آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 7:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

«53» الديمقراطية الدينية

الدكتور توفيق السيف *

تتحدث كثيرا عن ”ديمقراطية دينية“. لديك ايضا كتاب اسمه ”الديمقراطية في بلد مسلم“. هل تعتقد حقا ان لدينا في التراث الاسلامي ما يمكن ان يشكل أرضية لنظام ديمقراطي؟

التراث السياسي في الاسلام فقير جدا. كتب التراث الاسلامي، بما فيها تلك التي نشرت في السنوات الاخيرة، تقدم رؤية بسيطة للسياسة، تلخص الدولة في الحاكم. فهي تتحدث عن صفات الحاكم، عادات الحاكم، كيفية انتخاب الحاكم، ولا تنظر للدولة كمؤسسة، ولا المجتمع السياسي كمنظومة. أي ان خلفية النقاش فيها تتعلق بصورة الدولة القديمة، التي لم تعد موجودة في عالم اليوم.

مع قيام الدولة الحديثة، لم يعد الحاكم محورا للنقاش. نحن نتحدث اليوم عن الدولة والحكومة ككينونة مستقلة عن شخص الحاكم. ما يهمنا اليوم هو النظام السياسي، الفلسفة التي يقوم عليها، وتكوين القوة في داخله، مصدر الشرعية السياسية وعلاقة المجتمع بالحكومة.

بعبارة موجزة، نحن نتحدث عن مؤسسة عامة، وليس عن اشخاص. فكرة ان الدولة مؤسسة، غير موجودة في التراث السياسي الاسلامي. لهذا فعندما يتكلمون عن الديمقراطية يجدونها غريبة، لان الديمقراطية مبدأ قابل للتطبيق على مؤسسة في منظومة اجتماعية كبيرة اسمها المجتمع السياسي.

من هنا فاني لا أرى فائدة من الجدل حول أسئلة من نوع: هل الاسلام يقبل الديمقراطية ام لا. هذا جدل لا طائل منه، لاننا نتحدث عن منظومتين مختلفتين. السؤال الصحيح هو: هل نستطيع ابتكار مؤسسة سياسية جديدة تنتمي الينا كمسلمين، تنتمي الى عصرنا، الى افكارنا وتطلعاتنا؟. الجواب نعم نحن نستطيع ذلك، وستكون اسلامية، ستكون مقبولة في الاسلام. عند ذاك هل نستطيع ان نختار مبدأ الديمقراطية؟، مبدا الحرية كفلسفة عمل لتلك المؤسسة او كهدف لها؟. جوابي: نعم نستطيع.

السؤال الثاني حول ملكية الناس لأرض وطنهم. يبدو هذا الوصف معقولا. لكن المتعارف ان ارض البلد قسمة بين الملاك الشخصيين وبين الحكومة. ما ليس مسجلا باسم شخص معين فهو يصنف كأرض ”أميرية“ او ”أملاك دولة“، فكيف يملكه عامة الناس؟.

هذا بالتحديد ما أعنيه. أملاك الدولة هي أملاك الناس في الحقيقة. لأن الدولة ليست هيئة مستقلة، بل ممثل للشعب. الاملاك التي تسجل باسم الدولة تصنف ضمن المال العام، والمال العام هو مال الشعب. الدولة مملوكة للمجتمع، وما تحت يدها ملك لمالكها، اي المجتمع. ولهذا السبب فان املاك الدولة لا تسجل باسم الاشخاص الذين يديرونها، ولا تنتقل الى ورثتهم اذا ماتوا، وهم لا يستطيعون بيعها او المتاجرة فيها، كما يفعل المالك الشخصي في أملاكه. كل ذلك لأنها لا تملك على نحو حقيقي، بل هو ملك اعتباري، مثلما نسجل سيارة او بناية باسم شركة، ولا نذكر اسم مالك الشركة في عقود البيع. لكن في نهاية المطاف نحن نعلم ان هذه الشركة وكل املاكها راجعة الى شخص المالك.

للمناسبة فاني مهتم بهذه بفكرة الشراكة في تراب الوطن على وجه الخصوص، لأني وجدتها مفتاح العلاقة بين الاسلام والديمقراطية، او القاعدة الاساسية في تركيب مفهوم ”الديمقراطية الدينية“ الذي أدعو إليه. كنت قد درست بتوسع مفهوم ”الخراج“ - المال العام في الاصطلاح الحديث - وأحكامه عند الفقهاء القدامى والمعاصرين، فوجدتهم متفقين تقريبا على كونه ملكا لعامة المسلمين ومن يقيم معهم، وانه ينفق حصرا في مصلحتهم. لكن الفقهاء لم يذهبوا الى المرحلة التالية، أي ما يترتب على دعوى الملكية هذه من حقوق، سيما لجهة من يدير هذا المال وكيف يديره. بين الاستثناءات في هذا المجال اذكر العلامة الميرزا محمد حسين النائيني الذي تحدث صراحة عن المشاركة السياسية لعامة الشعب باعتبارها من لوازم ملكيته لأرض وطنه.

زبدة القول ان ملكية المجتمع للمال العام محل اتفاق بين فقهاء المسلمين وغيرهم، وهي عند القانونيين وفلاسفة السياسة المعاصرين، المصدر الأول لحق المجتمع في المشاركة السياسية، بما فيها تعيين الحكومة وتفويض السلطة ومحاسبتها.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.