آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

الإمام علي وعبادة الأحرار

الشيخ حسن الصفار *

ونحن نعيش ذكرى استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فإن علينا أن نلتفت إلى بعض زوايا العظمة في شخصيته، وأن نأخذ الدروس والعبر من سيرته، ومن أهم تلك الجوانب:

علاقته مع الله سبحانه وتعالى، فهو يضع منهاجًا لتوجّه الإنسان العبادي لربّه، وهذا المنهاج يعتمد على قاعدتين:

الأولى: قاعدة المعرفة

إذا تعرّف الإنسان إلى ربه، وعرف شيئًا من عظمته ورحمته، فإن هذه المعرفة تدفعه لعبادة الله، وتجعله مقبلًا عليها. والذين لا يعبدون الله سبحانه إما أنهم يجهلون الله خالقهم، أو أنهم غافلون عن عظمته سبحانه وتعالى.

أمير المؤمنين علي يرسي هذه القاعدة، ليس من أجل أن هذه العبادة تعود بمردود على الإنسان، أو تدفع عنه ضررًا، وإنما لأن الخالق يستحقّ أن يعبد، فقوله : «إلهي ما عبدتك خوفًا من عقابك ولا رغبة في ثوابك» لا يعني أن عليًّا لا يخاف عقاب الله، ولا يرغب في ثوابه، وإنما يعني أن الدافع لعبادة الله بالدرجة الأولى عند علي هي معرفته لعظمة الله سبحانه وتعالى «ولكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك». ولتوضيح هذه العبارة نضرب المثل التالي:

بالنسبة لتبادل الاحترام بين الناس، هناك شخص أحترمه حتى أحصل على المزيد من عطائه، وآخر أبدي له الاحترام والتقدير حتى أدفع عن نفسي سوءه، والأذى الذي قد يصدر منه. وفي المقابل، هناك شخص أقدم له الاحترام والتقدير لا لكسب شيء من عطائه أو لدفع شيء من شرّه؛ بل لأنه يستحقّ الاحترام، حيث تتحلى نفسه بالكثير من المزايا والكمالات.

وعودة إلى عبارة أمير المؤمنين التي يلفت فيها نظرنا إلى أنه لا يجب أن نتعامل مع الله تعالى بعقلية الخوف أو الطمع، وإنما يجب أن نلتفت إلى أن الله تعالى هو أهل للعبادة والخضوع، هذا المعنى للعبادة ترجمة واضحة للقاعدة الأولى وهي قاعدة المعرفة.

القاعدة الثانية: قاعدة الشكر

الطمع والخوف يرتبطان بأمر مستقبلي، والشكر يرتبط بأمر سابق، فلو أن إنسانًا صنع لك معروفًا وأحسن إليك في الماضي فتارة:

تقدم له الشكر على إحسانه.

وتارة أخرى تقدم له الشكر؛ لأنك تريد أن يدوم التواصل معه من أجل استمرار وصول إحسانه ومنفعته إليك. أمير المؤمنين يقول: عليك أن تشكر الله على ما أسبغ عليك من نعمه، فالمنعم يستحقّ الشكر. وقوله إن قومًا عبدوا الله رغبة، أيّ لمصلحة مستقبلية يريدونها من الله فتلك عبادة التّجار، يعطي حتى يأخذ. وإن قومًا عبدوا الله رهبة، أي: خوفًا من عذابه، وألا يعطيهم النعمة التي يريدونها، فتلك عبادة العبيد. وإن قومًا عبدوا الله شكرًا على ما أعطاهم، فتلك عبادة الأحرار.

بين عبادة وعبادة

والسؤال المهم هو: هل هناك فرق بين أن ينطلق الإنسان في عبادته من المعرفة والشكر أو ينطلق من الرغبة والخوف؟

والجواب على ذلك أنه نعم هناك فرق، حيث يتجلى ذلك الفرق في أن من يعبد من أجل الرغبة أو الرهبة، فإنه يكتفي بالمقدار الذي يظن أنه يحقّق له ذلك، مثل الموظف الذي يعمل بمقدار الراتب الذي يعطيه إيّاه ربّ العمل، كذلك الذي لا يصلي إلا ما فرضه الله من الصلوات الخمس اليومية، طمعًا في الثواب، وتجنبًا من عقوبة ترك الصلاة فقط.

