آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 4:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المنجز الفريد لمنهج مدرسة الدعاء عند أتباع أهل البيت

أحمد علي الشمر *

كنت وما زلت أعتقد جازما بأنه.. لو أن ما لدي أتباع أهل البيت على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والتسليم من الشعائر العبادية التي تضاف إلى إركان العبادة الرئيسية من صلاة وصوم وحج إلى آخره، مما تؤكد على دلالة توجهات الإنسان المسلم المتشيع لأهل البيت، سوى هذا الكم الهائل من هذه الأدعية النورانية الإيمانية التوحيدية العميقة، التي تركتها وخلفتها ورسختها لنا مدرسة أهل البيت، أقول لو أن ما لدي أتباع هذه المدرسة، سوى هذه الأدعية المجسدة لوحدانية الخالق العظيم، تعبيرا وتوضيحا وتأكيدا على عبوديته ووحدانيته، لكفى بها من مدرسة تراثية عريقة فخرا وعزا وعظمة، في غناها وثراؤها، وما تحتويه من زاد إيماني عميق، ومشمول بكل هذا العطاء الفريد في خطه ونهجه القويم نحو التوجه للخالق العظيم.

فيكفينا فخرا وعزا وإيمانا، بأن ما تملكه هذه المدرسة العريقة، مدرسة رسول الله ﷺ، وأهل بيته الكرام ، من هذه الثروة العظيمة لمدونات وصياغات ومفردات هذه الأدعية، يكفينا بأنها تشتمل على هذه الثروة الهائلة من زاد التقوى والإيمان والوحدانية، وكل ما ينشده المسلم، في عباداته وممارساته وطقوسه، الإسلامية من عبادات وأعمال وشعائر إسلامية أصيلة.

فمن خلال مضمون ما تشتمله هذه المدرسة، نجد بأنها تعبر تعبيرا توصيفاي دقيقا وصادقا ووافيا لمقاصدها وأعمالها وأهدافها، بل وتعد منجز لمنهج فريد لهذه المفردات، يعد بكل المقاييس من أثمن وأنجز الثروات والتركات الإسلامية الأصيلة، التي أنجزتها ذات المدرسة، بعد كتاب الله وسنة نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ومن ثم أحاديث وروايات أهل البيت ، والتي هي في الواقع نموذجا حقيقيا واضحا ومجسدا، لجوانب بليغة من تلك النماذج الجميلة والعظيمة في قيمتها وتصويرها البليغ، لما سطرته تلك العترة الطاهرة من هذه النصوص، والتي لم يتكرر ذكرها، ولم ترد نصوصها على ألسنة غيرهم من الناس، مهما بلغ شأنهم أو عظمت مكانتهم، ومنذ أوائل العصر الإسلامي وحتى يومنا هذا، وخاصة بما تضمنته من محتويات ومضامين دقيقة ومعبرة في معانيها ومفرداتها الفريدة، بالإضافة إلى الخاصية التي أتت بها في تصوير وتجسيد ورص هذه النصوص القيمة مما جاء في سياقات تلك الأدعية العظيمة، وبما تتضمنه أيضا من آيات قرآنية أمزجت وأضيفت للكثير من نصوصها، دلالة على عظمة التصوير وبلاغة التعبير المحكم لأبعاد وعمق لغتها ومحتواها، وهي لغة تفرد ت بها هذه المدرسة في نهجها وأصالتها، وهذا أيضا فضلا عن التنوع الشامل لمجمل ما تضمنته واحتوته من المقاصد والأهداف، وكذلك في ناحية حسن الصياغة والتناسق والتنظيم المحكم، في مادتها وموضوعاتها ولغتها، وكافة العناصر التي تتناولها، والمرتبطة بالقضايا والمشاكل المتنوعة، التي تعكس الجوانب الروحية المختلفة لتوجهات المسلم وعباداته اليومية.

