آخر تحديث: 23 / 4 / 2021م - 12:19 ص

نبي ضد التمييز

المراوغة الفرعونية

بدر شبيب الشبيب *

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ «38» وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ «39» القصص

دائما يهرب الطغاة من المواجهة التي تعتمد المنطق والحجة والبرهان إلى اختلاق حدث ما يُلهون به الناس ويصرفونهم عن التفكير العقلاني ليبقوهم تحت السيطرة. إنها سياسة الاستحمار أو الاستخفاف بعقول الناس بحسب المصطلح القرآني: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ[1] .

بالطبع لا تنجح هذه السياسة وأمثالها إلا في مجتمع مهيأ لقبولها، أي بوجود معامل القابلية للاستحمار أو الاستخفاف إذا استعرنا مصطلح المفكر الجزائري مالك بن نبي «معامل القابلية للاستعمار».

لقد طلب فرعون في هذه الآية من وزيره الأول هامان أن يبني له صرحا كي يطلع إلى إله موسى الذي في السماوات، لأنه - أي فرعون - لا يعلم حسب ادعائه بوجود إله غيره، وعدم علمه كافٍ من وجهة نظره في العلم بالعدم كأنه محيط بكل شيء. هذا هو المنطق الفرعوني الذي لا يريد لأحد أن يفكر خارج منظومته وسياقه، بل يريد شعبا من المدجنين المعطلة عقولهم. ولماذا التفكير أصلا، وقد كفاهم مؤونته بقوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ[2] .

وقع هذا الطلب بعد انتصار موسى في يوم الزينة على السحرة، وإيمان السحرة به مما أحدث هزة اجتماعية كبيرة كادت تتسبب في خلق وعي جماهيري جديد مرشح للإطاحة بعرش فرعون في النهاية. ولذا بدأ فرعون كما في سورة غافر يفكر في قتل موسى ويتشاور مع ملئه في الأمر، مما استدعى تدخل مؤمن آل فرعون لمنع ذلك.

ولذا نقرأ في الآيات المتعلقة بمؤمن آل فرعون في سورة غافر: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ «36» أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ «37».

فالطلب هو ذات الطلب مع تفصيل هنا يتحدث عن إيقاد على الطين بالنار لتبيين رغبة فرعون في أن يكون البناء متينا وقويا.

لم يكن الهدف من بناء الصرح وهو البناء العالي سوى إلهاء الجماهير وتضليلهم - على ما يبدو - ولذا فقد مهد فرعون من البداية وقبل الشروع في البناء للنتيجة التي سيصل إليها بعد استقصائه عن إله موسى ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ.

لقد تمادى فرعون وجنوده في غيهم واستكبارهم في الأرض فتصرفوا فيها بغير وجه حق تصرفا يكشف عن رجحان عدم الإيمان بيوم الحساب لدى نفوسهم.

وقفات:

1 - المستبدون يريدون احتكار كل وسائل القوة، ومنها المعرفة؛ فيعطون لأنفسهم القوامة على الناس في تحديد السقف المعرفي الذي لا يجوز لهم أن يتجاوزوه. فهذا فرعون يقول «مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي»، فهو المصدر الأعلى لمعرفتهم. وما دام هو لا يعلم فعليهم أن يأخذوا ذلك أخذ المسلمات، ولا يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن إله آخر. بل وحتى في حال احتمال وجود إله آخر فإنه هو من سيقوم بالبحث عنه وإبلاغهم نتيجة بحثه واطلاعه.

2 - الطاغوت ينفذ رغباته دون أدنى وازع إذ لا يخاف سلطة تشريعية أو قضائية تحاسبه على تبديد الثروات والطاقات فيما لا طائل وراءه. ولذا لم يناقش أحد فرعون في قراره الأحمق ببناء الصرح، بل قاموا بتنفيذ طلبه فورا لأنه لا يجمع حوله إلا المتملقين والمتزلفين الذين يسبحون بحمده ويستجيبون لأوامره. لقد كان بإمكانه أن يصعد مثلا على جبل ما في مصر ثم يعود لقومه ويخبرهم بما رأى، بدلا من إنفاق الأموال العامة في مشروع فاشل.

بالطبع لم يكن بالإمكان مناقشته - وهو المستبد - في أصل المشروع، وأنه لا يمكنه بحال من الأحوال رؤية كل السماء طولا أو عرضا، وبالتالي لا يمكنه الجزم بعدم رؤية إله موسى.

3 - سياسة التضليل الجماهيري وسيلة قديمة من وسائل إبعاد الناس عن المصلحين الذين يسعون لرفع وعي الأمة وتثقيفها وتحريرها من الجهل والاستبداد. ولا تزال هذه السياسة متبعة في عصرنا الراهن بأشكال جديدة يُستخدم فيها جيوش الكتبة والإعلاميين وكافة وسائل صنع الرأي العام.

4 - يتدخل المستبدون حتى في تفاصيل الأمور، فلا يتركون مجالا لغيرهم. فقد كان يكفي فرعون أن يطلب وسيلة للرقي في السماء، ويترك تفاصيل ذلك للمختصين، إلا أنه كما نرى طلب بناء معينا وحدد وسيلة البناء أيضا بتأجيج النار في الطين.

5 - يتدرج الديكتاتور في إسقاط الآخر المعارض ويمهد الأرضية المناسبة لتقبل ذلك. هذا ما يمكن أن نستفيده من قول فرعون عن موسى في سورة غافر ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وفي هذه السورة ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وكلا الاتهامين وردا بصيغة مؤكدة، وقد جعلهما مجرد ظن ليترقى بعد ذلك إلى القطع واليقين بعد أن مهد الطريق لقبول فكرة كذب موسى.

6 - ينقل صاحب تفسير الأمثل عن أبي الفتوح الرازي في تفسيره أنه طبقاً لما ورد في بعض التواريخ، فإنّ هامان أمر بأرض واسعة ليبنى عليها الصرح أو البرج، وهيّأ خمسين ألف رجل من العمال والمهندسين لهذا العمل المضني، وآلاف العمال لتهيئة الوسائل اللازمة لهذا البناء، وفتح أبواب الخزائن وصرف أموالا طائلة في هذا السبيل، وأشغل عمالا كثيرين في هذا البناء. [3] 

7 - لكل طاغوت جنود، هم شركاء في جرائمه، لأنه بدونهم لا يمكنه أن يمارس استكباره وطغيانه.

8 - استكبار المستكبرين هو من غير استحقاق وبدون وجه حق، فالله وحده له الكبرياء. أما غيره فإنه يمارس الاستكبار لتغطية ضعفه وقصوره. يقول الإمام زين العابدين : إنَّما يَعْجَلُ مَنْ يَخافُ الْفَوْتَ، وَيَحْتاجُ إلَى الظُّلْمِ الضَّعِيفُ. [4] 

9 - مجرد الظن بالآخرة يكفي لردع الإنسان عن التكبر واقتراف المعاصي وسلب حقوق الآخرين. يقول الله تعالى عن المطففين: ﴿أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ «4» لِيَوْمٍ عَظِيمٍ «5» يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ «6».

10 - على الإنسان أن يتذكر دائما يوم الحساب حتى يتخلص من رذيلة الاستكبار.

[1]  الزخرف 54
[2]  غافر 29
[3]  تفسير الأمثل، ج12، ص236
[4]  الصحيفة السجادية، ص240