آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 2:07 ص

تجربتي الأولى في العمل الاجتماعي

الشيخ حسن الصفار *

أتاحت لي إقامتي في مسقط بسلطنة عمان أول فرصة مفتوحة لممارسة النشاط الاجتماعي الديني، فقد كنت في سنّ السابعة عشر من العمر، وفي عزّ الحيوية والحماس، وبعد أن انخرطت كطالب علم في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف وقم المقدسة والكويت، ومارست الخطابة لعدة سنوات في وقت مبكر من حياتي، لكني لم أكن قد تصديت بعد لأي دور اجتماعي، فالأوضاع في بلدي القطيف لم تكن مهيأة آنذاك بسبب طبيعة الظرف السياسي والاجتماعي.

في مسقط كانت الظروف مشجعة على خوض مثل هذه التجربة، حيث دعيت للخطابة من قبل أحد وجهاء الجماعة اللواتية في مطرح وهو الحاج محمد موسى عبد اللطيف رحمه الله، بمناسبة أيام شهر صفر سنة 1394 هـ ، وكان مثيرًا للجمهور تمكني من الخطابة مع صغر سني، مما جذب حشودًا ضخمة من المستمعين وخاصة من أوساط الناشئة والشباب.

وكان قد سبقني للمجيء إلى مطرح الشيخ قاسم الأسدي حيث استقر فيها بضعة أشهر، لكنه لم يكن خطيبًا حسينيًا فلم تتح له فرصة العمل الاجتماعي بالشكل المطلوب، وهو من قيادات الحركة الرسالية في العراق من مدينة كربلاء المقدسة، عرف فيما بعد باسم «الشيخ محسن الحسيني» وتوفي رحمه الله بنوبة قلبية في الأول من شهر رجب 1424 هـ  بعد شهور من عودته لكربلاء في أعقاب سقوط نظام صدام.

وهو من أصرّ عليَّ بتمديد مدة بقائي في سلطنة عمان، حيث رأى الإقبال الكبير من الشباب على حضور مجالسي، والالتفاف حولي، وتعرّفت من خلاله على الحاج علي يوسف الفاضل «أبو لؤي» وجماعته في مدينة مسقط، والذين لم يكن في أوساطهم عالم دين يقيم لهم صلاة الجماعة، ويجيب على الأسئلة الدينية، بينما كان في مدينة مطرح العالم الجليل السيد حسين أسد الله الموسوي، المعروف ب «السيد حسين العالم» وهو من أهالي المنطقة ووكيل المرجعية الدينية هناك منذ عقود من الزمن حتى توفي رحمه الله بتاريخ 27 شعبان 1403 هـ .

فصرت أتردد على زيارة سلطنة عمان، وخاصة في المواسم الدينية، وأمكث فيها ما يزيد على أربعة أشهر في كل عام، لمدة ثلاث سنوات «1394 هـ  - 1397 هـ ».

وقد هيأ لي الحاج «أبو لؤي» حفظه الله سكنًا في مسقط، كان عبارة عن غرفة في حسينية البحارنة قرب مقر مكتب العاصمة في مسقط، قبل زواجي، ثم نقلني إلى شقة سكنية بعد زواجي، ووفر لي كل ما أحتاج من نفقات جزاه الله خير الجزاء، لأقيم صلاة الجماعة في مسجد البحارنة ظهرًا، وفي مسجد الحاج جعفر عبد الرحيم مساءً، إضافة إلى القراءة في المناسبات الدينية.

كانت إقامتي في مسقط، لكن نشاطي وعملي الاجتماعي والثقافي كان في مطرح، لأني تعرفت فيها على جيل من الشباب المتلهف للمعرفة والنشاط، وهم أبناء الجماعة التي يطلق عليها «اللواتية» وجدتهم شبابًا ينطوون على عمق من الانتماء والعاطفة الدينية، ويتصفون بالذكاء والثقة بالذات، والاهتمام بالدراسة والتعليم، وقد منحتهم تربيتهم الأسرية وبيئتهم الاجتماعية المحافظة رقيًا في الأدب والأخلاق.

وأساسًا فإن الجماعة اللواتية يعتبرون الطبقة المتعلمة والمثقفة ذات الخبرة التجارية الاقتصادية في المجتمع العماني آنذاك.

مع هؤلاء الشباب بدأت تجربتي في العمل الاجتماعي، واستفدت كثيرًا من هذه التجربة، وكان تعرفي عليهم فرصة ثمينة لامتحان قدراتي الإدارية والاجتماعية، وتنمية اهتماماتي الفكرية الثقافية.

