آخر تحديث: 16 / 9 / 2019م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثورة اجتماعية «11» الحرورية

حسين نوح المشامع

قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءت مَصِيرًا «115» النساء.

ومن كلام لعلي ابن أبي طالب في الخوارج لما سمع قولهم لا حكم إلا لله: كلمة حق يراد باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بر ويستراح من فاجر.

كان اجتماعنا الحادي عشر موافقا ليوم مجلس الأمهات، حيث قررت زوجتي بإصرار الحضور لتطمأن على مسيرة ابنتنا الدراسية وسيرتها الأخلاقية مع مدرساتها وزميلات الدراسة، رغم اعتراض ابنتنا على ذهابها لعظيم ثقتها بنفسها.

كان وقت ذهابنا وايابنا على غير العادة، حيث ذهبنا متأخرين، ورجعنا مبكرين. لذا استأذنت ابنتي مديرة المدرسة خلال فترة بقاء والدتها في المدرسة، لنتمكن من إدارة نقاشنا داخل السيارة، بعد اغلاق الأبواب والنوافذ وتشغيل مكيفة الهواء لإبعاد الضجيج والتغلب على حرارة طقس.

وبدأنا نقاشنا على غير العادة، حيث افتتحت ابنتي جلستنا بابتسامة رقيقة وهي تقول: لم يكن سؤال هذه الحلقة مني - يا ولدي - ولا من مدرستي، بل من أحد زميلات الدراسة، بعد أن سمعت عن بحثي وعن جلستنا هذه.

فرحت كثيرا لاهتمام الزميلة بموضوعنا، فسألت ابنتي: ما هو سؤال زميلتك؟

ان سؤالها ينم عن مدى اهتمامها بمثل هذا المواضيع التاريخية، فسألت عن سبب انقلاب قسم من جيش الدولة الإسلامية حتى دعوا بالخوارج؟!

وقبل أن استطيع الإجابة على سؤالها، أحسست اني متهم ماثل أمام القضاء، لان نظرات ابنتي كانت موزعة بين وجهي وبين عنوان الحلقة. أردت الإجابة لكنها لم تمهلني حتى أدافع عن نفسي، فسألت بتعجب واستهجان: لما بدلت عنوان الحلقة إلى «الحرورية» بدل من الخوارج، أليس هذا خلاف اتفاقنا؟!

اهدئي يا بنتي العزيزة لأوضح لك الامر، فليس هناك فرق بين العنوانين.

لا فرق بين الحرورية والخوارج، وكيف ذلك؟!

الخوارج هم مجموعة من المسلمين كانوا ضمن جيش الدولة الإسلامية، لكنهم انسلخوا عن الجيش بعد مشكلة التحكيم، وأخذوا يحاربون المسلمين ويقاتلونهم لأنهم كفار بزعمهم. طبعا الإمام علي قام بحربهم وتأديبهم لانتهاكهم حرمة أرواح الناس الأبرياء.

كما قلت، أنهم انتهكوا حرمة أرواح الناس الأبرياء، لكن الإمام علي قال في بعض كلامه: لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه.

إنه ليس فقط لم يحاربهم بل أعطاهم بعض العذر رغم ما قاموا به.

تعلمين أن سبب حربهم لجيش الإمام هو النتيجة التي الت اليها مشكلة التحكيم، فاعتقدوا أن المسلمين قد كفروا بالتسليم للحكمين. لكنهم هم من أجبروا الإمام على قبول أبو موسى رغم تحفظاته عليه. ونهيه عن قبول التحكيم لأنه غيلة وغدر.

نعم كما قال إن أوله رحمة وآخره ندامة. فما هي الإغراءات التي قدمها الامام في محاولة لثنيهم عن تهورهم. قام الإمام بثلاث خطوات استباقية لحربهم والنيل منهم.

وما هي الأولى؟!

طلب منهم أن يمتازوا فرقتين، من حضر صفين فرقة، ومن لم يحضرها فرقة، حتى يكلم كل فرقة بكلام يخصها، وتجيبه حسب علمها.

طبعا لم يقبلوا نتيجة المناقشة والمحاجة حتى لو اثبتت حقا ونفت باطلا، لأن اللجاجة والاستكبار على الحق قد ركبهم، فما هي الخطوة الثانية يا والدي؟!

الخطوة الثانية يا ابنتي العزيزة: طلب من هم اختيار شخص من بينهم يثقون به ليناظره، ولكن يجب عليهم التسليم للحق والاذعان له إذا لزمهم.

لا أظن أن هذه الخطوة قد نفعت معهم أيضا، فما هي الخطوة الثالثة التي اتخذها الامام ؟! أوقف راية في وسط الميدان ووضع تحتها الفي رجل وقال: من انظم الي هذه الراية فهو آمن. لا أظن أن هذه الخطوة نجحت معهم، فماذا حدث؟!

قالوا: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون، وهجموا مستميتين عن بكرة أبيهم، كأنما نفذت ما في جعبتهم من سهام ولم يبقى الا ازهاق رواحهم، فتلقاهم جيش الامام بعد أن نفاذ صبر جنده ووغر صدورهم.

طبعا افنوهم عن بكرة أبيهم وارتاح الناس من شرهم!

هذا ما أجاب به الإمام علي السلام لمن قال انهم هلكوا بأجمعهم: كلا والله إنهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوص سلابين.

إذا سيبقون يتناسلون ويتكاثرون حتى نهاية الدنيا، وهم الان بيننا يعيثون في الأرض فسادا، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. وبعد هذا ماذا حدث؟!

ماذا حدث سيبقى في طي الكتمان حتى الحلقة القادمة، لان أمك قد وصلت منهكة بعد رحلتها المكوكية، ولا أعتقد قد بقي لديها من قوة لتناقش بها وتجادل، ففتحي لها باب السيارة ودعينا نعود إلى البيت.