آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 2:07 ص

الدور الأساس لخديجة وأبي طالب في نصر الإسلام

الشيخ حسن الصفار *

كل فكرة من الأفكار، ومبدأ من المبادئ، حينما يطرح في مجتمع من المجتمعات البشرية كشيء جديد، فإن السبق له يحتاج إلى توافر ميزات معينة، من أهمها ما يلي:

أولًا: الوعي والبصيرة

الطرح الجديد، يحتاج بحثاً بدقة وعناية، ليتم إدراك صحته من خطئه. وعادة الناس أنهم يمانعون أي جديد يخالف ما اعتادوا عليه، ولكن ذوي البصيرة يحكّمون عقولهم، فلا يتأثرون بالرأي السائد، ولا يمانعون أو يقبلون جزافًا، وإنما يدرسون ذلك الأمر الجديد ثم يقررون.

ثانيًا: الثقة بالنفس

مخالفة الرأي السائد، والوضع الذي اعتاد الناس عليه، يحتاج ثقة بالنفس؛ لأن طبيعة الإنسان التكيف مع المحيط الذي يعيش فيه، فإذا ما خطرت بباله فكرة يرى أنها الأصوب، لكنه يعلم أن طرحها سوف يواجه الرفض من الناس، وقد يصل إلى إيذائه، فإنه يتردد في طرحها، وقد يحجم عن ذلك. لكن من عنده ثقة في النفس، وتتوفر لديه الضوابط اللازمة لطرح رأيه فإنه لا يتردد في ذلك.

ثالثًا: الصبر والتحمل

ما دام الشخص واثقًا من نفسه وفكرته، فعليه أن يضع في حسبانه معارضة الناس له، وأن يتحمل ويصبر في سبيل تحقيق هدفه، ما دام مقتنعاً بصحته، وهذا ما لا يتوفر إلا عند النخبة المستعدة للتضحية.

أجيال الرسالة المحمدية:

من هنا فإن القرآن الكريم يتحدث عن هذا التقويم الذي يميز بين المؤمنين، حيث هناك جيلان، جيل آمن بتلك الرسالة الحق منذ البداية، وجيل آمن بها بعد أن تعززت وظهرت قوتها.

تميز الجيل الأول بالوعي والإدراك المبكر، حيث اكتشفوا قبل غيرهم صدق هذه الدعوة، ولأنهم وثقوا بها، وبصاحبها فقد توفرت لهم ميزة الإصرار والإقدام في نشرها ورفع رايتها، فتحملوا الكثير من الأذى في سبيل ذلك.

أما الجيل الثاني فلم يكن في ذات المستوى، ولذلك ميّز الله بينهم: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا. وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ[سورة التوبة، الآية: 100] ومرة أخرى يقول تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ[سورة الواقعة، الآيتان: 10 - 11] وأيضًا: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ[سورة المؤمنون، الآية: 61].

وهذا هو حال واقعنا، حينما يراد إنشاء مشروع جديد يخدم المجتمع، تجد من يبادر في طرح الفكرة، وأناسًا يتفاعلون معها ويدرسونها، ويرون إن كانت نافعة أم لا، وآخرين ينتظرون رأي الناس، ولا يكلفون أنفسهم فعل شيء، والبعض يقف موقف المتفرج، بل ويعارض دون وعي ودراسة. وتجد في الغالب، قلة من الناس ممن يتفاعل مع المشروع في بدايته. كثير من الناس يتفاعلون مع الشيء القائم. وهنا يتمايز الناس فيما بينهم.

شخصيتان عظيمتان

نعيش هذه الأيام، في هذا الشهر المبارك مناسبتين عظيمتين على قلب رسول الله ﷺ وقد أخذتا منه مأخذهما من الحزن والأسى، وسمى ذلك العام لوقوعهما عام الحزن. حيث فقد رسول الله ﷺ زوجته الطاهرة، أم المؤمنين خديجة، وعمه وكفيله شيخ البطحاء أبا طالب . هذان العظيمان كان لهما دور محوري في نصر دعوة رسول الله، وإقامة الدين الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. ولولا دورهما  مع عناية الله عزّ وجلّ وإرادته في إظهار هذا الدين  لكان من الصعوبة بمكان أن تشق الدعوة طريقها.