أدعية يومية تلبي طلبات المسلم في كل زمان ومكان

ولو أخذنا مثالا ونموذجيا حيا ومجسدا لروعة ما جاء في بعض نصوص هذه الأدعية، فسنجد بأن هناك كم هائل من هذه الأدعية المنسقة والمرتبة، وفقا لدواعي ومتطلبات الحاجة إلى ممارستها والعمل بها في كل يوم أوكل وقت أوكل مناسبة، وهي أدعية رغم اختصار بعضها إلى أسطر قليلة، فإنه قد روعي في تكامل شموليتها، بأن تتناول كافة السبل والمسالك كما بينت، التي ينقطع إليها المسلم في توجهاته ومناجاته وأوردته وعبادته، وكل ما ينشده من دعاء إلهي له وحده، وبحسب الأولويات والدواعي والحاجات والأوقات والأزمان والمكان والأسباب والأيام والمناسبات المختلفة، والتي تلبى وتغطي جميعها كل هذه المجالات المقصودة، كأدعية أيام الأسبوع، وأدعية تعقيبات الصلوات اليومية، وغيرها الكثير الكثير من الأدعية، التي تبحث العديد من القضايا، التي يحتاج إليها المسلم، توسلا وتوجها إليه سبحانه وتعالى وحده.

ولوعدنا إلى أدعية أيام الأسبوع، وأدعية تعقيبات الصلاة مثلا، فسنجد أن هذه الأدعية القصيرة وتختصرها بعض كتيبات الأدعية المتخصصة، في أسطر قليلة ومجتزأة، تخفيفا على كاهل المسلم، ومراعاة لطبيعة ظروفه العملية والصحية والمكانية، أقول لوعدنا لذلك لوجدنا أن هذه الأدعية تعبر تعبيرا دقيقا ومنهجيا عن عظمة مدرسة أهل البيت في قوة تأثيرها وتعبيرها وتصويرها وبلاغتها، في مناجاة الخالق والتوسل إليه سبحانه وحده، وهذه الأدعية اليومية التي يرددها أتباع هذه المدرسة، مدرسة أهل البيت يوميا، نجد فيها كذلك ما يلجم تقولات وتخرصات بعضهم، فيما يتأولوه أو يتناقلوه، عن شيعة وأتباع أهل البيت حول التشكيك في وجود أعمال «شركية» في أدعيتهم، فإن هذه الأدعية تعتبر وحدها من هذه الناحية، كافية للجم هذه الأفواه والرد على كل من يتأول أويتهم أو يشكك، في ترديد مثل تلك الأكاذيب والافتراءات الباطلة ضد أتباع أهل البيت، بنبزهم بمزاعم شركية عبر هذه الأدعية، لا صحة لها جملة وتفصيلا.

كما أن من هذه الادعية النورانية الإيمانية العميقة، في قوة بلاغة تعبيرها ومغزاها، والثرية بمواضيعها وأبعادها الكبيرة، والعميقة في كلماتها ومعانيها، والواضحة فى تركيزها وبيانها، على ترجمة وتجسيد معاني وكلمات ودعوات المسلم، إلى ربه تقربا، بالمناجاة والاستغفار، وطلب الوسيلة والحاجة منه سبحاته، هناك كذلك جملة من الأدعية القيمة والعظيمة لهذه المدرسة، والتي منها دعاء «أبوحمزة الثمالي» للإمام على بن الحسين زين العابدين سلام الله عليهما، وهو واحد من هذه الأدعية الوجدانية التي تجسد وحدانية الخالق سبحانه تعالى.

دعاء كميل بن زياد رحمه الله.. أبعاد وحدانية وتنوع موضوعي

كذلك من الأدعية التي تعتبر، قمة في تجسيد وحدانية الخالق، وترتكز على عناصر تبيانية قوية وواضحة المعاني عميقة الجذور وبليغة التعبير، يأتي دعاء كميل بن زياد رحمه الله، والمعروف بدعاء كميل، وهو دعاء الخضر ، ومروي عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب ، وقد علمه كميلا، والذي هو من خواص أصحابه، وهو أفضل الأدعية كما يروي «العلامة المجلسي» رحمه الله، وهو كذلك من الأدعية التي يفضل الدعاء به، في ليلة النصف من شهر شعبان وليالي الجمعة، كما يروى بأنه يجدي في كفاية شرّ الاعداء، وفي فتح باب الرّزق، وفي غفران الذنوب.

