آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

تأمين المركبات بين الواقع والمأمول

زكي أبو السعود *

قبل فترة بسيطة اخبرني احد الاصدقاء على انه في شهر يوليو الماضي وجد احدى نوافد سيارته مكسورة اثناء وقوفها خارج منزله، وقد حدث ذلك في المساء اي بعد انتهاء الدوام الرسمي للدوائر الحكومية، ولأن السيارة مؤمناً عليها حسب النظام، فقد اتصل ”بنجم“ كي يحصل على تقرير ليقدمه الى شركة التأمين، ولكن ”نجم“ اعتذروا عن التحقيق فيها كونها حادثة قد تكون جنائية وليست مرورية، ومن ثم فان من يحقق فيها ليس بنجم ولا بشرطة المرور وانما شرطة الامن العام. لهذا كان لابد من ذهابه الى مخفر الشرطة الذي لا يبعد كثيراً عن منزله للتبليغ عن حادث ضد مجهول، واخد تقريرا من الشرطة وفقاً لذلك. حين وصوله الى المخفر وجهه الحارس الى ضابط الخفر.. وعندما دخل الى مكتب الضابط ليقدم بلاغه، «وهذه كانت اول مرة في حياته يدخل مركز شرطة ليقدم شكوى»، وجد الضابط جالساً خلف طاولته وامامه جندياً يبدو انه كان يدون شيئا ما يمليه عليه الضابط، الذي سأله عن امره وسبب مجيئه، فأخبره باختصار عما حدث ولماذا هو هنا، الا ان الضابط لم يجد اي اثارة في قصة صديقي، فقد كان مشغولاً بالتحقيق في قضية اخرى ولا يريد لأحد ان يقاطعه، وطلب من صديقي ان ينتظر خارج المكتب الذي كانت ابوابه مفتوحة وبه عدد من الكراسي الخالية حيث لم يكن في المكتب غير ذلك الجندي.

جلس صديقي صاغرا على الكرسي الحديدي الوحيد الصالح للجلوس في ممر ضيق ليس به اي تكييف مع الآخرين الذين بدوا له ان لهم علاقة بالقضية التي جعلت ضابط الخفر متعكر المزاج، وغير مستعد للمقاطعة بقضايا اخرى. كان الوقت سلحفائياً في مضيه بالنسبة لصديقي، الذي لم يكن له غير تلفونه يساعده على تمضية وقته في ذلك الممر الضيق. وكلما ازدازت قبضة الليل كلما ارتفع منسوب الرطوبة في الجو، دافعة الاحساس بالحرارة درجات أعلى، محيلة ذلك الممر الى ما يشبه محل الانتظار في احد مخابز التنور الصغيرة، الذي كانت درجة حرارة شهر يوليو كافية لامتصاص اي نسمة باردة تتسرب من غرفة ضابط الخفر المكيفة. يصف صديقي حالته في ذلك الممر وكيف تحولت ورقة المنديل التي كانت بحوزته الى ورقة رطبة مغموسة بعرق جبينه يمكن عصرها، ولم تعد قادرة على القيام بمهمتها في ابعاد العرق عن عينيه، كي يواصل استخدام السلاح الوحيد الذي كان بحوزته لمحاربة ذلك الوقت السلحفائي. ولكن بعد مضي اكثر من ساعة بدأت بطارية سلاحه في ارسال اشارتها منذرة بقرب نفادها. فلم يجد غير الاستسلام والحفاظ على ما تبقى من تلك الطاقة، كي يستطيع الرد على اى مكالمة من عائلته التي كانت مندهشة لكل هذا الانتظار. حينها بدأ في مراقبة ما يجري من حوله، كي يقلل من التفكير بحرارة المكان والوقت الذي يمضي دون فائدة، فوجد ضالته في مراقبة قطة هزيلة تسللت من الباب الخارجي بحثاً ربما عن بقايا طعام تعودت ان تجده بالقرب من سلة المهملات التي كانت وسخة اكثر من المهملات التي كانت ترمى فيها، أو ربما كانت تحاول الدخول الى غرفة ضابط الخفر المكيفة الذي كانت تبدو لها المكان الآمن الذي يمكنها اللجوء اليه اتقاءاً من تلك الحرارة التموزية. إلا انها ولسبب ما لم يفقهه صديقي وجدها تغادر المكان. حينها قرر هو الآخر المغادرة لأن الضابط اخبره انه لن يستمع اليه ولن يكلف احداً من مساعديه النظر في شكواه، الا حين الانتهاء من قضيته المهمة، التي لم يبدو حينداك انها كانت من النوع الذي يمكن ان ينتهي بسرعة.