رسول الله ﷺ ولد يتيمًا، وعاش فقيرًا، فلم تكن له شخصية نافذة  بالرغم من أن شخصيته كانت محترمة ومقدرة  وقد جاء للناس بدين جديد، غير الذي ألفوا عليه آباءهم، فمن الطبيعي أن يقفوا ضده، فكان بحاجة إلى من يدعمه، ويحميه، فهيأ الله له هاتين الشخصيتين العظيمتين: عمّه أبا طالب بوجاهته ومكانته في قومه، وجليل أخلاقه، ونسبه الشريف. وخديجة بنت خويلد ذات الثروة المالية العظيمة، ووفرة العقل، ونبع الحنان.

موقف أبي طالب :

تكفّل أبو طالب بحماية رسول الله ﷺ من أذى قريش، فما كان أحد يمكنه مواجهة رسول الله ﷺ، وكان الوضع يتطلب من أبي طالب ألا يظهر انتماءه للدين فتسقط حمايته، ويحارب معه. كان يشجع أبناءه أن يكونوا في صف رسول الله ﷺ، وهو دليل على إيمانه بما جاء به رسول الله ﷺ. مرّ ذات يوم وبصحبته ابنه جعفر، ورأى رسول الله ﷺ يصلي وعن يمينه ابنه علي. قال لجعفر: صِلْ جناح ابن عمك. ثم مضى جعفر وصلى عن يسار رسول الله ﷺ فاستبشر أبو طالب وراح يقول:

إنَّ علياً وجعفراً ثِقِتي عندَ احْتدامِ الأمورِ والكُرَبِ

أراهُما عُرضَة َ اللِّقاءِ إذا سامَيّتُ أو أنّتَمي إلى حَسَبِ

لا تَخْذُلا وانصُرا ابنَ عَمِّكُما أخي لأُمِّي مِن بَينِهم وأبي

واللهِ لا أخذُلُ النبيَّ ولا يخذُلُه من بنيَّ ذو حسبِ

وقال لابنه جعفر: أما إنه لا يدعونا إلا إلى الخير فالزمه.

وله أشعار كثيرة تدل على إيمانه ومنها قوله:

ولقد علمت بأن دين محمدٍ من خير أديان البرية دينا

مواقفه المشرفة مع رسول الله ﷺ وشعره، وكلامه، وكلام أهل البيت في حقه كلها شهود صدق على إيمانه . ونعتقد بأن أبا طالب  بعد الإمام علي  أفضل الصحابة والمؤمنين. وما القول بكفره إلا فرية أموية، جاءت لمعاداة ابنه أمير المؤمنين. إن ذنب أبي طالب أنه أبو علي! ويحز في النفس أن تُنسى جهود هذا العظيم، وتحمله البلاء والأذى مع رسول الله ﷺ في سبيل الله، ثم يرمى بالكفر والعياذ بالله. يقول ابن أبي الحديد:

ولولا أبو طالب وابنه لما مثل الدين شخصًا فقاما

فذاك بمكة آوى وحامى وهذا بيثرب جسّ الحماما

وما ضرّ مجد أبي طالب جهول لغا أو بصير تعامى

دور أم المؤمنين خديجة :

خديجة امرأة وقادة الذكاء، امتلأ قلبها حبًا لرسول الله، كما امتلأ قلب رسول الله ﷺ حبًا لها، وما فتئ ﷺ يذكر خديجة إلى آخر حياته. كان يتحسر عند ذكرها ويقول: وأين مثل خديجة؟ ويغضب إذا ذُكرت بسوء ويعدد أفضالها. وقد سمّى عام فقدها وفقد عمه أبي طالب: عام الحزن.

