آخر تحديث: 30 / 3 / 2020م - 2:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحب يقوي حبكة قواعد العشق الأربعين

كاظم الشبيب

الحب في رواية «قواعد العشق الأربعون» للكاتبة إليف شافاق أكبر وأشمل من عجز بيت الشعر المشهور «وللناس فيما يعشقون مذاهب»، فكل صورة من صور الحب تستظل بمظلة عريضة كالسماء اسمها الحب.

الحب وعناصر الرواية

ما جعل الحب طاغيا في كل سطر من أسطر الرواية هو تغلغل فروع نهر الحب في أعماق كل عنصر من عناصر الرواية الأساسية أو الفرعية «الحبكة - الشخوص - الزمان والمكان - بيئة الرواية ومجتمعها - الأحداث - اللغة» وهو ما جعل عنصر التشويق عاليا يشد إليه المتلقي حتى نهايتها، ويمكن متابعة بعض تلك العناصر والغوص فيها وفق ما يلي:

بيئة الرواية

هي من الروايات التي تتعدد مجتمعاتها المتفرقة، لكنها لا تلبث أن تلتحم من حيث وحدة الإنسان، وحدة الخلق، وحدة الإحساس، وحدة الألم، وحدة الفرح، بيئة اجتماعية وثقافية وحياتية سارت مجريات أحداثها في القرن الثاني عشر الميلادي، أي قبل 800 سنة، في آسيا والشرق الأوسط، وبيئة أخرى مختلفة جرت أحداثها وعاش أهلها في الزمن الحاضر في أمريكا وأوروبا، فتتلاقى البيئتان عبر شخصياتها الرئيسية في ظلال الحب.

مجتمع شرقي ومجتمع غربي بكل الفروقات الحياتية في البيئتين، من حيث بيئة الشرق يمكن اعتبارها - الرواية - تاريخية، ولكن من حيث الغرب يمكن اعتبارها معاصرة. لا يعني الفارق بين الزمانين والمكانين أنها رواية خيالية، بل على العكس من ذلك فهي رواية واقعية جدا من حيث التفاصيل السردية للأحداث التي جرت عام 2001م وأحداث ووقائع جرت عام 2008م. الحب هو الحب في البيئتين، الحب العرفاني أم الحب الإنساني والبشري، بينما الحياتان مختلفتان، هنا وسيلة النقل الخيل والبغال والمشي، وهناك الطائرة والسيارة، مظاهر ووسائل الحياة مختلفة ومتغيرة، بينما طبائع البشر ثابتة، ففي البيئتين إيمان وكفر، خير وشر، صدق وكذب، نور وظلمة، عدل وظلم، صلاح وطهارة مقابل فسق وفجور.

حبكة الرواية

حبكت المؤلفة روايتها كقطعة من الذهب المنقوشة أجزائها بهدوء وروية فتخرج على هيئة سبيكة أدبية رائعة. جمعت المتفرق من أحداثها، تدرجت في تسخين صراعها، سارت بشخصياتها حتى النضوج، ثم عملت على تجميع المتفرق من أجزاء الرواية حتى الاندماج فصار الزمانان وكأنهما زمان واحد، وباتت الأمكنة وكأنها مكان واحد.

وبسبب شدة الانفصال في مجتمعي الرواية، القديم والحديث ثم لسلاسة التجميع بينهما، رغم وجود بطلان في المجتمعين فيهما من المشتركات صفات عديدة وإن كان أحدهما منبهرا بالآخر، رغم كل ذلك، ربما يظن المتلقي، لوهلة ما، أنهما ليسا شخصين، وإنما شخص واحد، بينما في الواقع هما شخصان عاشا في زمنين الفاصل بينهما مقداره ثمانمئة سنة، الأول «شمس التبريزي» المتوفى في القرن الثاني عشر الميلادي، والثاني «عزيز» المتوفى في السنوات الحاضرة، وما جعل الحبكة في الرواية سلسة وناعمة في «الافتراق - التجميع» متانة المشتركات التي تتصف بها شخصيتاهما «شمس وعزيز» التصوف منهجهما. التجوال حياتهما. بساطة العيش ديدنهما، الحب دينهما، عشق الله عقيدتهما.

تقوم الحبكة على مسارين متصاعدين يمثلان أحداث الرواية وإيقاع سيناريوهاتها، هما مساران من العشق، بل هما نوعان من الحب، مسار غايته البناء والتدرج في التجلي والعروج في العشق الإلهي، وآخر يجري ويصب في دروب الحب البشري الصرف، لكنهما يلتقيان ويتنافران في تشكيل ورسم لوحة سيمفونية رائعة الجمال من خلال قواعد العشق الأربعين. ويتخلل هذين المسارين مسارات الحب بأنواعه المختلفة ومستوياته المتعددة بين ذوي القربى وذوي الغربى، بين الإنسان والإنسان، بين الإنسان والجماد، بين الجمادات ذاتها، بين الطبيعة ومكوناتها. ربما تكون نقطة ضعف الحبكة هي عنصر النهاية، ليس المقصود هنا فكرة أو صياغة نص الفكرة، بل المقصود هو طريقة حبكة النهاية التي جاءت في الفصل الأول من الرواية واتضاح صورتها في الفصل الأخير. لا تحتاج حبكة الرواية إلى هذا الأسلوب من التشويق، فالتشويق متوافر عبر العناصر الأخرى بشكل قوي، وهي ليست من الروايات التي تعتمد ملاحقة حدث النهاية «مقتل شمس» من صفحاتها الأولى.

أما عنصر الصراع فهو متتال ومتراكم في شخصيات الرواية، وفي أحداثها، تجد ذلك في الشخصيات الرئيسية ووجدانها، فعند شمس التبريزي وابن الرومي وعزيز وإيلا هناك صراع متصاعد داخل كل شخصية حول الاستمرار والاستسلام للواقع أو القبول بالتغيير والتغير، صراع نفسي يتعرض لهزات وضربات لا تتوقف، صراع بين ابن الرومي ومجتمعه حول قبول المجتمع لابن الرومي المتجدد والمتغير أم رفضه وعدم الاقتناع بمنهجه المستحدث مما أدى إلى مقتل شمس التبريزي شعلة الرواية وبطلها.