وهذه مقاطع مختصرة من هذا الدعاء

«اَللّهُمَّ اِنَّي أسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء، وبقوتك التي قَهَرْتَ بِها كُلَّ شَيْء، وَخَضَعَ لَها كُلُّ شَيء، وَذَلَّ لَها كُلُّ شَيء، وَبِجَبَرُوتِكَ الَّتي غَلَبْتَ بِها كُلَّ شَيء، وَبِعِزَّتِكَ الَّتي لا يَقُومُ لَها شَيءٌ، وَبِعَظَمَتِكَ الَّتي مَلاََتْ كُلَّ شَيء، وَبِسُلْطانِكَ الَّذي عَلا كُلَّ شَيء، وَبِوَجْهِكَ الْباقي بَعْدَ فَناءِ كُلِّ شَيء، وَبِأَسْمائِكَ الَّتي مَلأتْ اَرْكانَ كُلِّ شَيء، وَبِعِلْمِكَ الَّذي اَحاطَ بِكُلِّ شَيء، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذي اَضاءَ لَهُ كُلُّ شيء، يا نور يا قُدُّوس، يا اَوَّلَ الاَْوَّلِينَ وَ يا آخِرَ الاْخِرينَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوب التي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اَللّهُمَّ اغْفِرْ لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّرُ النِّعَمَ، اَللّهُ اغْفِرْ لي الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعاء اَللّهُمَّ اغْفِر لِي الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ الْبَلاءَ، اَللّهُمَّ اغْفِر لي كل ذنب أذْنَبْتُهُ، وَكُلَّ خَطيئَة اَخْطَأتها.

 ويمكننا من خلال هذه القراءة الموجزة لهذا الدعاء، ملاحظة أنه يأتي كأحد الأدعية الشاملة، في إحاطته بكافة العناصر، البعدية والبلاغية فى قوة مفرداته، فضلا عن شموليته وتنوعه الموضوعي، وحيث يتأكد لنا وضوح هذه المعاني، من خلال استطرادنا لإكمال القراءة لبقية هذا الدعاء.

كما يتضح لنا من خلال ذلك، جمال الرؤيا وفصاحة الكلمات، وسلاسة التعبير، وجلالة مفردات الصياغة وعظمتها المحكمة، لإبراز المعنى الوجداني في تجسيد الوحدانية، كمظهر من المظاهر التي تتميز بها هذه الأدعية، والتي يتجلى فيها هذا الدعاء كغيره، من أدعية أهل البيت ، في إبراز هذه النماذج القيمة والعظيمة لما جاءت بها هذه المدرسة المتفردة.

تنوع موضوعي ومكاني وزماني واختلاف جامع للمقاصد والأهداف

ومما تجدر الإشارة إليه، إلى أن ما تتميز به مضامين هذه الأدعية لهذه المدرسة أيضا، أن لها شمولية جامعة في بعدها الموضوعي والمكاني والزماني، بالإضافة إلى اختلاف رؤاها وتناولها لجميع المقاصد والاهداف، التي تبحثها وتصورها، لذات الموقف والمشهد المكاني والزماني، حيث يمكن للمسلم أن يتناول، أحد هذه الأدعية في الوقت والموقف والزمان والمكان، وأن يختار منها ما يشاء من الدعاء المناسب، لجميع هذه الجوانب مجتمعة، أوكل بمفرده أو بحسب مناسبته، وكذلك اختيار الحالة المناسبة، كالحالات الصحية والمرضية والنفسية، والمناسبات العامة والوفيات والأعياد والزيارات إلخ.