روي عنه ﷺ أنه قال: أتاني جبرئيل فقال: «يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي قد أتتك اقرأ من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب» [كنز العمال. ج12، ص130، حديث 34336.].

وعنه ﷺ: «خديجة سابقة نساء العالمين إلى الإيمان بالله وبمحمد» [كنز العمال. حديث 34334.].

وأحاديث كثيرة تبين مكانة خديجة عند رسول الله ﷺ. تروي عائشة كما جاء في أسد الغابة، تقول: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها. فذكرها يومًا من الأيام فأدركتني الغيرة. فقلت: هل كانت إلا عجوزًا فقد أبدلك الله خيرًا منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب. ثم قال: «لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادًا إذ حرمني أولاد النساء. قالت عائشة: فقلت في نفسي لا أذكرها بعدها بسيئة أبدًا» [أسد الغابة في معرفة الصحابة. ج7، ص86.].

وتقول عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة يقول: ارسلوا إلى أصدقاء خديجة. فذكرت له يومًا فقال: إني لأحب حبيبها» [الإصابة في تمييز الصحابة. ج8، ص103.].

وتنقل أم سلمة أنه حينما كلمنه أزواجه في زواج فاطمة الزهراء وذكرن خديجة، بكى وقال: خديجة! وأين مثل خديجة؟ وأخذ في الثناء عليها [أعيان الشيعة. ج10، ص272].

كانت لخديجة شخصية فذة، ولذا فرضت شخصيتها واحترامها في مجتمع جاهلي، لا يرى للمرأة مكانة. كانت وافرة في عقلها، وذات حكمة وفراسة، فاكتشفت شخصية رسول الله ﷺ حين سافر في تجارتها، وسمعت عن سيرته من غلامها ميسرة.

وحين جاءها رسول الله ﷺ متأثراً من أول لقاء بالوحي، يشعر بثقل المسؤولية، وحكى لها ما جرى، قالت: كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على النوائب.

وبادرت للإيمان به. فحظيت بشرف السبق للإيمان به مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي كان معه.

بهذه البصيرة النافذة، والروح العطوفة النبيلة، والكفّ السخية المعطاءة، وقفت مع رسول الله ﷺ ووضعت كل ثروتها تحت تصرفه، بالإضافة إلى الدعم المعنوي والروحي، فكانت تشد من عزمه وتسانده.

نساؤنا وخدمة المجتمع:

ونحن نتذكر دورها العظيم، نذكّر نساءنا بأن كل واحدة منهن يمكنها أن تخدم مجتمعها وتعمل لرفعته، وألا تتجاهل طاقتها الكامنة لخدمة الدين والمجتمع. نساؤنا الآن لديهنّ إمكانيات مادية لا يستهان بها، بسبب الوظيفة، أو التجارة، أو غيرها. حيث تشير الإحصائيات إلى أن النساء يمتلكن عام 2009م 27% من ثروات العالم. أي بما يساوي عشرين ترليون دولار. وفي الشرق الأوسط بما يعادل 22% من الثروات أو نحو خمسمائة مليار دولار. فأين تصرف وتنفق هذه الأموال والثروات؟

للأسف فإن كثيرًا من هذه الثروات تنفق في المظاهر والترف، والأشياء الكمالية، في وقت يكون المجتمع بأمس الحاجة لهذه الأموال. يفترض أن يكن النساء أكثر تفقدًا لحاجات الفقراء والأيتام والأرامل، لما أودع الله في طبيعتهن من عطف ورحمة.

كم في الشرق الأوسط من فقر مدقع، وحاجات اجتماعية؟ فمطلوب من النساء أن يوظفن هذه الثروات في حاجات المجتمع، ويساهمن في نهضته وتقدمه، وأجر ذلك عند الله عظيم.

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»