آخر تحديث: 20 / 6 / 2019م - 3:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثورة اجتماعية «10» التحكيم

حسين نوح المشامع

قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا» النساء الآية 59. وقال الإمام علي : «لا رأي لمن لا يطاع».

عدت للاجتماع من جديد بابنتي العزيزة ذات الأثني عشر ربيعا، والمرتادة للصف الثاني المتوسط بعد انقطاع - حمدا الله - لم يدم طويلا، بعد حصولي على بعض المعلومات، أتمنى أن تفيدنا في نقاش الدور الاجتماعي لثورة الإمام الحسين . عدنا من جديد وقد اعتدل طقس قريتنا، ولم نعد بحاجة لتحمل ثقل ملابسنا الشتوية، فأخذنا نستمتع بهوائها العليل وطقسها الربيعي المنعش للقلوب. عدنا من جديد لمواصلة التسلسل التاريخي الذي يوصلنا ويهدينا إلى أسباب هذه النهضة المباركة التي ملأت السماع الدنيا، واستفاد منها كل حر أبي.

كان اعتقادي أن احد أسباب طلب ابنتي الاطلاع على مجريات هذا الجانب الاجتماعي، هو تركيز خطباء المنبر الحسني على ثورته ، حتى أضحت معلما يميز هذا المنبر عن غيره من المنابر، وإنها أرادت الاستزادة والتوسع في المعرفة.

لكن ما أذهلني هذه المرة هو حضورها محملة بأقلام وأوراق، كمراسلة صحيفة تنوي القيام بعمل لم يسبقها إليه احد. بل أكثر من ذلك، أتت مجهزة بقائمة من الأسئلة أعدت سلفا.

وبدأت كلامها: والدي الحبيب، بالأمس طلبت منا مدرسة الاجتماعيات عمل ورقة بحثية، وخصصت لكل منا موضوعا خاصا يتعلق بالتاريخ الإسلامي، وكان من نصيبي ما يخص الإمام علي وموقفه من رفع المصاحف في حرب صفين وعملية التحكيم، لذا اطلب منك مساعدتي في التحضير لهذا البحث.

وددت لو قمتي بهذا البحث بدل مني، لتثبتي مقدرتك على البحث والتقصي لنفسك، ثم لمدرستك وأقرانك.

أنزلت عينيها وازدان وجهها حمرة وخجلا، ثم قالت: وحتى لو قمت بكل ذلك فلن استغني عن مساعدتك وتوجيهاتك.

كما ذكرنا سابقا أن مسألة التحكيم جاءت على إثر انهزام جيش الشام ومحاولة قادته الفرار من ساحة المعركة في ليلة الهرير، مما دعاهم لحمل المصاحف على رؤوس الرماح أملا في مخرج من هزيمتهم النكراء تلك.

هنا تسألت ابنتي بلهفة المحب: طبعا الإمام لم يوافق على التحكيم لعلمه أن ما دبر كان مكيدة، كما قال : والله ما بصاحب الشام بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كلّ غدرة فجرة، وكلّ فجرة كفرة، ولكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة، والله ما أُستغفل بالمكيدة، ولا أُستغمز بالشديدة. صفحة291 نهج البلاغة؟!

جيد انك قمتي بقراءة هذا المقطع من كلام أمير المؤمنين . فأنت على حق، لم يستطع الامام القبول بالتحكيم لمعرفته بقادة جيش الشام حق المعرفة.

فعادة لتسأل متعجبة: تعني انه لم يوافق على التحكيم ورفضه؟!

رفض التحكيم ورفض وقف القتال لعلمه إنها مكيدة مدبرة، لكنه لم يستطع الوقوف في وجه بعض قادة جيشه الذين وافقوا على التحكيم إما جهلا بقادة أهل الشام، أو طمعا في جوائزهم الموعودة.

وهذا مصداقا لقوله في توبيخ بعض أصحابه: إنكم والله لكثير في الباحات، قليل تحت الرايات، وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم، ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي.

صدق أمير المؤمنين فجيش الدولة الإسلامية الذي يقوده لم يكن منقاد له تماما، كما هو حال جيش الشام المنضبط والموالي لقادته، بل كان جيش منقسم على نفسه منتمي إلى قبائله ورؤسائها.

إذا من كان يمثل الإمام في عملية التحكيم؟

اقترح الإمام أمير المؤمنين عدة أسماء من بينها ”اشتر النخعي، وابن عباس“ لأنهم من ثقاته والمقربين منه.

فهل رضي هؤلاء القادة المتمردون بمن وقع عليه اختياره، وقبلوا بإحدهم ليكون حكما؟!

لم يقبلوا بأي منهم، واختاروا هم من يمثل جيش الدولة الإسلامية رغم عنه ورغم اعتراضه عليه وكونه لا يمثله فكرا ولا موقفا.

من هو ذلك الشخص؟!

هو أبوموسى الاشعري، من خذل الناس عن الإمام ، ثم أتى يطلب العفو بعد شهر. وهو منّ يعتقد أن القعود عن نصرة جيش الدولة الإسلامية قربة إلى الله وطاعة له. وهو من يعتقد في القعود عن حرب جيش الشام رغم جورهم وخروجهم على الإمام المنصب من قبل الناس والمفترض الطاعة، أمان عن الخوض في دماء المسلمين وأموالهم.

من كان الحكم المنصب من قبل أهل الشام وأين كان لقاء الحكمين؟!

كان حكمهم عمرو ابن العاص الداهية المعروف، واللقاء كان في دومة الجندل وهي منطقة وسط بين العراق والشام.

ماذا جرى بين الحكمين وهل توصلا واتفقا على حكم يرضاه الجيشان؟

لقد أخذ الحكمان وقت طويلا أكثر مما ينبغي، حتى إن من ينتظرهما شك فيما يقومان به.

هل تعتقد يا والدي أن كل منهما كان يعمل على تثبيت قناعته غير مكترث بما ينفع عامة المسلمين، أو من عينه.

هذا بالفعل ما كان يجري على أرض الواقع، فابوموسى كان يتمنى الخلافة لعبدالله ابن الخليفة عمر بن الخطاب. أما عمر ابن العاص، فكان يتمناها لنفسه أو لابنه عبدالله.

وهل توصلا إلى حل ينهي الصراع بين الجيشين.

بما أنهما لم يتفقا على المبدأ، فإنهما لن يتفقان على النتيجة.

وماذا كانت النتيجة؟!

خرج ابوموسى معلنا خلع علي وخلع معاوية، بعده خرج عمرو ابن العاص معلنا خلع الامام كما خلعه ابوموسى، وتثبيت معاوية، مما سبب النزاع بينهما والشجار والسباب والملاعنة.

هذا يعني أنهما لم يتفقا على مبدأ واحد ولا على رأي واحد. فماذا كانت نتيجة هذا التحكيم المزعوم؟!

نتيجته كانت مؤلمة للمسلمين، حيث انشقت فرقة من جيش الخلافة الإسلامية سميت في ما بعد ب ”الخوارج“ تكفر كل من الإمام علي ومعاوية بن أبي سفيان لتحكيمهما الناس في كتاب الله ودماء المسلمين.

وما قصة هذه الفرقة يا والدي؟

هذا ما ستعرفينه في الحلقة القامة، بعدما أكون قد اطلعت على بعض المعلومات، وتكوني قد جهزت بعض الأسئلة تعيننا في فهم الموقف أكثر. كما أن عليك الآن النزول بسرعة وان لا ندع أمك تنتظرنا على سفرة الغداء أكثر من هذا.