دعاء الجوشن الكبير

ومن الأدعية أيضا التي تتميز بجلالها وعظمتها، وما تتسم به مفرداتها اللغوية، وصياغاتها الموضوعية، من ندرة في تمازج كلماتها، هناك دعاء الجوشن الكبير المذكور في كتابي البلد الامين والمِصباح ل «الكفعمي» والمدون في الكثير من كتب الأدعية، وهُو مَرويّ عَنِ الإمام السّجاد عن أبيه عَنْ جدّه عن النبي صلى الله عليه وعليهم اجمعين، وَقد هبط به جبرئيل على النبيّ ﷺ وهو في بعْضِ غزواته وَعَلَيْهِ جَوشن ثقيل المهُ، فقال: يا محمّد ربّك يقرئك السّلام ويقول لكَ: اخلع هذا الجوشَنْ واقرأ هذا الدعاء فهو أمان لكَ ولامّتك، ثمّ أطال في ذلك فضله بما لا يسعه المقام، وجاء أن مِنْ جُملة فَضله أقوالا مأثورة منها - انّ مَنْ كتبه على كفنه استحى الله أن يُعذّبه بالنّار، ومَنْ دعا به بنيّة خالِصة في أوّل شهر رَمضان رزقه الله تعالى ليلة القدر، وَخلق له سَبعين ألف ملك يسبحون الله ويقدسونه وجعل ثوابهم له، وَمَن دعا به في شهر رمضان ثلاث مرّات حرّم الله تعالى جَسده على النّار وأوجب له الجنة ووكل الله تعالى به مَلَكين يحفظانه مِن المعاصي، وَكانَ في أمان الله طول حياته  وفي آخر الخبر لهذه الأقوال أيضا  انّه قال الحُسين أوصاني أبي عليّ ابن أبي طالب بحفظ هذا الدعاء وتعظيمه، وأن أكتبه على كفنه وأن أعلمه أهلي، واحثّهم عليه، وهُو ألف اسْم وفيه الاسم الاعظم.

وبذلك يستفاد مما ورد في هذا الحديث كما جاء في السياق، أمران أشار إليهما أيضا العلامة «بحر العلوم» في كتابه «الذرة»

الأوّل: استحباب كتابة هذا الدّعاء على الاكفان

والأمر الثاني:

هو استحباب الدّعاء به في أوّل شهر رمضان، وبالإجمال فإن هذا الدعاء يحتوي على مائة فصل وكلّ فصل يحتوي على عشرة أسماء مِن أسماء الله تعالى، حيث يردد في آخر كل فصل  سُبْحانَكَ يا لا اِلهَ إلاّ اَنْتَ الْغَوْثَ الْغَوْث  خَلِّصْنا مِنَ النّارِ يا رَبِّ  وجاء أيضا في كتاب البلد الأمين  أنه ابتدئ كلّ فصل بالبسملة واختتم بالقول  سُبْحانَكَ يا لا اِلهَ إلاّ اَنْتَ الْغَوْثَ الْغَوْثَ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ خَلِّصْنا مِنَ النّارِ يا رَبِّ يا ذَا الْجَلالِ وَالاْكْرامِ يا أرْحَمَ الرّاحِمينَ.

وإليك عزيزي أجزاء مقتطفة من هذا الدعاء العظيم

«اللهم أني اَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ يا اَللهُ يا رَحْمنُ يا رَحيمُ يا كَريمُ يا مُقيمُ يا عَظيمُ يا قَديمُ يا عَليمُ يا حَليمُ يا حَكيمُ سُبْحانَكَ يا لا اِلهَ إلاّ اَنْتَ الْغَوْثَ الْغَوْثَ خَلِّصْنا مِنَ النّارِ يا رَبِّ يا سَيِّدَ السّاداتِ يا مُجيبَ الدَّعَواتِ يا رافِعَ الدَّرَجاتِ يا وَلِيَّ الْحَسَناتِ يا غافِرَ الْخَطيئاتِ يا مُعْطِيَ الْمَسْأَلاتِ يا قابِلَ التَّوْباتِ يا سامِعَ الاْصْواتِ يا عالِمَ الْخَفِيّاتِ يا دافِعَ الْبَلِيّاتِ يا خير الغافرين يا خير الْفاتِحينَ يا خَيْرَ النّاصِرينَ يا خَيْرَ الْحاكِمينَ يا خَيْرَ الرّازِقينَ يا خَيْرَ الْوارِثينَ يا خَيْرَ الْحامِدينَ يا خير الذّاكِرينَ يا خَيْرَ الْمُنْزِلينَ يا خَيْر المحسنينَ.

