آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:57 ص

أبعاد من شخصية فقيد المنبر الحسيني الملا خليل أبو زيد

محمد أبو زيد

العلاقة بالكتاب نموذجا

بدأت علاقة والدي رحمه الله بالكتاب في فترة مبكرة من حياته، فمنذ ان فتحنا أعيننا على الدنيا كانت عنده مكتبة عامرة بصنوف الكتب والتأليف القيمة ”فيها كتب قيمة“ من أمهات كتب التفسير والحديث والسيرة والفقه والثقافة الاسلامية العامة كتفسير الميزان والتبيان والطبرسي والفخر الرازي والآلوسي والكافي والوسائل والغدير والبحار والألفين وشرح العروة الوثقى وغيرها.

وقد توسعت هذه المكتبة مع مرور الأيام، ورغم شُح الكتاب الشيعي وغلاء قيمته وصعوبة الحصول عليها آنذاك الا انه كان ينفق جل ما يصل اليه من مال في شراء واقتناء الكتب.

كانت في القطيف مكتبة واحدة تقريبا توفر الكتب وهي مكتبة المرحوم الحاج عبد اللطيف الزاير ”رحمه الله“ وكان المرحوم الزاير يجلبها من العراق بصعوبة شديدة كما يعلم الجميع ما يجعل قيمتها غالية قياسا بقدرة الخطيب الشرائية في ذلك الزمان.

ومع كل هذه المعوقات والصعوبات الا انها لم تقف امام نهم الوالد رحمه الله في اقتنائها والحصول عليها باعتبارها وسيلته المثلى والوحيدة لتطوير منبره، وكثيرا ما كانت الوالدة ”شافها الله“ تعاتبه وتلومه لكثرة إنفاقه في هذا المجال لما له من تأثير كبير على احتياجات البيت.

لم تكن إمكانيات الوالد المالية جيدة أبدا فالمآتم التي يقرأ فيها تحاسبه سنويا وبعضها كانوا لا يدفعون له المال وإنما يدفعون عِوَض القراءة رطبا وتمرا وأحيانا حليبا ولبنا حيث ان اغلبهم مزارعين وبحاره وهم فقراء وحالتهم المالية كما يُعلم ضعيفة الا ان عشقهم للنبي واله الكرام هو دافعهم لإقامة المآتم وكانت بعض هذه المآتم تقام في المزارع والنخيل حيث يقيم هؤلاء المؤمنون في بيوت متواضعة مصنوعه من جدوع وسعف النخيل!!

أذكر انه تمر بعض الأيام على الوالد رحمه الله لا يوجد عنده ريال واحد في جيبه، الا انه لم يشعرنا بذلك أبدا، ومع ذلك فانه لم يمر علينا يوم لم نأكل فيه طعام ولله الحمد، وانا الآن اعتبر ذلك معجزة وكرامة من الامام الحسين وأهل البيت لهذا الخادم المخلص لهم.

ورغم انشغال الوالد بالقراءة في الصباح والمساء والليل طيلة ايام الأسبوع حيث كان يقرأ في بعض الأيام بين ستة إلى سبعة مجالس الا أن ذلك لا يعيقه عن القراءة والمطالعة التي كانت تحتاج الى شخص مبصر يتقن القرّاءة حتى يطالع له، فكان يستأجر في بعض الأيام ثلاثة أشخاص لهذا الغرض احدهم يأتيه ضحى والثاني عصرا والثالث في الليل، كما حدثنا بذلك تلميذه وابنه البار الوفي المخلص الاستاذ المرحوم الخطيب الشيخ عبد الرسول البصارى ”رحمه الله“ وهذا يتم بمقابل بطبيعة الحال حيث كانت اجرة من يقوم بالمطالعة له بالساعة، ريال/ ساعة وأحيانا اكثر من ذلك.

كما اشرت فان ذلك جعل منبر الوالد متميزا في تلك الحقبة حيث يعتبر رحمه الله من الخطباء المجددين الذين غيروا وطوروا منهج الخطابة المقتصر سابقا على الطابع التقليدي ”قراءة التعزية والسيرة“ وهو ما جعله مرغوبا ومطلوبا للقراءة من قبل اصحاب المآتم ومقصودا للاستماع، ومعلما للخطابة واستاذا في هذا الفن كما سمعت ذلك من الخطيب الفذ الشيخ محمد جمال الخباز حفظه الله.

استمرت علاقة الوالد بالكتاب ونهمه في اقتنائها والحصول على الجديد حتى آخر ايام حياته فقبل أشهر عندما سافرت الى مشهد للزيارة، جئته مودعا له وسائلا منه الدعاء كما هي العادة سألته اذا يأمرني بطلب فقال اولا السلام على الامام الرضا وأخته المعصومة والصلاة له والدعاء في الحضرتين المقدستين وشراء كتاب ”كامل الزيارات“ النسخة المحققة لان النسخة التي لديه قديمة.

ان اروع هدية يمكنك ان تقدمها له هي كتاب جديد تتحفه به، واذكر عندما زاره الشيخ حسن الصفار بعد خروجه من المستشفى العام المنصرم جاء له بكتاب فهش وتبسم وانبسط كثيرا ونسي مرضه وعلته ورأيته تلك الليلة في احسن حالاته، فقال له الشيخ ممازحاً: مو كل مرة تمرض عشان اجيب لك كتاب.

بعد خروج الشيخ مباشرة كان المفروض ان يتناول طعامه المعتاد ويخلد للراحة الا انه طلب ان نأتيه بالكتاب ونقرأ له الفهرس ليتعرف على محتوياته ومواضيعه ونسي مرضه وعلته!!

في فترة مرضه الأخير الذي لقي الله فيه اعتادنا ان نأتيه بعد صلاة المغرب ونجلس عنده ونقرأ له في كتاب يختاره فكانت هذه الفترة من أمتع لحظات يومه وأخر كتاب طالع فيه كان ”سفينة البحار“ حيث كان يوشك على الانتهاء من آخر أجزائه وهو الجزء الثامن منه.

كان الأخ الشيخ حسين يطالع له في كل ليله تقريبا ويضع علامة حيث انتهى من المطالعة وقد يأتي احدنا قبله ويطالع، أتعمد احيانا اسأله عند اي صفحة انتهيتم البارحة فيقول صفحة كذا ويذكر رقمها وفعلا اجد العلامة عند الصفحة التي ذكرها او الموضوع الذي انتهى اليه.

لم تخنه ذاكرته أبدا حتى وهو في أشد حالات الإعياء والمرض، وكنا نسأله احيانا عن بعض القصائد القديمة والنصوص فيتذكرها جيدا رغم انه لم يقرأ بها منذ فترة طويله، هذا عدا عن حفظه للقرآن الكريم والأوراد والأدعية التي أعتاد قرأتها في كل يوم.

أخيرا كان ضمن وصيته لنا انه نصحنا ان لا نبيع اي كتاب من المكتبة وقال حافظوا عليها واستفيدوا منها أنتم وأولادكم.. كان الكتاب عزيز لديه لا يعدله شيء اخر من المقتنيات ومتع الحياة.

نعم أوصى منذ زمن بعيد ان نوقف كتب الادعية والزيارات لينتفع بها عموم المؤمنين والمؤمنات وكأنه لمس آثار الدعاء والارتباط بأهل البيت في النشأتين فرغب ان لا يُحرم المؤمنون هذا الخير الوفير وهذه الذخيرة فكأن لسان حاله يقول: «يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين».

رحم الله الوالد وخلف عليه وعلينا ولا حرمنا اجر مصيبته وشفاعته.