعتني بخدمتهم الجسدية من غسل وكنس وطبخ ونسج وغير ذلك.

قال: "فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني"، وقال سبحانه وتعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا". وقد عاشت الزهراء بعد وفاة أبيها حزينة لما جرى عليها وعلى زوجها وآل البيت من أذى كما يروي الإمام الباقر : "ما رأيت فاطمة ضاحكة قط منذ قبض رسول الله حتى قبضت". وقد أخبرها الرسول بأنها أول اللاحقين به حيث توفيت وكان عمرها عند وفاتها ثماني عشرة سنة.

فاطمة بنت حزام :

فاطمة بنت حزام من سادات العرب وأشرافهم وزعمائهم وأبطالِهم، وأبوها حزام بن خَالد بن ربيعة. وهي زوجة الإمام علي بعد وفاة الزهراء وتكنى بأم البنين وكانت مثالاً شريفاً بين النساء في الخلق الفاضل الحميد.

أراد الإمام علي أن يتزوج من امرأة تنحدر عن آباء شجعان كرام، ليكون له منها بنون ذوو خصالٍ طيبة عالية. فطلب من أخيه عقيل، وكان نسابة عارفا بأخبار العرب، أن يختار له امرأة من ذوي البيوت والشجاعة. فأجابه عقيل قائلا: أخي، أين أنت عن فاطمة بنت حزام الكلابية، فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها. ثم مضى عقيل إلى بيت حزام ضيفا فأخبره أنه يخطب ابنتَه الحرة إلى علي. فلما سمع حزام ذلك هش وبش فرحا بمصاهرة ابنَ عم المصطفى، وهكذا تم الزواج.

أم البنين من النساء الفاضلات، وكانت فصيحة بليغة ورعة ذات زهد وتقى، تميزت بالوفاء فعاشت مع أميرِ المؤمنين في صفاء وإخلاص، وعاشت بعد شهادته مدة طويلة لم تتزوج من غيره. وذكر بعض أصحاب السير أن شفقتها على أولاد الزهراء وعنايتها بهم كانت أكثر من شفقتها وعنايتها بأولادها الأربعة - العباس وأخوته - .

وبعد عمرٍ طاهر قضته أم البنين بين عبادة لله سبحانه وتعالى، وصبرها على ما مر بها من فجائع مذهلة بشهادة زوجها أمير المؤمنين في محرابه وأبنائها الأربعة في ملحمة عاشوراء الحسين ، توفيت في 13 جمادى الآخرة سنة 64 هـ.

أختم بأبيات من قصيدة في الإمام علي للشاعر اللبناني المعروف «جوزيف الهاشم»:

نِعْمَ العليُّ، ونعمَ الاسمُ واللقبُ     يا منْ بهِ يشرئبُّ الأصلُ والنسَبُ
الباذخانِ: جَناحُ الشمس ظِلُّهما   والهاشميّان: أمُّ حرّةٌ وأَبُ
لا قبلُ، لا بعدُ، في "بيت الحرام"، شَدَا   طِفلُ، ولا اعتزَّ إلاَّ باسْمِهِ رجَبُ
يومَ الفسادُ طغى، والكُفْرُ منتشرٌ   وغطْرسَ الشِرْكُ، والأوثانُ تنتصبُ
أَللهُ كرَّمهُ، لا "للسجود" لها   ولا بمكّة أصنامٌ ولا نُصُبُ
منذورةٌ نفسهُ للهِ، ما سجَدَتْ   إلاّ لربّكَ هامٌ، وانطَوْتْ رُكَب

عضو المجلس البلدي بمحافظة القطيف