آخر تحديث: 23 / 1 / 2020م - 11:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

«17» حدود الحرية

الدكتور توفيق السيف *

تحدثت اكثر من مرة عن حرية مطلقة، بلا قيود. قلت ذلك في محاضرة عامة، ثم قلته في مقابلة تلفزيونية. هل تعتقد حقا ان الحرية يجب ان تكون مطلقة، هل تعتقد ان الحرية المقيدة عبودية؟.

جوهر سؤالك يتناول فكرة المسؤولية التي تقابل الحرية. هذا يفتح الباب لنقاش متشعب. لكني سأوضحه في نقطتين موجزتين: أولاهما تتناول الحديث عن الحرية في مجتمع تقليدي محروم من الحرية، وهو يختلف عن الحديث في مجتمعات جربت الحرية. الثانية تتناول القانون كقيد على الحرية.

فيما يخص النقطة الأولى: سأضرب مثالا من الواقع القريب. من الناحية الدستورية يتمتع المواطن الايراني بالحرية المصونة بالقانون، مثلما يتمتع نظيره الامريكي. لكن القانون في ايران لا يسمح للمواطن باصدار صحيفة أو امتلاك اذاعة. بل ولا يسمح للمواطنة الأنثى بدخول دائرة حكومية من دون غطاء الرأس.

في امريكا حرية واسعة وفيها قوانين صارمة أيضا. اما في بلداننا فهناك حريات ضيقة جدا وقوانين صارمة جدا. الناس يفهمون هذا جيدا. ولهذا حين تخاطب الامريكان عن قانون مقيد للحرية، فالجميع يفهم ان الأصل هو الحرية، مثل حديثهم عن قانون يقيد حرية اقتناء الاسلحة الفردية مثلا. اما حين تتحدث عن القانون المقيد للحرية، أو عن ضوابط الحرية في بلد مثل ايران أو السعودية أو غيرها، فالمعنى ينصرف إلى المزيد من تضييق هامش الحرية، الضيق أصلا، اي المزيد من القيود والاغلال.

ومن الطرائف التي تذكر في هذا السياق ان صحفيا امريكيا زار العراق أيام رئيسه السابق صدام حسين، فسأله زميل عراقي عن اهم ما تفخر به الولايات المتحدة، فأجابه الامريكي: الحرية ”نحن نستطيع ان نشتم رئيس الجمهورية ونستطيع المطالبة بعزله، ثم نذهب في آخر النهار الى بيوتنا دون خوف من قمع السلطة“. فسأل العراقي: هل تستطيعون شتم اهل الرئيس، ابائه واجداده؟. فقال الامريكي: هذا ممنوع لانهم ليسوا شخصيات عامة. ولو شتمتهم واشتكوك الى المحكمة فقد تسجن. فقال العراقي: اما نحن فحريتنا اوسع مما لديكم ”نحن نستطيع شتم رئيس الولايات المتحدة وأمه وأبيه وكل أجداده، ثم نعود الى بيوتنا في آخر النهار دون خوف من قمع السلطة“.

انا ادعو لحرية مطلقة في المجتمعات التقليدية، بغرض التأكيد على ان تكون الحرية هي الأصل والقانون هو الاستثناء، وليس العكس كما هو حاصل فعليا. نحن - في الشرق الأوسط - نعيش حالة اقرب إلى العبودية وليس الحرية، عبودية باسم القانون وعبودية باسم الاعراف والتقاليد. ولهذا اطالب بالمزيد من الحرية والتقليل من القوانين المقيدة، كما أرفض بشدة اي قانون يضيف قيودا جديدة، ما لم يسبقه توسيع في هامش الحرية الضيق.

النقطة الثانية تتناول العلاقة بين الحرية والقانون: وخلاصتها ان الانسان يستحق من الحرية، بقدر المسؤولية التي يستطيع تحملها. ذلك ان كل قدر من الحرية، يقابله قدر مماثل من المسؤولية. وأذكر للمناسبة حديثا للامام علي بن أبي طالب يوضح هذا المعنى بجلاء:

أما بعد فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقاً بولاية أمركم، ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم. فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له. ولو كان لأحدٍ أن يجري له ولا يجري عليه، لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه.

نحن نفهم الحقوق والحريات التي يتمتع بها الأفراد، باعتبارها أساسا للتكاليف والمسؤوليات التي يتحملونها. الحرية المطلقة تقابلها مسؤولية مطلقة عن كل فعل في إطارها، والحرية في بعض جوانب الحياة، تقابلها مسؤولية عن تصرفاتك وافعالك في تلك الجوانب. وحينما لا تكون حرا فلست مسؤولا عن أفعالك. لانك لم تؤدها باختيارك. والأصل ان الانسان يتحمل عواقب عمله اذا كان مختارا، اما المضطر والمقهور فليس مسؤولا عن اي عمل يقوم به. وهذا المفهوم مستخلص من قاعدة راسخة عند كافة العقلاء، كما انه مستفاد من الاية المباركة ”فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه - البقرة 173“ التي وردت في احكام الاكل، إلا انها تشير إلى قاعدة عامة في المسؤولية عن الافعال.

المفهوم بطبيعة الحال ان مفاد الحرية لا يتحقق على ارض الواقع، ما لم يكن الامن والنظام العام مستقرا. لأننا لا نتحدث عن حرية فرد يعيش في الغابة أو الصحراء. لا تظهر الحاجة إلى الحرية الا حين تعيش وسط جماعة. معنى هذا الكلام اننا ندعو إلى الحرية في مجتمع مدني، اي مجتمع يحكمه القانون. لأن الحرية - بحسب تعبير جان جاك روسو - لا معنى لها خارج المجتمع المدني.

في المجتمع المدني انت حر ما لم تخالف القانون أو تخرق حريات الاخرين. قانون المجتمع المدني هو فرع عن تعاقد بين بشر أحرار، ولهذا فهو قائم على الاقرار بحرياتهم وحمايتها. بهذا المعنى فان القانون الذي يقيد بعض الحريات، هو، قبل ذلك وبعده، ضامن لتمتع الناس بحرياتهم. من المفيد هنا الاستشهاد بما كتبه روسو في هذا الصدد، وقد ناقشته بالتفصيل في كتابي ”رجل السياسة“، واذكر هنا مختصرا منه.

رأى روسو ان حرية الانسان خارج المجتمع المدني، اي في الغابة أو الصحراء مثلا، تكمن في قوته الجسدية التي تمكنه من فعل ما يشاء. والاكثر حرية هو الاكثر قوة والعكس بالعكس. اما في المجتمع المدني فان حقوق الانسان وحريته محمية بالقانون والسلطة التي تنفذه نيابة عن المجموع. بعبارة اخرى فان ما يخسره الفرد حين ينضم إلى المجتمع المدني هو حريته في استعمال قوته الجسدية لممارسة حرياته الاخرى. وما يربحه هو اعتراف المجتمع بحريته المدنية وملكية ما يحوزه باعتبارها حقوقا ثابتة، لا تحتاج إلى قوة فردية تحميها. وحسب روسو فانه لا فرق بين الحريتين الطبيعية والمدنية من حيث الجوهر والمحتوى. انما  تختلفان في الارضية التي تقوم عليها والحدود النهائية لكل منهما. من هنا قد يمكن القول ان الحرية المدنية هي ذاتها الحرية الطبيعية، لكن مع تاطيرها وتحديدها بالارادة العامة المتمثلة في القانون.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.