آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:57 ص

في جزيرة تاروت

رحيل آخر ”حواج“ طبيب أعشاب

محمد أبو زيد

غيب الموت يوم الاثنين الماضي الحاج السيد محمد السيد شبر الحواج آخر طبيب وبائع أعشاب في جزيرة تاروت بعد حياة حافلة بالعمل والخدمة الاجتماعية والذكر الحسن.

ولد السيد محمد ”ابو سيد رسول“ في جزيرة تاروت عام 1357 هـ  لوالدين كريمين هما الوجيه الحاج السيد شبر بن السيد ابراهيم بن السيد علي بن السيد شبر الحواج المتوفى في شوال 1416 هـ  ينتهي نسبه الشريف للإمام الحسن المجتبى .

وأمه الفاضلة الحاجه زهراء بنت حسن الزاير شقيقة كل من محمد وعبد الحسين وعبد علي الزاير، إحدى أبرز معلمات القرآن الكريم في جزيرة تاروت وتتلمذت على يديها ثلة من النساء المؤمنات والخطيبات وقد توفيت في العراق في إحدى زياراتها ودفنت في مقبرة الغري بجوار أمير المؤمنين وكان ذلك في حدود عام 1394 هـ .

عرفت الأسرة بمهنة ”الحواجه“ وكان موطنهم الأصلي البحرين، والحواج هو صانع وبائع وطبيب عشبي في أغلب الأحيان، وقد توارثت الاسرة هذه المهنة خلفا عن سلف الى أن انتهت الى السيد شبر الحواج ومحله او دكانه الواقع في سوق تاروت المسقوفة ”الصكة“ كان معروفاً ومقصوداً من داخل وخارج جزيرة تاروت لشراء الأدوية العشبية التي كان يستقدمها من الأحساء والبحرين والعراق وإيران بحكم سفراته المتكررة الى تلك البلدان سوا ما كان يُصنعه من أعشاب محلية.

كما كان يتاجر في البهارات والأواني المنزلية وغيرها من الأدوات الأخرى.

يعد المرحوم السيد شبر الحواج أحد أبرز الوجها شعراء الرثاء الحسيني في جزيرة تاروت وقصائده في رثاء العترة مشهورة، وكان ينظمها ولا يكتبها ويلقيها على الخطباء آنذاك ومن ابرزهم الوالد الخطيب الحسيني المشهور المُلا خليل أبو زيد الذي كان يحفظها ويقرأ بها وينشرها بين تلامذته من الخطباء، ومن قصائده الذائعة قصيدته الغراء المشحونة عاطفة ولوعة التي رثى بها شبيه رسول الله ﷺ علي الأكبر ”“ ومطلعها:

ألف وسفه على شبابك يا شبيه المصطفى

ما بلغ عشرين سنك غاب نورك وأنطفى

وهذه القصيدة لا تكاد تغيب في أي موسم عاشوري منذ أن أنشأها مؤلفها والى يوم الناس هذا، كما ان له قصائد شعبية وثقت الحالة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لمجتمع جزيرة تاروت.

بعد وفاة المرحوم السيد شبر الحواج ورث حرفته أبنه السيد محمد الذي كان مرافقا له في الدكان وتعلم على يديه أسرار المهنة وكان يتولى تشغيل المحل وادارته أيام سفر والده وغيابه عن البلد.

احتفظ الدكان بشهرته وموقعه حتى بعد رحيل الأب المؤسس بفضل وعي وإدارة الأبن الراحل السيد محمد وحافظ على استمراره لكنه للاسف لم يتطور كثيراً في مجال الأدوية العشبية بسبب عزوف الناس عن استعمال العلاجات العشبية وانصرافهم الى الطب الحديث وكان ذلك سببا في خفوت دور الطب البديل وانتهاء دوره العلاجي وإن كان البعض لا زال يثق به ويلجأ إليه في علاج بعض الأمراض المعروفة. الا انه تطور في مجال خلط البهارات، وقد أشتهر بالخلطة الشهيرة للسيد محمد التي كان يعمل على خلطها وتوليفها من مجموعة مختارة من البهارات الشرقية ذات النكهة والطعم والمذاق الفريد، وحتى بعد ان ترك الدكان كن بعض النساء يقصدونه في منزله ليقوم بتوليف هذه الخلطة لهن.

مع تقدم عمره اصبح الدكان أشبه بمجلس يرتاده أصدقائه وعارفيه وتحول الى جزء من تراث جزيرة بحكم موقعه الجغرافي في مدخل الصكة مقابلا لحمام تاروت التاريخي ذائع الصيت ولمسجد الحمام الذي سمي فيما بعد بمسجد الامام الحسن العسكري " بعد تجديد بنائه، وقد ظهر الدكان الشهير في أحد الاعمال الفنية الدرامية المحلية التي صورت في جزيرة تاروت قبل سنوات.

غير ان للراحل السيد محمد الحواج ”رحمه الله“ اهتماماته الاجتماعية ووظيفته الدينية الآي ورثها من والده، فكان قيماً على مسجد الشيخ علي بن حسان بالديرة أحد أبرز وأكبر مساجد تاروت وعلى مأتمه العاشوري السنوي الذي أسسه والده، وتنعقد القراءة فيه صباحاً في أيام عِشرة محرم ومناسبات وفايات الأئمة الأطهار ، فكان يختار الخطباء ويقوم على شؤون المأتم بمعونة ابنائه النجباء وفي طليعتهم السيد هادي والسيد رضا الحواج.

تغمد الله الفقيد السعيد بواسع رحمته ورضوانه وأسكنه الفسيح من جنانه وربط على قلوب فاقديه وألهمهم الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

محمد أبوزيد - تاروت 15 شوال 1437 هـ