آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 12:08 م  بتوقيت مكة المكرمة

«57» الدين كمركز توتر

الدكتور توفيق السيف *

هل تعتبر صعود تيار الاسلام السياسي في اطار الربيع العربي دليلا على إفلاس التيارات الأخرى، ام على تمتع الاسلاميين بجاذبية خاصة أو حسن إدارة للصراع، يفتقر اليها غيرهم؟.

أفترض من حيث المبدأ ان غالبية العرب سيثقون في أي جماعة تحمل الشعار الديني، وتتحدث بلغة دينية. وستزداد هذه الثقة كلما كثفت الجماعة المظاهر الدينية في عملها. ذلك الميل يرتبط بأربعة عوامل مهمة في تكوين الثقافة السياسية العربية:

أ» يشكل الدين، والتراث المرتبط به، والتجربة التاريخية الاسلامية العنصر المحوري في الثقافة العامة للمجتمعات العربية. ومن هنا فان استعمال اللغة الدينية والمظاهر الدينية يجعل الخطاب السياسي مألوفا، بحيث يبدو لكل فرد من الجمهور العام وكأنه يعبر عما في نفسه وعما يريد أن يقول.

ب» منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم يجري تصوير الخارج، سيما الغرب والشيوعية، باعتباره التحدي الرئيس للعالم الاسلامي، وانه المعوق الرئيس لتقدم المسلمين. ويتجدد هذا الشعور باستمرار مع تكرار الحوادث التي ينظر اليها كأدلة على عدوانية الخارج، من دعم الغرب لاسرائيل، الى الغزو السوفيتي لأفغانستان، الى دعم حكومات قمعية أو معروفة بالفساد، الخ. وصف ”الشيطان الأكبر“ الذي أطلقه آية الله الخميني على الولايات المتحدة الأمريكية، يحاكي اعتقادا عميقا في نفوس المسلمين.

نحن لا نناقش هنا صحة هذا الشعور او خطئه، بل ننظر اليه كجزء من رؤية للعالم قائمة فعلا ومؤثرة في سلوك الجمهور. هذا الاعتقاد ولد قناعة راسخة فحواها ان الاسلام مستهدف كدين، وان المسلمين مستهدفون لأنهم يحملون هذا الدين. رد الفعل الطبيعي المتوقع هو تمسك الجمهور بالهوية الاسلامية، لأنها تعبر عن الذات التي تتعرض للعدوان. وعلى المستوى السياسي ينصرف رد الفعل الى دعم للجماعات الدينية، لانها تظهر في عين الجمهور باعتبارها القوة الوحيدة التي تحمي هويتنا وتدافع عنا.

ج» منذ الربع الثاني من القرن العشرين، الذي شهد قيام الدولة العربية الحديثة، بقي دور الاسلام في الحياة العامة والدولة مغفلا أو إشكاليا. جميع النخب العربية تقريبا استخدمت الاسلام وطوعته على نحو يخدم مصالحها ويكرس سلطتها.

وأدى هذا الى قيام اتجاهين متوازيين: دين أهلي له رموزه ومؤسساته وقيمه، ودين رسمي يعرف كتابع للنخبة الحاكمة. لم يكرس الاتجاه الثاني مكانته لخدمة الجمهور، لأنه منفصل عنه. ولم يستطع الاول خدمة الجمهور لأنه لا يملك الأمكانيات اللازمة. من هنا بقي الجمهور في حالة تجاذب بين الاتجاهين، لكن الأول، الأهلي، بقي اكثر قربا من عامة الناس وأكثر صفاء وتمثيلا لحقيقة الدين في عيونهم.

لعلك تلاحظ ان الجماعات الدينية المنظمة، وبينها الجماعات الدينية السياسية، عرفت نفسها ضمن الاتجاه الأهلي المستقل عن الدولة والناقدة للاتجاه الرسمي. لكنها في أحيان كثيرة حاولت ان تستخدم الاتجاه الرسمي لتعزيز مكانتها، اي انها شكلت ما يشبه الجسر بين الاثنين. لكنها لم تكن موالية للدولة، ولم تحسب نفسها جزء من مشروعها. بل كانت أقرب الى قوة نقيضة للدولة ومشروعها. هذا التواجد المزدوج على الاتجاهين مكنها من اختراقهما معا والظهور بمظهر الممثل الحقيقي للاسلام، الذي يتمتع بالاستقلال ويملك بعض الامكانيات لمساعدة الجمهور في الوقت ذاته.

د» ارتكبت الجماعات السياسية الأهلية خطأ مماثلا لخطأ النخبة الحاكمة، تمثل في تجاهل مكانة الدين ودوره في الحياة العامة وثقافة الجمهور. كمثل على ذلك لا تجد للأحزاب العربية مساهمة تذكر في العمل الديني، ولا تجد بين قياداتها رجال دين او ناشطين في المجال الديني. كلامها عن احترام الدين لا يختلف عن كلام رجال الدولة، ولا يقترب أبدا من مشاعر الجمهور وهمومه. هذا لا يعني بالضرورة انها معادية للدين، فكثير من رجالات هذه الاحزاب متدينون بالمعنى العام، لكن - لسبب لا أفهمه - اعتبروا الدين انشغالا خاصا بمؤسسات ومراكز أخرى لا علاقة لهم بها، رغم انهم يسعون في العادة لاستعماله ساعة الحاجة.

أدى هذا الاغفال الى تكوين انطباع عام، فحواه ان الاسلام شأن خاص بالمشايخ والجماعات الدينية، وليس من الهموم المشتركة بين جميع أبناء الوطن وممثليهم السياسيين. نتيجة لهذا تحول الخطاب الاسلامي الى ما يشبه ايديولوجيا خاصة، تتبناها جناعات محددة، تصارع المنافسين في الساحة السياسية والدولة.

حين يفكر الناس في الاختيار بين جماعة تحمل راية الدين وجماعة تصارعها، فان الاكثرية ستميل بشكل طبيعي الى الفريق الأول، بغض النظر عن موضوع الصراع ومصداقية اي من الجانبين.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
Mohamed Matar
[ Bahrain ]: 24 / 5 / 2016م - 1:34 م
كيف يمكن توجيه الأسئلة للدكتور توفيق؟
باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.