أما الإنسان الذي يصلي لأنه يرى الله أهلًا للعبادة، ويتعبّد حتى يشكر الله على ما أسدى إليه من النعم، وأفاض عليه من الخير، فإنه عاشق يخدم معشوقه تقربًا إليه، وحبًّا له. إن هذا اللون من العبادة لا تكون بمقدار أداء ما يسقط به الواجب فقط، وإنما بمقدار ما يتمكن ويستطيع، فأداء الصلاة الواجبة مع كافة مستحباتها، هي لمن يعبدون الله؛ لأنه أهل للعبادة، وشكرًا له على آلائه وفضله ونعمه، لذلك لا يكتفون بالحدّ الواجب، وإنما يطالبون أنفسهم بأقصى ما يستطيعون ويتمكّنون، وهكذا كانت عبادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

علي وعبادة العاشق لله

قال ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة: «أما العبادة فكان أعبد الناس، وأكثرهم صلاة وصومًا، ومنه تعلم الناس صلاة الليل، وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده: أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير، فيصلي عليه ورده، والسّهام تقع بين يديه، وتمرّ على صماخيه، يمينًا وشمالًا، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته، وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده» [شرح بن أبي الحديد. ج1، ص27].

أما بالنسبة للروايات التي تقول أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، فليس المقصود الرقم، بل المقصود أنه كان يصلي أكبر عدد ممكن من الركعات في اليوم والليلة، فهو توصيف للكثرة.

أما الدعاء فقد ورد عن الإمام الصادق أن أمير المؤمنين رجل دَعَّاءٌ  بمعني كثير الدعاء، وقد حفظ لنا التاريخ شيئًا من أدعيته الرائعة، وكيف كان يناجي الله سبحانه وتعالى. فقد نقل عن أبي الدرداء قوله: «شهدت علي بن أبي طالب بشويحطات النجار [أي شجر يتخذ من القسيّ]، وقد اعتزل من مواليه، واختفى ممن يليه، واستتر بمغيلات النخل [بمغيلات النخل: أي النخل الكثيف].، فافتقدته وبعد عليَّ مكانه، فقلت: ألحق بمنزلة، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي، وهو يقول:

«إلهي كم من موبقة حملت عني مقابلتها بنعمتك، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك، إلهي إن طال في عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا أؤمل غير غفرانك، ولا أنا براجٍ غير رضوانك.

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا هو علي بن أبي طالب بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثم فرغ إلى الدعاء والبكاء والبثّ والشكوى، فكان مما به الله ناجى أن قال:

«إلهي أفكر في عفوك فتهون عليَّ خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أَخْذِكَ فتعظم عليَّ بليتي».

ثم قال: «آهٍ إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء»، ثم قال: «آهٍ من نار تنضج الأكباد والكلى، آهٍ من نار نزاعة للشوى آهٍ من غمرة من ملهبات لظىً، قال: ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حسًّا» [بحار الأنوار ج84، ص195].

أيها الأحبة، إننا حين نحتفي بذكرى استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فإن علينا أن نهتدي بسيرته، وأن نُقْبِلَ على عبادة الله تعالى وطاعته، ونحن في هذا الشهر الكريم شهر رمضان، وقد بقيت منه العشر الأواخر، التي كان رسول الله ﷺ يقبل فيها على العبادة والطاعة، لذا علينا أن نغتنم هذا الوقت، ونستفيد من هذه الفرصة، فما يدرينا أنعيش إلى عام قادم أم لا، لنكسب الفرصة، أطال الله أعمارنا جميعًا في خير وصلاح.

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»