آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 11:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

«65» المتاجرة بالدين

الدكتور توفيق السيف *

ماذا عن المتاجرة بالدين، قلت انه ليس خداعا او انه مستقل عن موضوع الخداع؟.

نعم. هو موضوع مستقل. وأخشى أنه أكثر خطورة من مسألة الخداع، رغم ان بعض الناس يتعامل معه كحالة طبيعية او ربما مرغوبة. فكرة المتاجرة بالدين تشير الى تحويل الدين الى سلعة أو عنوان لسلع تعرض في السوق مقابل ثمن مادي محدد. فيما مضى كان المفهوم ينطبق حصرا على ”بيع“ رجال العلم الديني لمواقفهم السياسية والاجتماعية أو فتاواهم، مقابل مكافآت من السلطات أو النافذين في المجتمع. ولهذا تجد في تراثنا القديم كثيرا من النقد والتحذير من اولئك الذين يتقربون الى السلطة او يمالئون أصحاب الحول والطول.

في أيامنا هذه أضيفت الى مفهوم ”المتاجرة بالدين“ أبعاد جديدة، يمكن جمعها تحت عنوان ”اتخاذ العمل الديني او الشعار الديني وسيلة للعيش والاثراء“.

يهمني هنا الاشارة الى اني لا أرى اي تعارض بين ان يكون الانسان داعية للدين، وان يكون في الوقت نفسه ثريا، او ان يدعو الناس للزهد بينما يعيش حياة مرفهة. اعلم ان الناس يجدون الأمر متناقضا، لكن رؤيتهم غير صحيحة في رأيي. التعريف الصحيح للزهد هو سيطرة الانسان على النوازع الدنيوية والمادية، بحيث يكون مستعدا للتضحية بها ساعة يضطر للاختيار بينها وبين دواعي الأخلاق والدين أو نداء الآخرة.

من بين التجليات المعاصرة للتجارة بالدين نشير الى السعي للنجومية والنفوذ الشخصي او الحزبي اتكالا على الشعار الديني، او القاء الصفة الدينية على بعض الافعال وتجريد غيرها تبعا لمقاييس الربح والخسارة المادية. ومنها بطبيعة الحال تحريم الحلال وتحليل الحرام من أجل مكاسب شخصية. ومن أبرزها استعمال الدين في السياسة، بمعنى استعمال الشعار الديني او اللغة الدينية من اجل ايصال اشخاص محددين او احزاب محددة الى السلطة.

هذه الافعال تنطوي على خداع للجمهور، لكنه من نوع الخداع المعقد المتطور، الذي يترك آثارا واسعة في المجال العام.

كثير من الناس يكسبون عيشهم من وراء العمل الديني. لكن هذا العمل يحمل وصف الديني مجازا، مثل بعض انواع الفولكور كالنشيد والقراءة والمديح والعزاء والمولد وما شابهها. هذه كلها تنطوي على مضمون تجاري ايضا، وهي مرتبطة بشكل ما بالمناسبات الدينية، فهل تعتبر هذه نوعا من المتاجرة التي تحذر منها؟

أخشى ان الدخول في التفاصيل سيؤدي الى تضييق ما وسعه الله. من حيث المبدأ لا أرى اي عيب في الفولكلور او الأعمال الفنية والادبية والتراثية، التي ترتبط بالمناسبات الدينية او التي تحمل ظلالا دينية. بل لعل هذه الاشياء مما يجعل الناس ألين جانبا واصفى نفسا. في كل الأحوال يجب الالتفات الى المعيار الذي يميز بين ما هو دين أمرنا الله به، وما هو عرف او تقليد او تراث او ممارسة اجتماعية، نقوم بها بارادتنا الخاصة، ومن دون تكليف الهي. هذا يشمل الاعمال التي تنطوي على مضمون ديني وتلك التي لا تنطوي عليه.

لا بد من التأكيد دائما على انه ليس كل عمل ذي طابع ديني هو جزء من الدين. انا أعلم ان في المجتمع من يميل الى التساهل في القاء الطابع الديني على الافعال العادية. وهذا قد يبرر تساهله بتحبيب الناس الى الدين او تقريبه الى نفوسهم. والحقيقة ان هذا التساهل قد سمح بظهور الاتجاه العكسي، اي منع بعض الافعال المباحة تحت عنوان الكراهة او اي عنوان آخر، كي يبقى الناس على مسافة بعيدة من الحرام الحقيقي.

هذه التبريرات خطرة جدا على الدين، لأنها تنطوي على احتمال الابتداع في الدين، وهو من المحرمات الأكيدة. معنى البدعة هو إدخال شيء في الدين من خارجه، أي اعتباره محرما او مكروها او واجبا او مستحبا، من دون دليل مستقل على هذا الحكم. البدعة في المفهوم الشرعي ليست الاشياء الجديدة او المستحدثة، بل اخراج بعض الافعال من دائرة الاباحة الى دائرة الأحكام، في مستواها الادنى، اي الكراهة والاستحباب، او في مستواها الأعلى، أي الوجوب والتحريم.

مادمنا في الحديث عن الابتداع وتحريم المباح، كيف تفسر الاتجاه الشائع عند الناس باستفتاء الفقيه عن كل شيء، صغير او كبير. هل يمكن اعتبار هذا الاتجاه دليلا على رغبة الناس في التشدد الديني او العكس؟.

سبق ان اجبت على سؤال كهذا من زاوية اخرى، تتلخص في السؤال التالي: هل هناك مساحة محددة في الحياة تخضع لأحكام الشريعة، ام ان كل تفصيل صغير او كبير له حكم شرعي؟. وخلاصة ما قلته حينذاك ان الدين له نطاق اشتغال محدد، ولا يشمل كافة أمور الحياة. فمن الواضح ان هناك جوانب كثيرة لا تعتبر موضوعا دينيا. وبالتالي فنحن لا نسأل عنها الفقيه، بل نعالجها وفقا لأحكام العقل. الاسلام - بعبارة اخرى - كامل، وليس شاملا، كما هو التعبير الشائع.

فيما يخص الهوس المفرط بالاستفتاء، فاني اتفق معك في ان بعض الناس لديهم هذا الميل. وربما لو اتيح له لسأل الفقيه عن كل تفصيل صغير في حياته، حتى عن لون السيارة التي سيشتريها ومساحة البيت الذي سيسكنه ونوع الشجر الذي سيزرعه في حديقته. لكن الاسوأ من هذا هو استجابة رجل الدين لهذا النوع من الاسئلة. الموقف الصحيح في رايي هو نصيحة السائل بالتفكير او سؤال اهل الاختصاص ثم اتخاذ القرار، واعلامه بأن هذا ليس موضوعا دينيا كي يسأل عنه رجل الدين.

اني اشعر بالقلق من انزلاق رجال الدين في هذا الخطأ. وتصديهم للفتوى في كل مسألة، حتى ان بعضهم بات يفتي في حكم الذهاب الى معارض الكتب، ولون العباءة التي ترتديها المرأة، واهداء الورود الى المريض والتصفيق في الاحتفالات. وهذه كلها من أمور خارج نطاق الدين. وقد نهى ربنا سبحانه عن هذا السلوك الذي يقود الى تضييق سبل الحياة، فقال تعالى ”ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين - المائدة 102“. كما حذر منها نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال فيما روي عنه ﷺ ”ذروني ما تركتكم، فإنما أُهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم“.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.