آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:40 ص

رقية... سيدة العطاء والمبادرات التي رحلت على غير ميعاد!!

محمد أبو زيد

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي اليوم لرحيل سيدة فاضلة وناشطة اجتماعية وداعية واعية وخطيبة عاملة هي السيدة رقية العبيدان ”أم محمد سلام“ تغمدها الله بواسع الرحمة والرضوان وربط على قلوب فاقديها بالصبر والسلوان.

رحلت هذه المرأة وهي على وشك الانتهاء من بناء صرح ثقافي وديني واجتماعي، عملت سنين عديدة بجد ونصب تجمع المال وتحشد الجهود من اجل إتمامه ليكون اضافة جديدة متميزة لصروح الثقافة والتعليم والتدريب وممارسة الأنشطة التبليغية واحياء المناسبات الدينية والاجتماعية في بلدتها ذات الكثافة السكانية الكبيرة ”القديح“!

قبل أسابيع من رحيلها كانت على وشك الانتهاء من تشطيب المراحل الاخيرة من المبنى الذي رسمت فيه مستقبلها ومستقبل فتيات ونساء بلدتها حيث كانت ترسل صور تصاميم الأبواب للمقربات تطالبهن مشاركتها في اختيار التصاميم والألوان!!

أم محمد لم تكن المرأة الوحيدة التي حملت هموم والآم وأحلام مجتمعها من خلال ممارسة العمل التبليغي والنشاط الاجتماعي في بلدتها والبلدات المجاورة.

وعلى العكس من ذلك تُعد القديح مركزاً نشطاً في مجال الفعاليات الدينية والانشطة الثقافية النسوية والرجالية، ويحفل تاريخ هذه البلدة الطيبة بأسماء سُطرت بحروف من نور لعدد من الناشطين والفاعلين والمبادرين في هذه المجالات بعضهم لقي الله سبحانه ورحل الى عالم الخلود والبقاء تاركاً ارثاً متميزاً من المبادرات والفعاليات المتميزة في مجالها والمتفوقة فيها على مناطق وبلدات اخرى، والبعض الآخر مازال يسير في ذات الطريق مع وعورته مضيفاً اليه ما يستجد من تطورات وما يحتاج من أفكار ترتقي به وتحسن جودته وتتقن مخرجاته ”وما بدلوا تبديلا“!!

ما يميز الفقيدة السعيدة انها عصامية في كل ما وصلت إليها من مستوى علمي وثقافي، وما حققته من إنجازات تنوء ببعضها أولي العصبة من الرجال الاشاوس والأشداء.

التحقت بالحوزة وقطعت شوطاً متميزاً في تحصيلها العلمي، مارست التبليغ الديني والخطابة الحسينية وحسبها في ذلك ان يذكر اسمها بين أكبر وألمع الاسماء المشهورة والمعروفة في سوق الخطابة النسوية، وأن يذيع صيتها في البلدات القريبة والبعيدة في منطقة القطيف، وهي سوق تحتدم فيها المنافسة فلا يكاد يبرز فيها الا القلة ممن يكتب لهن التوفيق ويحالفهن الحظ ويحظون بالقبول.

لا أقصد بالحظ هنا ما يتبادر من معناه الساذج، وإنما اقصد المعنى العلمي والحقيقي المقترن دائما ببذل المزيد من الجهد والتعب والتوفر على المطالعة والسعي في طريق التحصيل العلمي وغيرها من الضوابط والشروط، وهو ما فرغت الفقيدة نفسها له إيماناً منها بأن التزود بالعلم والتسلح به هو آلة الداعي الى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المُنكَر، والا كان ضرره اقرب من نفعه، فالسائر على غير هدى يفسد أكثر مما يصلح، حيث لا يزداد على كثرة السير الا بعدا كما ورد في الروايات الشريفة.

ومع وعورة هذا الطريق فقد قررت الفقيدة السعيدة الاستمرار فيه لتكون الرائدة والمبلغة والداعية والراثية والمعزية في مناسبات أهل البيت ، فضلاٌ عن مشاركتها في مناسبات المؤمنين الخاصه.

لم تقتصر الفقيدة على أداء مسئوليات هذا العمل الرسالي مع ما فيه من مشقة وعناء، فكانت تتطلع الى لعب دور بحجم طموحاتها وتطلعاتها... ترمق المجتمع ببصيرتها الواعية وتجس الآمه وتحس بهمومه وأوجاعه وتعرف احتياجاته التي يقصر عن الوفاء بها التبليغ المجرد والتنظير البعيد عن العمل الميداني المؤسساتي الذي يعتمد التأصيل والتقنين من خلال توفير الأرضية والبيئة العلمية التي تحفز على بذل العلم والمعرفة من قبل من يملكها، ويشجع على طلبها والسعي لها ممن يرغب فيها.

لقد ضربت هذه المرأة الواعية مثالاً يحتذى ونموذجاً يقتدى في التحدي والإصرار، فلم تتذرع بان العين بصيرة واليد قصيرة، وإنما بادرت بشراء الأرض وبناء الصرح الذي تطمح اليه ليكون المنطلق والكهف الذي يأوي اليه أيتام آل محمد ﷺ من الفتيات وليكون لهن الحضن الدافئ والحصن المانع.

بدأت تستثمر لقاءاتها ومجالسها والمناسبات التي تحضرها وتدعو اليها والمبادرات التي تطلقها وتشجع الراغبات على الاستثمار بالمال والجهد في تشييد هذا المرفق الثقافي حتى اشرف على الاكتمال وأصبح قاب قوسين او أدنى وحان وقت موعد الحصاد الذي طالما حلمت به وتلهفت لمعانقة لحظته والاحتفال بها مع شقيقاتها ورفيقات دربها ممن زرعت فيهن روح العمل والجهاد وقادت مسيرتهن بوعي واصرار.

وعلى غير ميعاد كان القدر أسرع... وفي لحظة غفلة من الجميع... هز الأسماع نبأ رحيلها ومغادرتها لهذا العالم الفاني!!

غادرته قبل ان تشهد ولادتين: الأولى لمشروعها الذي حملته في عقلها وفكرها ووعيها سنين طوال... فلم تسعد بتدشينه وافتتاحه، والثانية لجنينها الذي حملته في أحشائها وناغته ليال طوال عندما كان يبثها الامه ويطالبها بالكف عن هذا السعي حتى يخرج للدنيا ويحتفل معها بالحدث الذي حلمت بها.

شاء الله لها ان لا تكون شاهدة على كل ذلك، واختار لها أن تكون شهيدة... فالشهيد في العادة لا يشهد الانتصار ولا يحتفل به وإنما يرقبه بعين الرضا من عالمه الأرفع والأسمى والأقدس!!

هكذا أراد الله لك يا رقية... وربما هو ما كنت تخططين له عندما كنت تسألين الله دائما حسن الخاتمة وتُلحين عليه ليحقق لك هذه الأمنية وان يختم عملك بأحسنه... نسأل الله ان يكون ثوابك منه الجنة في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا..

وإنا لله وإنا إليه راجعون!!