آخر تحديث: 26 / 5 / 2019م - 2:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قراءة في كتاب سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة

حسن آل جميعان موقع المقال

بعد ثورات الربيع العربي وما أفرزته من قيم أصبحت الشعوب العربية أكثر إصرارا على أن تكون مصدر السلطات وليس تابعا للحاكم المتغلب بالنسبة إلى السنة أو الولي الفقيه بالنسبة إلى الشيعة، فتكون سيادة الأمة بيد الشعب لا بيد فرد، وصار الناس يطالبون بحقهم في الحرية والكرامة و” العدالة ” التي لا تستقيم إلا بسيادة القانون الذي يحميها من تغول السلطة أو الحاكم في كل مفاصل الدولة، وكذلك بإيجاد مؤسسات المجتمع المدني التي تكفل مشاركة الجميع في صنع القرار والمشاركة الفعالة.

من هنا ينطلق كتاب ” سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة، نحو فضاء أمثل لتجسيد مبادئ الإسلام ” للكاتب عبدالله المالكي الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، حيث يشير في مقدمته: ” في ظل الثورات العربية وتحرير إرادة الشعوب وإزالة الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة يبرز مشروع «الإسلام السياسي» مرشحا قويا لاستلام الحكم وإدارة البلاد وتحقيق الانتقال بالواقع السياسي وتحوله من فضاء الاستبداد إلى فضاء الديمقراطية”.

ويعد الكاتب أن المتابع للحراك الثوري في الربيع العربي لن يتردد مع نفسه لحظة في القول بأن الشعوب الثائرة لم تخرج إلا لأجل تحقيق «الحرية والكرامة والعدالة»، ويؤكد أن الشعوب إنما خرجت لكي تطالب بحقها السيادي على أوطانها وعلى أرضها وثرواتها، وتبني دولة الحقوق لكي يكون القانون فوق الجميع وليس فوق الضعفاء من دون الأقوياء.

خرجت الشعوب لكي تمارس حقها في تأسيس مجتمعها المدني الحر في الأصعدة والمجالات كافة من دون وصاية أو قمع أو إرهاب.

هذا ما يؤكده المالكي الذي يصر على أن الأمة خرجت لكي تسترد سيادتها على أوطانها أولا، ولكي تكون المصدر الوحيد للسلطة وللشرعية، هي بذاتها، وليس الفرد المتغلب، ولا العائلة الحاكمة، ولا الحزب الواحد.

ويغوص المالكي بعد مقدمته التأسيسية في توضيح الفرق بين الشريعة وتطبيقها، فالشريعة عبارة عن معطى إلهي منزل مستمد من نصوص الوحي متمثل في المحكمات والقطعيات والكليات الشرعية. أما التطبيق فهو فعل بشري اجتهادي تاريخي لذلك المعطى الإلهي وهو غير معصوم؛ فالتطبيق ليس دينا بالضرورة بل قد يكون مخالفا للدين وقد يكون مفسدا لغايات التشريع ومناقضا لمقاصده وهذا يعني أن «تطبيق الشريعة» قد يكون معارضا ل «الشريعة» ذاتها.

ويقسم الشريعة من جهة علاقتها بالسلطة والفعل السياسي إلى قسمين:

1 - أحكام شرعية إيمانية فردية أخلاقية.

2 - وأحكام شرعية إيمانية اجتماعية حقوقية.

هذا التقسيم يتصالح مع مبدأ الحريات الفردية، فالقسم الأول لا يتصف بصفة قانونية حقوقية وثَمَّ لا يحق للسلطة التدخل في فرضه، أما القسم الثاني فهو معبر عن واجبات إيمانية أخلاقية حقوقية قانونية تتصل بعلاقة الفرد بالمجتمع تتولى الأجهزة السلطوية مهمة إلزام الفرد بأدائها، وعليه ينحصر إلزام الدولة بالأحكام الشرعية على ما يتعلق بالحيز العام، أما الحيز الخاص فتدخل الدولة فيه عبر الإلزام بالأحكام الشرعية يولد النفاق في المجتمعات الإسلامية حيث يلتزم الفرد خوفًا من العقوبة لا تعبيراً عن قناعة وإيمان.

ويحدد الكاتب بعد ذلك مفهوم السيادة: ” الأمة بمجموعها حين تكون صاحبة السيادة فهي التي تلزم نفسها بنفسها عبر القانون الذي ترتضيه وفق التعاقد المشترك مع قناعاتها وقيمها وأهدافها وغاياتها في هذا الوجود وعبر حكومة تنفيذية منتجة تحتكر ممارسة هذا الإلزام وفق تفويض الأمة لها بهذا الاحتكار وهذا التفويض مبني على الإرادة الحرة والمستقلة ومن دون وصاية من أحد من الخلق بحيث يكون القانون وتكون الحكومة المنفذة لهذا القانون معبرة - إلى حد كبير - عن إرادة الشعب ”.

ويرى الكاتب أن الباحث لو رجع إلى خطابات الإصلاحية الإسلامية منذ بداية القرن الماضي أي إلى عهد ما قبل تشكل نظرية «الحاكمية» ونظرية «ولاية الفقيه» لاكتشف أن كتابات العلماء والمفكرين الإسلاميين تتجه أكثرها إلى اعتبار أن «الأمة مصدر السلطات» في الإسلام.

ويعد المالكي أول مدخل شرعي وقانوني لإثبات سيادة الأمة هو مبدأ «أولية الحرية» فالناس من حيث الأساس الفطري ولدوا أحرارا ابتداءً قبل أن ينبثق لهم أي سلطان مادي أو معنوي، وأما الاستبداد فهو عارض وطارئ عليهم وثَمَّ فالناس - بناء على هذا الأصل - أحرار في اختيار قناعاتهم وسلوكياتهم وتقرير مصيرهم بمحض إرادتهم ولا حق لأحد في مصادرة هذا الحق البشري من أحد لأنه لا ولاية لأحد من الناس على أحد من حيث الأصل فالناس أحرار ابتداءً وثَمَّ فلهم السيادة على أنفسهم وعلى أمرهم وعلى خياراتهم وقناعاتهم بحسب القضاء الإلهي.

ويضيف أيضا بأن الإسلام جعل الحرية مبدأ أصيلا يضرب بجذوره في أصل الاعتقاد وذلك عبر عقيدة «التوحيد» وهي الفكرة المركزية العميقة التي تتمحور حولها جميع المبادئ والقيم والتصورات الإسلامية فالتوحيد في جوهره هو عمق «التحرر»؛ التحرر من كل سلطان في هذا الوجود سواء أكان سلطانا خارجيا كسطوة الحكام ورجال الدين والعادات والتقاليد أو سلطانا داخليا كالأهواء والشهوات والخرافات.

الشعوب العربية لم تخرج لأجل الخروج ولكن خرجت لكي تسترد كرامتها وحريتها التي سلبت منها وتحقيق العدالة وسيادتها، وأن تكون هي مصدر السلطات أي أن تكون السيادة بيدها لا بيد غيرها «سيادة الأمة»، هذا لا يعني أن الأمة خرجت ضد هويتها وإنما خرجت لإعادة هويتها التي اُستلِبت وشُوِّهت من قبل حكومات مستبدة طاغية عطلت إرادة الشعوب وعاثت في الأرض فسادًا واستبدادًا فأضرت بالأمة والشريعة.

إن تطبيق الشريعة لا يمكن أن يكون إلا تعبيرًا عن سيادة الأمة وإرادتها بعيدًا عن استغلال الشريعة من قبل الحاكم الفرد المستبد. سيادة الأمة تحرر الشريعة من قبضة الاستبداد.