آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 6:09 م

ثقافة الاستعداد وحالة الاسترسال

الشيخ حسن الصفار *

عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: دخلت على أبي الحسن علي بن موسى الرضا في آخر جمعة من شهر شعبان فقال لي: «يا أبا الصلت، إنّ شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة فيه، فتدارك فيما بقي تقصيرك فيما مضى منه، وعليك بالإقبال على ما يعنيك، وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن وتب إلى الله من ذنوبك، ليقبل شهر رمضان إليك وأنت مخلص لله عزّ وجلّ، ولا تَدعنَّ أمانة في عنقك إلا أدّيتها، وفي قلبك حقدًا على مؤمن إلا نزعته، ولا ذنبًا أنت مرتكبه إلا أقلعت عنه، واتقّ الله وتوكّل عليه في سرّ أمرك وعلانيتك، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وأكثر من أن تقول فيما بقي من هذا الشهر، اللهم إن لم تكن غفرت لنا فيما مضى من شعبان فاغفر لنا فيما بقي منه، فإن الله تعالى يعتق في هذا الشهر رقابًا من النار؛ لحرمة شهر رمضان» «وسائل الشيعة، ج 10، ص 301، ح17».

من معالم الجدّية في شخصية الإنسان استعداده وتهيؤه لما هو مقبل عليه من الأمور والمهام. يأتي هذا النمط من السلوك مقابل حالة يعاني منها كثير من الناس، وهي الاسترسال واللامبالاة. يقوم البعض بعمل ما وهو سارح الذهن وغير مركز على العمل الذي يقوم به، حتى يصبح ذلك سمة في كل أعماله، بينما الإنسان الجادّ لا يرضى لنفسه حالة الاسترسال بل يُقبل على كلّ عمل صغيرًا كان أو كبيرًا باهتمام وتركيز وتهيؤ واستعداد، وهذا السلوك يعتبر مؤشّرًا من مؤشّرات النجاح.

الجدّية والاهتمام في التعامل مع الناس

حالة الاسترسال في إنجاز الأعمال وعدم التركيز في أدائها حالة خاطئة قد تسبب أخطارًا كبيرة، خاصة فيما يرتبط بقضايا الناس، ومن الأمثلة على ذلك:

 الطبيب. إذا كان جادًّا في عمله مهتمًّا بمرضاه، تجده يتسلّم ملف المريض ويطّلع عليه بعناية، حتى يستقبل المريض وقد تعرف على حالته، ويبدأ مناقشته والاستفسار عن حالته المرضية، حتى يكون واثقًا من تشخيصه للمرض. بينما إذا كان طبيبًا غير مبالٍ بعمله وبمرضاه، فقد يدخل عليه المريض وهو مشغول بجواله، يرسل رسالة أو يستقبل أخرى، أو يجري مكالمة، أو يكلم، ولربما لم يكلف نفسه الاطّلاع إلا تصفحات على ملف المريض، ويكتفي بسؤال المريض مجاملة ولا يعنيه أن يسمع كامل التفاصيل منه، ولا يكلف نفسه شرح المرض للمريض.

 الموظف. يتسلّم المعاملة من المراجع ولعلها لا تحتاج أكثر من دقائق لإنجازها، لكنه بسبب انشغاله بأشياء خارج عمله كقراءة جريدة، أو رسائل جوال أو حديث مع شخص آخر، يطلب من المراجع مراجعة معاملته بعد يومين، ولربما مدة أطول!

 المعلم. الذي يحضر الصف دون أن يحضّر الدرس الذي سوف يشرحه للطلاب. سيما الآن مع تجدّد المناهج وتطور العلم والتقنية التعليمية، يحتاج المعلم إلى مواكبة ذلك حتى يفيد الطلاب.

 الخطيب. أو عالم الدين الذي سيلقي خطبة أو كلمة على المستمعين، لا يَصحّ أبدًا أن يأتي ويلقي على جمهور أصبح واعيًا مثقفًا دون أن يحضّر للكلمة التي سيلقيها عليهم، وأن يكون واضحًا لديه ما هي الأمور التي يناسب أن يطرحها ليفيدهم بها، ويعالج القضايا التي تلامس واقعهم.

التهاون في هذه الأمور وعدم المبالاة يعتبر خيانة للأمانة، وهو خلاف تعاليم الدين الذي يربي الإنسان على أن يكون جادًّا في حياته وعمله، وأن ينظّم أموره، بعيدًا عن الفوضى والاسترسال واللامبالاة، هذا التوجيه الذي نجده في كل برنامج ديني.