خرج صديقي من المخفر ليس كما دخله، فلم يسأله احد الى اين انت ذاهب وهل انجزت ما كنت قادماً لاجله؟ ولماذا امضيت كل هذا الوقت متسمرا على ذلك الكرسي الصدئ دون حراك في ذاك الممر الضيق؟.

قبل ان يغادر كان يعرف انه بخروجه من المخفر سيعطى لذلك العابث الفرصة كي يكرر فعلته هذه في سيارة أخرى، وانه سيتحمل تكاليف استبدال تلك الزجاجة المكسورة بدلاً من شركة التأمين التي يفترض ان تتكفل باصلاح نافدة سيارته، ومع ذلك اختار ان يغادر المخفر صامتا الى منزله بسيارته ذات النافدة المكسورة ومكيفها الذي لم يبخل عليه في تنشيف بعضاً من عرقه المتصبب من معظم اجزاء جسمه.

بخروجه من ذلك المخفر دون تقرير عن الحادث فعل كما يفعل آخرون، ممن تدفعهم عقم الاجراءات البيروقراطية وطول الاجراءات على تحمل تكاليف اصلاح مركباتهم بأنفسهم وعدم الدخول في المسار الممل والمتعب للحصول على موافقة شركات التأمين على تحمل اصلاح السيارات المتضررة من الحوادث المرورية وغير المرورية.

لقد استبشر الناس خيراً حينما أصبح التأمين على المركبات الزامياً وكانوا يتوقعون انه بمجرد الانتهاء من التحقيق في الحادث وتحديد المسؤوليات فيه تتحمل شركات التأمين اصلاح مركبة عميلها وتسوية المترتبات المالية مع شركة تأمين الطرف الآخر في الحادث. ولكنه ولحد الآن لا زالت نفس الاجراءات المتبعة في السابق «اي قبل الزامية التأمين» باقية دون تغيير كتثمين تكلفة الاصلاح من ثلاث ورش، واعتماد شيخ المعارض القيمة المستحقة لاصلاح المركبة المتضررة. كل ذلك يتم بطريقة عشوائية وبعيد كل البعد عن تقييم احترافي ومهني كامل الدقة، وهو ما يتضح جلياً في الفرق بين تقدير ورش وكالات السيارات وبين ما يعتمده شيخ المعارض من القيمة التقديرية لاصلاح المركبة المعطوبة، وفي الذهاب والاياب بين شرطةالمرور وشركات التأمين، وانتظار موافقتها على قيمة التصليح، وما غير ذلك.

ولذا يتوقع الناس خاصة انه مع الارتفاع الكبير في اسعار التأمين على المركبات ان يرفق ذلك تحسن حقيقي في مستوى الخدمة التي تقدمها شركات التأمين، بما يوفر للسائق أو صاحب المركبة راحة البال وتفادي الاعطال واهدار الوقت الذي يقضيه في متابعة اجراءات المتابعة بين شركات التأمين وورش التصليح وادارة المرور.

إن المواطن يتوقع من مؤسسة النقد بصفتهاالجهة المشرفة على شركات التأمين بالتعاون مع شرطة المرور ان تضع نظاماً واضحاً وعصرياً يسهل للناس اصلاح مركباتهم المؤمنة دون عناء ومشقة ويحمل شركات التأمين مسؤولية المتابعة والتسوية بين بعضها البعض كما يجري في غرفة المناقصة بين البنوك، بما في ذلك انهاء الاجراءات الشكلية مع ادارات المرور في مختلف مناطق المملكة، وهو ما قد يستدعي انشاء قسماً خاصاً لهذه المهمة في كل مركز مروري، كي يتحرر المواطن من عباء المتابعة المرهقة التي لا تقدمها شركات التأمين لعملاءها حتى يومنا هذا. كما يتوقع ان تقف مؤسسة النقد في وجه شركات التأمين التي لم تتوقف عن زيادة اسعارها عام بعد عام محاولة منها تغطية خسائرها الناجمة عن ضعف مردودات استثمارها وليس نتيجة لانخفاض اسعار منتجاتها.

بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…