الإمام علي بن الحسين زين العابدين وصحيفته السجادية العظيمة

يعرف مجموعة من العلماء والباحيثن، الإمام علي بن الحسين زين العابدين «السجاد» أحد ألقابه أيضا بأنه ليس في تاريخ هذا الشرق  الذي هو مهد النبوات من يضارع الإمام زين العابدين في ورعه وتقواه، وشدة انابته إلى الله، اللهم إلا آباؤه الذين أضاءوا الحياة الفكرية بنور التوحيد، وواقع الإيمان.

وتعتبر الصحيفة السجادية «أم أدعية الإمام» من ذخائر التراث الإسلامي، ومن مناجم كتب البلاغة والتربية والأخلاق، والأدب الإسلامي، ونظراً لأهميتها البالغة يذكر عدد من كبار رجال العلم والفكر الإسلامي، أنه قد أطلق على هذه الصحيفة أو أنهم سموها بأخت القرآن، وإنجيل أهل البيت، وزبور آل محمد.

ويذكر بأنه مما زاد في أهميتها، أنها جاءت في عصر طغت فيه الأحداث الرهيبة، والمشاكل السياسية القائمة على حياة المسلمين، فأحالتها إلى سحب مظلمة ليس فيها أي بصيص من نور الإسلام وهديه وإشراقه، فقد انشغل المسلمون بالتكتل الحزبي والسياسي، سعياً وراء مصالحهم واطماعهم، ولم يعد هناك أي ظل لروحانية الإسلام وتعاليمه، وآدابه وحكمه، وهي حالة تشبه إلى حد بعيد جدا العهد الذى نعيشه اليوم للأسف.

ومن هنا فقد فتحت الصحيفة السجادية آفاقاً جديدة للوعي الديني، لم يكن المسلمون يعرفونه من ذي قبل، فقد دعت إلى التبتل وصفاء الروح، وطهارة النفس والتجرد من الأنانية، والجشع، والطمع، وغير ذلك من النزعات الشريرة، كما دعت إلى الاتصال بالله تعالى خالق الكون، وواهب الحياة، الذي هو مصدر الفيض والخير، لجميع الكائنات.

كما وأنها تعد من الثروات الفكرية والعلمية التي أثرت في عطاء الإمام زين العابدين وباعتبارها تمثل الإبداع والانطلاق والتطور، فلم تقتصر على علم خاص، وإنما شملت الكثير من العلوم كعلم الفقه والتفسير وعلم الكلام والفلسفة، وعلوم التربية والاجتماع، وقد عني بصورة خاصة بعلم الأخلاق، واهتم به اهتماماً بالغاً، ويعود السبب في ذلك إلى أنه رأى انهيار الأخلاق الإسلامية، وابتعاد الناس عن دينهم من جراء الحكم الأموي الذي حمل معول الهدم على جميع القيم الأخلاقية فانبرى إلى إصلاح المجتمع وتهذيب أخلاقه، ويقول عنه بعض علماء الشيعة  إنه حين استسلم الناس لشهواتهم تابعين لملوكهم أخذ الإمام يداوي النفوس المريضة بالصرخات الأخلاقية والآيات السامية.

وهكذا عالج الإمام بصورة موضوعية وشاملة القضايا التربوية والأخلاقية، وبحيث تعتبر بحوثه في هذا المجال من أنفس البحوث الإسلامية وأدقها في هذا المضمار.