فالصلاة مثلًا لها مقدمات واجبة ومستحبة قبل البدء بها، كالوضوء والأذان والإقامة، وقراءة بعض الأدعية المأثورة، حتى يدخل الإنسان إلى الصلاة وهو متهيئ نفسيًّا.

المائدة كذلك لها آداب، لا أن يأتي الإنسان وينقض على الطعام، بل يستحب له غسل اليدين، والبسملة وقراءة بعض الأدعية المأثورة ثم يبدأ بتناول الطعام. وعليه أن يستحضر عظيم النعم المتوفرة بين يديه، فوجود الماء نعمة، وقدرته على الشرب نعمة، ثم يذكر اسم الله ويشرب حتى يشكر لله على هذه النعمة. وحتى لدخول الخلاء لقضاء الحاجة هناك آداب كالدعاء قبل الدخول، واستحباب تقديم الرجل اليسرى عند الدخول، واليمنى عند الخروج.

هذا كله حتى يدربك الإسلام على إتقان أي عمل تقوم به، تريد أن تحضر اجتماعًا اداريًا تهيأ له قبل حضورك، ماذا ستقول في هذه الاجتماع؟ ماذا يمكن أن تسمع؟ ما هو المطلوب منك؟ بل حتى وأنت تريد زيارة أحد، فكر كيف تكون الزيارة ناجحة موفقة، وتفاعلاتها هكذا ينبغي أن يكون الإنسان.

التهيؤ لاستقبال شهر رمضان:

في هذا السياق تأتي الروايات حول تهيؤ الإنسان المؤمن لاستقبال شهر رمضان. حيث ورد عن رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة كان يوجه الناس من خلالها قبيل شهر رمضان، حتى يُهيؤهم لاستقبال هذا الشهر المبارك، وكذلك وردت خطب عن عليّ وروايات عن سائر الأئمة ، كلّها تصب في هذا السياق، ومنها الرواية التي ينقلها عبد السلام الهروي عن الإمام الرضا . في مجتمعاتنا نتهيأ ماديًّا لاستقبال شهر رمضان بتفقد حاجات البيت حيث تزدحم الأسواق لشراء المواد الغذائية، وكأن شهر رمضان هو شهر الطعام والشراب! كل التقارير تشير إلى أن استهلاك المواد الغذائية يزيد في شهر رمضان، فأين استعداداتنا الروحية والاجتماعية؟

صيام أيام قبل رمضان

تؤكد بعض النصوص أهميّة التهيؤ لاستقبال شهر رمضان بصيام رجب وشعبان، أو صيام شعبان، أو صيام أيام من شعبان، وهو الشهر «الذي كان رسول الله ﷺ يدأب في صيامه وقيامه في لياليه وأيامه»، أو لا أقلّ صيام الأيام الأخيرة من شهر شعبان، ورد عن الإمام جعفر الصادق : «من صام ثلاثة أيام من آخر شعبان ووصلها بشهر رمضان كتب الله له صوم شهرين متتابعين» «من لا يحضره الفقيه، ج2، ص 94».

طهارة المال

هل الطعام الذي ستفطر عليه بعد يوم شاقّ من الصيام من مال حلال؟ يأتي التأكيد على هذا الأمر من رسول الله ﷺ حيث قال: «كلوا الحلال يتم لكم صومكم» «إرشاد القلوب للديلمي». وعنه ﷺ: «العبادة مع أكل الحرام كالبناء على الرمل وقيل كالبناء على الماء» «بحار الأنوار، ج81، ص 258، ح56». لذلك على الإنسان قبل شهر رمضان أن يطهر أمواله، بإخراج حقوق الله من خمس وزكاة، وحقوق الناس. ومن كان عليه شيء من تلك الحقوق فليكن شهر شعبان فرصة له ليحاسب نفسه، حتى يدخل عليه الشهر الكريم وماله طاهر نقي من حقوق الله وحقوق الناس.

تصفية النفس

وذلك بالتوبة وترك الذنوب، ونزع الضغائن والأحقاد من القلب تجاه كلّ أحد قريب أو بعيد، لا تدع في قلبك ذرة حقد على أحد، لتستقبل شهر رمضان بنفس راضية طيبة، حتى تضمن رضا الله تعالى وتنال كرامته في هذا الشهر الكريم.

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»