آخر تحديث: 27 / 5 / 2020م - 11:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

مفاجأة صادمة بحجم الموت مرتين..!!

أحمد علي الشمر *

لقد كانت كول المراثي التي تناولتها سابقا، عن أصدقاء ومعارف أو زملاء أو مفكرين رحلوا عن دنيانا الفانية، كنت قد عرفتهم وجالستهم ولامست مشاعرهم وتوجهاتهم عن قرب وخبرة ومحاكاة، أنضجت جل تجربتي الأليمة نحوهم، عبر تلك اللمسات الإنسانية التي استقيتها وكتبتها من واقع مخالطتهم وتلمس بصمات شخصياتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم الفياضة، التي استقيتها من خلال علاقتي بهم، وما دونته خواطري عنهم خصوصا، بعد مغادرتهم للحياة بتلك الطريقة الظرفية التسلسلية الدرامية الدراماتيكية المأساوية المفاجأة، مما جبل عليه الإنسان في هذه الحياة، وبالتالي ما تركته آثارهم في وجداني من أحاسيس الحسرة وألم الفراق، لتلكم الثلة الخيرة من هؤلاء الرفاق وهي تغادر دنيانا الفانية، فكنت وما زلت رغم الفراق أكن لهم كل الحب والإخلاص والوفاء، فكان رثائي لهم في تقديري صادقا ومعبرا.

وأما فقيدتنا الغالية جود واسمها من الكرم والجود والسخاء والعطاء والإيثار، وغيره، مما أشبعه وأوغل في تعريف معانيه الفلاسفة والشعراء، إلى حد اقترنت فيه أكثر تلك المعاني دون مبالغة بالفلسفة منها إلى القداسة.

فالله سبحانه وتعالى هو الجواد، ولاشك أن جوده قد عم الوجود بفضله وخيره وإحسانه، فهو الجواد الذى لا ينسى من ذكره ولا يخيب من رجاه ولا يرد من سأله، فمن هذه المعاني الملائكية الفلسفية يتفرع اسم جود.

وأما جود الطفلة الغضة البريئة الفقيدة ذاتها، التي عرفتها أخيرا وبعد فوات الأوان، وهي تغادرنا في غيابها الأبدي، فقد كانت نموذجا مختلفا في تداعي وضع الحدث الكارثي المأساوي، المؤثر بمدى هول فاجعته، وما أصاب الجميع من ذهول وعمق في جرح هذا الرحيل المفاجئ والسريع، ومدى تأثيره النفسي البالغ الذى أذهل وخيم بفاجعته، ليس فقط على والدها ووالدتها المكلومين فحسب، ولكن كذلك على جميع أفراد أسرتها الكبيرة، وبما في ذلك من بعد عميق للأثر الشخصي الذى انتابني وانعكس بداخلي أنا البعيد رغم قرابتي منها.

ومسوغه هنا ليس لأنها ابنة بنت أخي، ولا لأنها ابنة بنت عمتي، ولا لأني عاطفي بطبعي في تأثري بمثل هذه المواقف، ولكن ويا لسوء الأقدار لأني لم التقها ولم أرها يوما، إلا في ذلك اليوم المشهود، يوم الرحيل وجسدها الطاهر وهو مسجى على نعش الموت، وتلك من سخط الأقدار لذروة فاجعتي الصادمة، التي هزت كياني واصابتني كمدية حادة اخترقت جوفي وفتت ضلوعي وطعنت خاصرتي وشلت تفكيري وقدرتي على الكلام والحراك، مما أصابني من ذهول صادم سيطر على كياني وكل جوارحي بشعور اللاوعي وبحجم رعب من تلمس الموت لمرتين.

مرة تجسد في كينونة غياب جود ذاتها عني أو غيابي القهري عنها، وكانت حية نابضة بالحياة، بفعل عوامل وظروف العصر والحياة التي كانت سببا من أسباب تمزق نسيجنا الاجتماعي، الذى ذهبنا لأجله نسوغ له التبريرات في تباعدنا وتفكك أسرنا، تحت دواعي زائفة مبررها الانشغال والحجج الواهية، فلم يعد أحد منا يعرف بعضنا بعضا، حتى تقطعت سبلنا وأوصالنا..!!

تلك حقيقة مرة للأسف تلف وتمزق واقعنا الاجتماعي، بهذه الصور المقيتة المنكرة، والبعيدة كل البعد عن تقاليدنا وأطر قيمنا الدينية والاجتماعية..!!

وأما المرة الثانية لهذه المفاجأة الفاجعة لصدمتي في جود، فهي حين رأيتها لأول وآخر مرة في ذلك المشهد المهول المريع، الذى قطع نياط قلبي وجسد كل صور برائتها الطفولية، واختصر كل مسافات ذكرى حياتها وكل مشاعري نحوها، وأنا أنظر إليها وهي ملفوفة بكفنها ممدة بجسدها الطاهر على نعش الموت وأنا أتمزق وقلبي يعتصر ألما، لا اكاد أصدق وأستوعب ما أرى لحقيقة مشهد موتها المروع، فحين هويت لتقبيلها قبلة الوداع الأخيرة، كان جسدها غضا طريا لمست حرارته وكأنها نائمة، فكم كنت لو اني في حلم مرعب استيقظت بعده على مشهد مبهج، يبعد عني شبح هذا الكابوس اللعين من تلك الخيالات المزعجة.!!

ولكن ما لقضاء الله بد وراد، فهو الموت الذى لابد منه، فقد قال إمامنا وسيدنا ومولانا الحسين الشهيد سلام الله عليه من قبل «خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف»

رحم الله فقيدتنا الغالية جود برحمته الواسعة وأسكنها فسيح جنانه..

متضرعا لله سبحانه بأن يلهم أهلها وجميع اسرتها جميل الصبر والسلوان، وأن يعوضهم بفقدها خيرا ويجزيهم خير الجزاء..

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى:

﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة، قالوا ان لله وانا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.

صدق الله العلي العظيم.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»