لذلك تأتي الصحيفة السجادية، من أجمل تلك الثروات، بل من أهمها وأكثرها عطاءً في تنمية الفكر الإسلامي، وذلك بما تضمنته، من أدعية جليلة ومتفردة بعطائها الموضوعي والبلاغي، وقد عرفت ب «الصحيفة السجادية» كما أسماها العلماء تارة بزبور آل محمد ﷺ وأخرى بإنجيل آل محمد ﷺ وعدوها بعد القرآن الكريم، ونهج البلاغة في الأهمية وهي  كما يصف العلماء والمفكرين هذه الصحيفة، بأنها تضمنت منهج متكامل للحياة الإسلامية، وذلك بما حوته من معالم الأخلاق وقواعد الاجتماع، وقد احتلت المكانة المرموقة عند الأوساط العلمية الإمامية، حيث عكفوا على دراستها وشرحها.

ويذكر أيضا بأن شروحها قد تجاوزت لأكثر من خمسة وستين شرحاً، كما أن من مظاهر اهتمامهم بها أنهم كتبوا نسخاً منها بخطوط جميلة تعد من أنفس الخطوط العربية، كما زخرفت بعضها بالزخرفة الثمينة التي هي من أنفس الذخائر في الخطوط العربية.

كما وأنه لم تقتصر أهمية الصحيفة السجادية على العالم العربي والإسلامي، فحسب وإنما تعدت إلى العالم الغربي، فقد ترجمت إلى اللغة الإنكليزية والألمانية والفرنسية، وأقبل علماء الغرب على دراستها، والامعان في محتوياتها، وقد وجدوا فيها كنزاً من كنوز الفكر والعلم، كما وجدوها تفيض بالعطاء لتربية النفس وتهذيبها بمكارم الأخلاق.

لهذا فقد أضافت إلى ذخائر الفكر الإنساني ثروة ثمينة وقيمة لا تطال، وذلك بما حوته من ألوان الثقافة العالية، ومما ندر وجوده في الكتب الدينية والأخلاقية، كما وأنها تعتبر من أهم المصادر في دراسته شخصية الإمام زين العابدين .

كتابه القيم كذلك «المناجات الخمس عشرة»

كذلك من كتب ومؤلفات الإمام زين العابدين القيمة في ميدان الأدعية والمناجاة كتابه «المناجات الخمس عشرة» وهي من الأرصدة الروحية في دنيا الإسلام، فقد عالج بها الإمام الكثير من القضايا النفسية والروحية، كما فتح بها آفاقاً مشرقة للاتصال بالله تعالى، فقد ناجاه بقلب مفعم بالأمل والرجاء، وتضرع إليه بتذلل وخشوع، وذاب أمام عظمته، ورجاه رجاء المخلصين والمنيبين، واتجه إليه بقلبه ومشاعره فلم يبصر غيره، فوقف يناجيه صاغراً ذليلاً منكسراً، يرجو العفو، ويطلب منه الغفران، وقد غمرت مناجاته قلوب المتقين والصالحين من شيعة أهل البيت ، فراحوا يناجون بها الله في غلس الليل البهيم، وفي الأماكن المقدسة راجين منه تعالى أن تشملهم عنايته وألطافه.

ولقد شاعت نسبة هذه المناجات للإمام زين العابدين ودونها المحقق المجلسي في بحاره، وعدها العلماء الذين ألفوا في ملحقات الصحيفة السجادية من بنودها، كما ذكرها المحقق الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان، وقد نظر إليها العلماء باهتمام بالغ، فقد ترجمت إلى بعض اللغات منها اللغة الفارسية، كما خطت بخطوط أثرية مذهبة ومزخرفة، وتعد بحق من ذخائر الخط العربي، وقد حفلت بها خزائن المخطوطات في مكتبات العالم الإسلامي.

من كنوز كتبه القيمة كذلك كتابه «رسالة الحقوق»

ومن كنوز الكتب المهمة كذلك للإمام في إطار هذا التوجه الإسلامي العظيم يأتي كتابه المعروف ب «رسالة الحقوق» كواحد من هذه الكتب القيمة والزاخرة بهذه الألوان من النفائس الثمينة التي وضع فيها المناهج الحية لسلوك الإنسان، وتطوير حياته، وبناء حضارته، على أسس تتوفر فيها جميع عوامل الاستقرار النفسي، ووقايته من الإصابة بأي لون من ألوان القلق والاضطراب، وغيرهما مما يوجب تعقيد الحياة.