وقد تفاعل معي هؤلاء الشباب، لأنهم رأوني في سنهم وعمرهم، أقدّم لهم الفكر الديني باللغة التي يفهمونها، ولأول مرة  كما كانوا يقولون  يجدون رجل دين يعيش معهم، ويشاركهم بعض البرامج الترفيهية كالرياضة والرحلات، ويتعاطى معهم دون كلفة ولا حواجز. حيث لم يكن في منطقتهم إلا عالم دين كبير في السنّ، صحيح أنه يزورهم بعض الخطباء في المواسم الدينية، إلا أن العلاقة معهم كانت تقتصر على التلقي والاستماع غالبًا، وأتحدث هنا عن تلك الحقبة الزمنية في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي.

وبحمد الله تعالى فقد تربى من هؤلاء الشباب جيل من الكفاءات والقدرات التي يفخر بها مجتمعهم، وقد شق بعضهم طريقه إلى مواقع قيادية في الدولة والمجتمع وساحة الثقافة والإعلام.

كانت آليات التحرك والنشاط آنذاك إلى جانب الخطابة في المناسبات الدينية، تتمثل في إقامة الدروس التربوية الخاصة بالشباب، حيث اعتمدت نصوص «نهج البلاغة» كمحور أساس. وكنت أكتب كل درس في ملزمة، يطبعها الشباب ويكثرونها عبر جهاز «استانسل» ويتداولونها، ثم طبعت مجموعة من تلك الدروس في كتاب بعنوان «رؤى الحياة في نهج البلاغ».

كما أسسنا مكتبة عامة لتكون مقرًا وعنوانًا لنشاط الشباب باسم «مكتبة الرسول الأعظم ﷺ» على سطح المسجد الرئيس للجماعة الواقع على كورنيش مدينة مطرح.

ومن أجل أن يعبّر الشباب عن ذواتهم، وينمّوا مواهبهم وطاقاتهم، في مجتمع تقليدي يدير شؤونه كبار السن والبارزون من رجال الأعمال، شكّلنا دورة للتدريب على الكتابة والتأليف، واجتهدت في تشجيع الموهوبين منهم على إنجاز بعض الكتابات وطبعها، فكان مثيرًا للاهتمام في ذلك الوقت أن يؤلف شاب صغير كتابًا يشق طريقه إلى الطباعة والنشر. كما تشكلت فرقة للانشاد والاداء المسرحي.

ومن الإنجازات المهمة في تلك المرحلة إصدار مجلة باسم «الوعي» يحررها الشباب بأقلامهم، ويقومون بإخراجها ومتابعة طباعتها ونشرها، وجمع التبرعات لتمويلها، مما اكسبهم خبرات وتجارب في المجال الإعلامي والثقافي، وعزّز ثقتهم بأنفسهم، ولفت أنظار المجتمع إليهم.

أعتقد أن تلك الأنشطة والأجواء التي خلقتها اجتذبت كثيرًا من الشباب إلى أحضان الحالة الدينية والثقافية، وانقذتهم من حالة الضياع والمزالق التي يتعرض لها الشباب، وخاصة في تلك المرحلة من بداية انفتاح المجتمع العماني، بعد استلام السلطان قابوس للحكم.

وقد ساعدنا على النجاح في هذا الحراك والنشاط حسن العلاقة القائمة بين الجماعة وحكومتهم، وأجواء التسامح المذهبي في سلطنة عمان، حيث تتعايش المكونات المذهبية من الإباضية والسنة والشيعة في حالة من الوئام والانسجام، دون شعور بالتفرقة والتمييز، ولا معاناة من التعبئة والتحريض الطائفي.

وكنت اتواصل مع الوزراء والمسؤولين فأجد منهم كل احترام وترحيب بتلك البرامج، وكانت لي صداقة طيبة مع كبار علماء الإباضية كالمفتي السابق الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري رحمه الله، والعالم الأديب رئيس محكمة مطرح الشيخ سالم السيابي رحمه الله، والمفتي الحالي الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله.

كما نشرت مقالات في عدد من الصحف والمجلات العمانية كجريدة عمان، وجريدة الوطن، ومجلة العقيدة، ومجلة الأسرة.

وفي ذاكرتي كثير من الصور والمشاهد الرائعة عن تلك الأيام الجميلة التي قضيتها في سلطنة عمان، أرجو أن أجد الفرصة المناسبة للكتابة عنها في المستقبل إن شاء الله تعالى.

واتقدم هنا بالشكر الجزيل للأخ الكريم الاستاذ عبد الحسين محمد حسن جعفر «أبو سمية» الذي بادر لتوثيق تلك المرحلة، وهو من صنّاعها الناشطين، وروادها المخلصين.

ومن مبادراته الجميلة المشكورة على هذا الصعيد عزمه على إعادة طباعة أعداد مجلة «الوعي» حيث طلب مني كتابة هذه السطور كمقدمة للكتاب الذي يجمع أعداد المجلة. فله جزيل الشكر والتقدير، ولكل إخوتي وأحبتي في مطرح ومسقط الذين سعدت بالتعرف عليهم، واستفدت منهم، لهم جميعًا كل المحبة والثناء، وخالص الدعوات بالتوفيق والاستقامة في خدمة الدين والمجتمع والوطن.

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»