فقد نظر هذا الإمام الحكيم بعمق وشمول للإنسان، ودرس جميع أبعاد حياته وعلاقاته مع خالقه ونفسه وأسرته ومجتمعه، فوضع له الحقوق والواجبات اللازمة، وجعله مسؤولاً عن رعايتها وصيانتها ليتم بذلك إنشاء مجتمع إسلامي تسوده العدالة الاجتماعية والعلاقات الوثيقة بين أبنائه من الثقة والمحبة، وغيرهما من وسائل التطور والتقدم الاجتماعي.

ويشار إلى أنه لم يسبق نظير لمثل هذه الحقوق والتشريعات التي شرعها الإمام العظيم في هذا الكتاب العظيم سواء، فيما شرعه في جانب الفكر السياسي أو الاجتماعي قديما، وهو كذلك ما يناسب عصرنا الحديث وبما جاءت به التقنينات والتشريعات الحديثة في مجال وميدان حقوق الإنسان، والمؤسسات ذات العلاقة في المجالات والميادين الاجتماعية والأخلاقية والتربوية.

إضافة ختامية أخيرة

هناك كلمة إضافية لابد من الإشارة إليها، وأنا أوشك على ختام هذا البحث، حول منجز هذه الأدعية، من الذخائر والجواهر الثمينة، لما جاء عن أهل البيت ، وهي:

أولا: إنني أستغرب في بعض الأحيان، أنه رغم الأهمية البالغة لهذه الأدعية، فإن الخطاب المنبري الحسيني لدينا، لا يعطي هذه المسالة حقها من الطرح الذي تستحقه، فالقليل والنادر من يتعرض للقيمة البلاغية والموضوعية لهذا المنجز الفريد، الذي اختص به أئمة أهل البيت .

وثانيا: أود التأكيد هنا أيضا على حقيقة معلومة لدينا، وهي أنه رغم المنزلة الخاصة لهذه الأدعية عند أتباع أهل البيت، فان أئمتنا ، وكذلك جميع مراجعنا وعلماؤنا الأجلاء، جميعهم يؤكدون برغم هذه المكانة والقيمة والأهمية العظمى لهذه الادعية، فإنها ليست بديلا عن العمل والجهاد، فدعاء المسلم لربه، لابد وأن يقترن بالفعل والقول والعمل، ويجسد تجسيدا حقيقيا، بما يعكس طبيعة سلوكه وأخلاقه وتعامله مع الآخرين في الاستقامة، والجهاد ضد النفس الامارة بالسوء، والخضوع لله سبحانه وتعالى خشية وطاعة، والتأكيد على الإيمان بالله، والاتكال عليه قولا وعملا وممارسة.

وإذن تبقى في نهاية المطاف أهمية وقيمة ومكانة ومنزلة، هذه الأدعية كمنجز ثري بمضامينه ولغته وبلاغته وحكمه، وبإرثه التاريخي الذي ليس له مثيل، وباعتباره أحد المنجزات التراثية الإسلامية العريقة الأصيلة، لما جاء وصدر عن تلكم العترة الطاهرة، من أهل البيت على نبي الرحمة وعليهم أجمعين، أفضل الصلاة والتسليم، وحيث سيظل أتباعهم، وكل من يصدع بالحق من المسلمين في أنحاء المعمورة يرددون هذه الأدعية وتله جبها ألسنتهم، ويستلهمون منها الرجاء والأمل والآفاق الرحبة نحو طاعة الله ورسوله وأهل بيته ، وبما ينهض بالوعي الديني، لمعرفة الله والانخراط إلى عبادته، بصفاء الروح وطهارة النفس، والتجرد من موبقات وصفات الأنانية والجشع والطمع والنزعات الشريرة، تقربا لله سبحانه تعالى خالق الكون وواهب الحياة، ومصدر الفيض والخير لجميع المخلوقات والكائنات.

والحمد لله رب العالمين الذى وفقني لإعداد هذه الدراسة، حول هذا البحث «للمنجز الفريد لمنهج مدرسة الدعاء، عند أتباع أهل البيت » والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»